بقلم: مصطفى المريني (.)
أعتقد أن قرار كولومبيا سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” وإعلان اعترافها الصريح بسيادة المغرب على صحرائن لا ينبغي أن ينظر له باعتباره مجرد موقف دبلوماسي جديد، وإنما باعتباره تحولا جيوسياسيا ، لأنه يتعلق بدولة ذات وزن سياسي وإقليمي داخل أمريكا اللاتينية، وهي المنطقة التي ظلت لعقود إحدى أهم ساحات النفوذ الدبلوماسي للأطروحة الانفصالية.
أولا، نحن أمام اختراق استراتيجي لواحد من آخر معاقل الدعم التقليدي للبوليساريو. فخلال سنوات الحرب الباردة تشكلت مواقف عدد من دول أمريكا اللاتينية في سياقات إيديولوجية لم تعد قائمة اليوم. ولذلك فإن مراجعة كولومبيا لموقفها تعني أن الاعتبارات الإيديولوجية أصبحت تتراجع أمام منطق المصالح والواقعية السياسية، وهو ما قد يفتح الباب أمام مراجعات مماثلة داخل الفضاء اللاتيني، بما يشبه تأثير “أحجار الدومينو”.
ثانيا، هذا القرار يؤكد أن الدبلوماسية المغربية دخلت مرحلة جديدة. فلم تعد تتحرك بمنطق الدفاع عن الموقف المغربي، بل أصبحت تمارس دبلوماسية المبادرة وصناعة التحولات، من خلال بناء شراكات استراتيجية، وربط الموقف السياسي بعلاقات اقتصادية وتنموية وأمنية متينة. وهذا ما يفسر انتقال عدد متزايد من الدول من الحياد أو الغموض إلى الاعتراف الصريح بسيادة المغرب على صحرائه.
ثالثا، يحمل القرار الكولومبي دلالة قانونية وسياسية مهمة، مفادها أن المجتمع الدولي يتجه بشكل متزايد نحو تكريس مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الوحيد الجاد وذي المصداقية والواقعية، مقابل التراجع المستمر للأطروحة الانفصالية التي أصبحت تفقد، تباعا، رصيدها الدبلوماسي ومجالات نفوذها التقليدية.
ورابعا، فإن هذا التطور يعكس نجاح الرؤية الملكية في تدبير ملف الصحراء. فالمغرب لم يكتف بتعزيز مشروعية موقفه داخل الأمم المتحدة، بل نجح أيضا في إعادة هندسة شبكة تحالفاته الدولية، حتى أصبحت قضية الصحراء تشكل مدخلا لإقامة شراكات استراتيجية مع العديد من الدول، وليس مجرد ملف سياسي معروض على طاولة المفاوضات.
لذلك، فإن اعتراف كولومبيا بمغربية الصحراء يمثل أكثر من انتصار دبلوماسي؛ إنه مؤشر على إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للدعم الدولي للوحدة الترابية للمملكة، ورسالة واضحة بأن الدينامية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس تواصل توسيع دائرة التأييد الدولي، بما يجعل الأطروحة الانفصالية تواجه عزلة سياسية ودبلوماسية متزايدة، حتى داخل المناطق التي كانت تعد إلى وقت قريب من أبرز معاقلها.
(.) أستاذ جامعي ومحلل سياسي