بقلم: حمزة الاندلسي بن ابراهيم (.)
تعد الانتخابات من أبرز آليات الممارسة الديمقراطية، غير أن أهميتها لا تنحصر في عملية التصويت وإعلان النتائج، بل تمتد إلى مختلف المراحل السابقة ليوم الاقتراع، وفي مقدمتها الحملة الانتخابية بما تتضمنه من برامج وخطابات وشعارات ووعود ووسائل للتواصل والتعبئة.
وإذا كانت منظومة ملاحظة الانتخابات تتيح تتبع مدى احترام الضوابط القانونية وضمانات النزاهة والشفافية، فإن دراسة مضمون الحملات الانتخابية لا تزال تحتاج إلى إطار علمي ومؤسساتي مستقل. ومن هذا المنطلق، يبرز مقترح إحداث «مرصد الباحث للحملة الانتخابية» بوصفه آلية جامعية متخصصة في الرصد الميداني والتحليل العلمي والتوثيق، دون أن يشكل بديلا عن مهام ملاحظي الانتخابات أو يتداخل معها.
الحملة الانتخابية موضوع للبحث العلمي
تمثل الحملة الانتخابية مختبرا سياسيا واجتماعيا مفتوحا، يمكن من خلاله دراسة طبيعة العلاقة بين المرشح والناخب، وتحليل القضايا التي تستأثر باهتمام الفاعلين السياسيين، ورصد التحولات التي يعرفها الخطاب الانتخابي وأساليب التواصل والتعبئة.
كما تتيح دراسة الحملة الوقوف على مدى حضور قضايا التشغيل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والاستثمار والعدالة المجالية والبيئة والثقافة والحكامة في البرامج والوعود الانتخابية. وتسمح كذلك بتحليل تمثلات الفاعلين السياسيين للمرأة والشباب والأشخاص في وضعية إعاقة والمغاربة المقيمين بالخارج، ومدى إدماج هذه الفئات في الخطاب الانتخابي وفي الترشيحات والبرامج.
ومن شأن إخضاع هذه المعطيات للتحليل العلمي أن ينقل النقاش حول الانتخابات من مستوى الانطباعات والمواقف الظرفية إلى مستوى المعرفة القائمة على الملاحظة الميدانية والبيانات الموثقة والمناهج الأكاديمية.
الجامعة فاعل معرفي في المسار الانتخابي
لا ينبغي اختزال دور الجامعة في تدريس النظم السياسية والقانون الانتخابي أو في دراسة نتائج الانتخابات بعد انتهائها، بل يمكنها أن تضطلع بدور معرفي مواكب لمختلف مراحل العملية الانتخابية، مع المحافظة على الحياد والاستقلال العلمي.
وتتوفر الجامعات المغربية على خبرات متعددة في القانون والعلوم السياسية والاقتصاد وعلم الاجتماع والجغرافيا والإعلام والتواصل والإحصاء وتحليل البيانات. ويمكن تعبئة هذه الكفاءات لإنتاج معرفة دقيقة حول الحملات الانتخابية التشريعية والجهوية والجماعية، وربط البحث الأكاديمي بالتحولات السياسية والاجتماعية التي يشهدها المجتمع.
وتختلف القضايا التي يطرحها كل نوع من الانتخابات. فالانتخابات التشريعية تتمحور أساسا حول السياسات العمومية والاختيارات الوطنية وعمل الحكومة والبرلمان، بينما ترتبط الانتخابات الجهوية والجماعية بقضايا التنمية الترابية والخدمات المحلية والنقل والتعمير والبيئة والمرافق الاجتماعية والثقافية. ويسمح المرصد بتحليل مدى ملاءمة وعود المرشحين لطبيعة المؤسسة المنتخبة ولاختصاصاتها القانونية والمالية.
تنظيم المرصد على مستوى الجهات
يقوم المرصد على بنية وطنية ذات امتداد جهوي، من خلال إحداث مرصد في كل جهة من جهات المملكة الاثنتي عشرة، تشرف عليه جامعة أو ائتلاف من الجامعات ومؤسسات التعليم العالي الموجودة داخل الجهة.
ويتولى كل مرصد جهوي تكوين فرق بحث ميدانية تغطي العمالات والأقاليم والدوائر الانتخابية، مع مراعاة التوازن بين المجالات الحضرية والقروية والخصوصيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لكل جهة. ويسمح هذا التنظيم بإنتاج معرفة قريبة من الواقع المحلي، بدلا من الاكتفاء بقراءة مركزية قد لا تعكس التنوع المجالي والسياسي للمملكة.
وتحدث على المستوى الوطني هيئة علمية للتنسيق بين المراصد الجهوية الاثني عشر، تتولى وضع المرجعية المنهجية الموحدة، وإعداد أدوات البحث، وتحديد معايير اختيار العينات وإجراء المقابلات وتحليل الخطابات، فضلا عن تجميع نتائج التقارير الجهوية وصياغة التقرير التركيبي الوطني.
ويتيح هذا البناء الجمع بين وحدة المنهجية على المستوى الوطني وخصوصية التحليل على المستوى الجهوي، كما يسمح بإجراء مقارنات بين الجهات وبين المجالات الحضرية والقروية، ورصد الفوارق في القضايا والبرامج وأساليب التواصل السياسي.
مشاركة الأساتذة والباحثين والطلبة والمجازين
ينبغي أن يعتمد المرصد أساسا على الأساتذة الجامعيين وباحثي الدكتوراه وطلبة الماستر والمجازين في التخصصات ذات الصلة. ويتولى الأساتذة والباحثون المؤطرون إعداد المنهجية والإشراف على العمل الميداني ومراجعة النتائج، بينما يشارك الطلبة والخريجون في جمع المعطيات وإجراء المقابلات وتوثيق الأنشطة وتصنيف الخطابات والشعارات والبرامج.
وتحقق هذه المشاركة فائدة مزدوجة؛ فهي تمكن المرصد من الاستفادة من الطاقات الجامعية المتخصصة، وتتيح للباحثين الشباب اكتساب خبرة عملية في البحث الميداني وتحليل الخطاب ومعالجة البيانات وإعداد التقارير.
غير أن الانخراط في أعمال المرصد ينبغي أن يسبقه تكوين خاص يشمل الإطار القانوني المنظم للانتخابات، ومناهج البحث الكمي والكيفي، وتقنيات إجراء المقابلات، وتحليل الخطاب السياسي، واستعمال أدوات معالجة البيانات، وأخلاقيات البحث العلمي، وحماية المعطيات الشخصية، وقواعد الحياد وعدم التأثير في الناخبين.
التنسيق مع وزارة الداخلية
ينجز المشروع بتنسيق مؤسساتي مع وزارة الداخلية، باعتبارها الجهة المشرفة على تنظيم العمليات الانتخابية، وذلك لتيسير عمل الفرق البحثية وتمكينها، في حدود التشريع الجاري به العمل، من الوصول إلى المعلومات العمومية الضرورية لإنجاز الدراسات.
ويشمل هذا التنسيق التعريف بمهام المرصد لدى السلطات والإدارات المعنية، وتيسير تنقل الباحثين داخل الدوائر الانتخابية، وتوفير المعطيات العمومية المتعلقة بالتقطيع الانتخابي واللوائح والمرشحين والجداول الزمنية للحملات، فضلا عن معالجة الصعوبات العملية التي قد تواجه فرق البحث في الميدان.
ويمكن تنظيم العلاقة بين الأطراف من خلال اتفاقية إطار تجمع وزارة الداخلية والوزارة المكلفة بالتعليم العالي والبحث العلمي والجامعات المشاركة، تحدد أهداف المرصد واختصاصات كل طرف وآليات التمويل والتكوين والاعتماد وشروط حماية المعطيات وكيفية نشر النتائج.
وينبني هذا التنسيق على تكامل الأدوار بين وزارة الداخلية والجامعات، بما يتيح تيسير العمل الميداني والاستفادة من المعطيات العمومية المتاحة، في إطار يحافظ للجامعة على دورها العلمي في اختيار المناهج وتحليل المعطيات وصياغة النتائج. ومن شأن هذا التكامل أن يعزز جودة البحث ومصداقية التقارير، ويهيئ الظروف الملائمة لإنتاج معرفة علمية رصينة حول الحملات الانتخابية.
مقابلة المرشحين والفاعلين في الحملات
تعتمد منهجية المرصد على إجراء مقابلات منظمة أو شبه موجهة مع المرشحين ومديري الحملات ووكلاء اللوائح والمسؤولين الحزبيين والمنتخبين والفاعلين الجمعويين والإعلاميين والناخبين.
وتهدف هذه المقابلات إلى فهم كيفية إعداد البرامج واختيار الشعارات وتحديد الفئات المستهدفة، والوقوف على مصادر المعطيات التي يعتمد عليها المرشحون في صياغة وعودهم، فضلا عن تحليل العلاقة بين البرنامج الوطني للحزب والخطاب المحلي للمرشح.
كما تسمح المقابلات بدراسة طرق تدبير الحملات، ومدى استعمال الوسائل الرقمية، وطبيعة العلاقة مع وسائل الإعلام، وموقع اللقاء المباشر بالمواطنين ضمن استراتيجيات التواصل، وكيفية تفاعل المرشحين مع القضايا الوطنية والجهوية والمحلية.
ويتعين إنجاز هذه المقابلات وفق استمارات موحدة، مع ضمان الموافقة المسبقة للمشاركين، واحترام سرية المعطيات عند الاقتضاء، وتحقيق تكافؤ المعاملة بين مختلف الأحزاب والمرشحين، وتجنب أي ممارسة يمكن أن تفهم باعتبارها دعما انتخابيا أو موقفا سياسيا.
رصد الخطاب والشعارات والوعود الانتخابية
يشكل تحليل الخطاب أحد المحاور الأساسية لعمل المرصد، بالنظر إلى ما تعكسه الخطب والشعارات والبرامج من تصورات للسلطة والمجتمع والتنمية والمواطن.
ويمكن للباحثين تصنيف الخطابات والوعود بحسب موضوعاتها، وقياس حضور القضايا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والمؤسساتية فيها، فضلا عن التمييز بين المقترحات الدقيقة القابلة للقياس والشعارات العامة ذات الطابع التعبوي.
كما يتعين تحليل مدى ارتباط الوعود بالاختصاصات القانونية للمؤسسة المنتخبة، وتحديد ما إذا كانت البرامج تتضمن أهدافا واضحة وآجالا للتنفيذ ومصادر محتملة للتمويل ومؤشرات لتقييم النتائج. ولا يهدف هذا التحليل إلى المفاضلة السياسية بين الأحزاب، بل إلى دراسة خصائص الخطاب الانتخابي ومدى تطوره وانسجامه مع الواقع القانوني والمجالي.
ويمتد الرصد إلى وسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات الرقمية والمحتويات السمعية البصرية، بالنظر إلى تنامي دورها في تشكيل الرأي العام والوصول إلى فئات واسعة من الناخبين، وخاصة الشباب.
التقرير التركيبي الوطني والتقارير الجهوية
تتوج أعمال المرصد بإعداد اثني عشر تقريرا جهويا تعكس خصوصيات الحملات داخل كل جهة، إضافة إلى تقرير تركيبي وطني يقدم قراءة شاملة للانتخابات التشريعية والجهوية والجماعية.
ويتضمن التقرير الوطني عرضا للمنهجية والعينات المعتمدة، وخريطة للقضايا التي هيمنت على الحملة، وتحليلا للخطابات والبرامج والشعارات والوعود، ونتائج المقابلات المنجزة، ومعطيات حول مشاركة النساء والشباب، واستعمال اللغات الوطنية، وحضور وسائل التواصل التقليدية والرقمية.
كما يمكن أن يقدم التقرير مقارنات بين الجهات، وبين المجالين الحضري والقروي، وبين البرامج الوطنية والخطابات المحلية، مع تتبع تطور الحملات من استحقاق انتخابي إلى آخر.
وينبغي نشر النتائج بلغة علمية واضحة ومحايدة، مع تجنب ترتيب الأحزاب أو تقييم الأشخاص خارج المعايير العلمية المعلنة. ويمكن وضع قاعدة البيانات المتاحة للعموم رهن إشارة الجامعات والمؤسسات والباحثين، مع احترام مقتضيات حماية المعطيات الشخصية.
تمويل المرصد على غرار برامج ملاحظة الانتخابات
يتطلب إنجاح المرصد توفير تمويل عمومي مناسب، على غرار الدعم المخصص لبرامج ملاحظة الانتخابات، لتغطية تكاليف التكوين والتنقل والعمل الميداني وإعداد الاستمارات ومعالجة البيانات وتنظيم اللقاءات العلمية ونشر التقارير.
ويمكن اعتماد نظام طلبات مشاريع تنافسية تقدمها الجامعات أو فرق البحث المعتمدة، وفق معايير تتعلق بالكفاءة العلمية والتغطية المجالية وجودة المنهجية وقدرة الفريق على إنجاز المشروع. كما يمكن تخصيص منح أو تعويضات لباحثي الدكتوراه وطلبة الماستر والمجازين المشاركين في عمليات الرصد الميداني.
ويجب أن يخضع التمويل لقواعد الشفافية والمراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع الإعلان عن المشاريع المقبولة والميزانيات المخصصة والنتائج المحققة. كما يتعين منع التمويل المباشر أو غير المباشر من الأحزاب والمرشحين، تفاديا لتعارض المصالح وحفاظا على استقلال المرصد.
ولا يمثل تمويل المشروع مجرد نفقة مرتبطة بفترة انتخابية محدودة، بل يعد استثمارا في البحث العلمي وتأهيل الموارد البشرية وحفظ الذاكرة الانتخابية وتطوير المعرفة بالممارسة الديمقراطية.
ضمانات الحياد والاستقلال العلمي
ترتبط مصداقية المرصد بقدرته على ضمان الحياد والاستقلال والنزاهة العلمية. ولهذا ينبغي اعتماد ميثاق أخلاقي يلزم جميع المشاركين بالموضوعية وسرية المعطيات وعدم القيام بأي دعاية انتخابية أو التعبير عن موقف حزبي خلال أداء مهامهم.
كما يتعين إلزام المشاركين بالتصريح بحالات تعارض المصالح، ولا سيما العضوية الحزبية أو الارتباط المباشر بحملة انتخابية أو بمرشح معين. ويمكن استبعاد كل من توجد في وضعيته عناصر موضوعية من شأنها التأثير في حياده أو في ثقة الفاعلين بنتائج البحث.
وتتولى لجنة علمية مستقلة مراقبة احترام المنهجية، ودراسة الاعتراضات العلمية، والتحقق من جودة المعطيات والتقارير قبل نشرها. كما ينبغي نشر أدوات البحث ومعايير التحليل المعتمدة، بما يجعل النتائج قابلة للفهم والمناقشة والتحقق الأكاديمي.
نحو ذاكرة علمية للانتخابات المغربية
من شأن إحداث «مرصد الباحث للحملة الانتخابية» أن يؤسس لعلاقة جديدة بين الجامعة والانتخابات، قوامها الانتقال من المتابعة النظرية إلى الحضور الميداني المنظم، ومن القراءة الانطباعية إلى التحليل المبني على البيانات والأدلة.
كما يسمح تنظيم المرصد عبر جامعات الجهات الاثنتي عشرة بإنتاج معرفة تراعي التنوع المجالي للمغرب، في حين يضمن التنسيق مع وزارة الداخلية تيسير العمل الميداني ضمن إطار قانوني ومؤسساتي واضح، دون المساس باستقلال البحث الأكاديمي.
إن الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى آليات تضمن نزاهة الاقتراع، بل تحتاج أيضا إلى مؤسسات تنتج معرفة علمية حول الخطاب الانتخابي والبرامج والوعود وأساليب التواصل السياسي. ومن خلال إشراك الأساتذة الجامعيين وباحثي الدكتوراه وطلبة الماستر والمجازين، يمكن للمرصد أن يتحول إلى فضاء لتأهيل الباحثين الشباب، وتوثيق الذاكرة الانتخابية، وإغناء النقاش العمومي، وتعزيز مساهمة الجامعة في تطوير الممارسة الديمقراطية.
وعليه، لا يراد من المرصد مراقبة الأفكار أو تقييم الاختيارات السياسية للناخبين، بل فهم الظاهرة الانتخابية وتوثيقها وتحليلها وفق قواعد البحث العلمي. وبذلك يصبح التقرير التركيبي الذي يصدر عنه مرجعا للجامعات والمؤسسات العمومية والأحزاب والمجتمع المدني ووسائل الإعلام، وأداة لتطوير جودة البرامج والخطابات والحملات الانتخابية بالمغرب.
(.) باحث متخصص في التشاور العمومي