بصمة لقجع في برنامج «البام».. هل تقوده إلى تصدر الانتخابات وقيادة الحكومة؟

بقلم: مصطفى المريني

لا يحتاج المرء إلى كثير جهد، وهو يراجع برنامج «البام» الانتخابي، لكي يتبين بصمة لقجع، بالأحرى «بركته»، التي أضفت عليه زخماً استثنائياً، وجعلته أكثر ذكاءً في استهداف انتظارات المغاربة، خصوصاً الفئات الفقيرة والطبقة المتوسطة، بما هي الفئات التي يُفترض أن تكون الأكثر إقبالاً على صناديق الاقتراع، والأشد تأثراً بما يمكن أن تحمله الانتخابات من تغيير في أوضاعها المعيشية.

واللافت أن برنامج «البام»، بالأحرى لمسة لقجع فيه، ذهب مباشرة إلى حيث تشرئب أعناق الفئات الفقيرة والطبقة المتوسطة، بحثاً عما يلامس معاشها اليومي وحياتها المباشرة؛ وهي، في الغالب، الفئات التي تسكن القرى وأطراف المدن، والتي تشكل، بالمناسبة، الكتلة الأكثر إقبالاً على صناديق الاقتراع، بما يكشف عن أن الحزب، بالأحرى الرجل، يعرف جيداً من أين تؤكل الكتف الانتخابية.

فالوعد بمراجعة المؤشر الذي يحرم ملايين الفقراء المسجلين في السجل الاجتماعي من الاستفادة من الدعم، لمجرد أن تكشف المعطيات أنهم اقتنوا دراجة أو عبّأوا هاتفاً، ثم الوعد بتوفير الماء والكهرباء مجاناً لهذه الفئات، فضلاً عن الوعد بتوفير مليون فرصة شغل، ليست مجرد وعود اجتماعية متفرقة، وإنما رسالة واضحة إلى ملايين المغاربة الذين يعيشون في الهامش الاجتماعي والاقتصادي، مؤداها أن «البام»، وفي ظل وجود «المعلم» لقجع، يعرف أين توجد حاجتهم، وكيف يخاطبها مباشرة.

كما لم ينسَ الحزب، بل «عرّابه»، الطبقة المتوسطة، إذ وعدها بإجراءات تستهدف التخفيف من أعبائها، من خلال إعفاء الأجور التي تقل عن 15 ألف درهم من الضريبة على الدخل، ورفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم، وتحسين القدرة الشرائية، إلى جانب إصلاح الصحة والتعليم. وهنا تحديداً، مكمن «الذكاء» في برنامج «البام»، إذ لم يخاطب الناخبين بلغة واحدة، وإنما خاطب كل فئة من الباب الذي يؤلمها، وهذه طريقة لافتة في اصطياد الانتظارات وتحويلها إلى طُعم انتخابي قابل لأن يلتقطه الناخب ويتذكره لحظة مثوله أمام صندوق الاقتراع.

ولذلك، لا يبدو برنامج «البام» مجرد قائمة من الوعود ينافس بها بقية البرامج في السوق الانتخابي، وإنما هندسة دقيقة لخريطة اجتماعية هي في الوقت نفسه خريطة انتخابية، يحاول أن يقدم نفسه من خلالها بديلاً حكومياً؛ فحين يجعل الفقير والطبقة المتوسطة والشاب الباحث عن الشغل في مرمى استهدافه، فإنه لا يقدم فقط وعوداً اجتماعية، وإنما يعيد رسم خريطة الأولويات الحكومية، ويشتغل، في العمق، على صورة مرحلة حكومية جديدة، لها أولويات مختلفة عن المرحلة المنتهية.

فبعد حكومةٍ نظر إليها جزء من الرأي العام باعتبارها حكومةً أقرب إلى رجال الأعمال والأغنياء، ولم تستطع إقناع الفقراء والطبقة المتوسطة بأنهم كانوا المستفيد الأكبر من سياساتها، يأتي «البام» ليقدم نفسه باعتباره بديلاً عنها، بحكومةٍ ذات أولويات اجتماعية واقتصادية مختلفة، تجعل الفقير والطبقة المتوسطة في صدارة اهتمامها. وكأنه يقول: لقد حان الوقت لكي تنتقل الدولة الاجتماعية من مستوى الشعار إلى مستوى الأثر المباشر في حياة المواطنين.

ولذلك، إذا استطاع «البام»، بالأحرى لقجع، أن يقنع الفئات التي يخاطبها بأن برنامجه ليس مجرد قائمة من الوعود، وأنه قادر على إعادة التوازن بين النمو والعدالة الاجتماعية، وبين مصالح الفئات القوية وانتظارات الفئات الأقل استفادة، فإنه سيكون قد وضع نفسه في موقع متقدم في السباق الانتخابي. بل إنني أذهب أبعد من ذلك: أن البرنامج، في صيغته الحالية، يبدو وكأنه صيغ بعين على صناديق الاقتراع وعين أخرى على الحكومة.

فهل نحن، والحالة هاته، أمام حزب يستعد فقط لخوض الانتخابات، أم أمام حزب يستعد لما بعدها؟ وهل يكون هذا البرنامج مجرد وثيقة انتخابية، أم برنامج حكومة مقبلة كتبت بعض ملامحها مسبقاً؟ وإذا كانت صناديق الاقتراع هي التي ستمنح الشرعية لهذا السيناريو، فإن قراءة البرنامج توحي بأن الحزب لا يراهن على المرتبة الثانية هذه المرة، وإنما يطمح إلى تصدّر الانتخابات وقيادة الحكومة.

لكن ماذا عن الكيف؟ فالبرنامج يعلن عن التزامات ضخمة، تناهز كلفتها، بحسب ما قدمه الحزب، 350 مليار درهم خلال الولاية الحكومية المقبلة. والحزب قدم بالفعل تصوراً لمصادر تمويلها، وهو ما ينبغي تسجيله له، لكن السؤال لا ينتهي بمجرد تحديد الموارد؛ لأن كل هذه الوعود مرتبطة أيضاً بفرضيات اقتصادية، في مقدمتها تحقيق نمو قوي ومستدام. وماذا لو لم تأتِ الظروف الاقتصادية والمناخية والدولية كما تشتهي الأرقام؟ ماذا لو لم يتحقق النمو بالمعدل المفترض؟

قد تسمح الانتخابات بتسويق الوعود، فيما تبقى الحكومة محكاً حقيقياً لاختبار تنزيلها. وفي هذا تحديداً ستكون بصمة لقجع تحت الاختبار؛ لأن الرجل الذي يعرف أن كل وعد اجتماعي له كلفة، وأن كل كلفة لها مورد، وأن كل مورد له حدود، لا يمكن أن يكتفي ببلاغة الأرقام، بل سيكون مطالباً بترجمة الأرقام إلى إجراءات وتدابير وسياسات يشعر المواطن بأثرها في معيشه اليومية.

قد يكون من المبكر الجزم بما ستنبثق عنه صناديق الاقتراع، لكن فرضية تصدر «البام» لا تبدو مجرد أمنية انتخابية، بل سيناريو يستحق أن يؤخذ على محمل الجد. والحزب لا يبدو كمن يريد فقط أن يفوز بمقاعد أكثر، وإنما كمن يريد أن ينتقل إلى موقع البديل؛ وأن لقجع لا يبدو كمن وضع بصمته على برنامج انتخابي فقط، وإنما كمن يختبر من خلاله إمكانية الانتقال من إقناع الناخبين إلى ممارسة سلطة القرار؛ فملاحظة الطريقة التي يجرى بها تسويق برنامج «البام»، والأضواء والهالة التي أحاطت بحضور لقجع وهو يقدمه، تسمح بطرح سؤال يتجاوز مضمون البرنامج نفسه: هل كان الرجل بصدد تقديم برنامج انتخابي لحزب، أم بصدد تقديم نفسه، بطريقة غير مباشرة، باعتباره رجل المرحلة المقبلة؟ فحضور لقجع، بما راكمه من صورة الرجل القريب من الأرقام والميزانية، أعطى للبرنامج أكثر من بعده الحزبي، وأضفى عليه مسحة من الجدية والقدرة على الإنجاز؛ بما يجعل السؤال مشروعاً: هل يكون «البام» هو حزب المرحلة المقبلة، وهل يكون لقجع هو الرجل الذي سينتقل من تسويق البرنامج إلى قيادة الحكومة وتنزيله؟

تعليقات (0)
اضافة تعليق