بقلم: نعيم بوسلهام
تفتح التسريبات المتداولة حول لؤي الشريف، الناشط الإماراتي المعروف بدفاعه عن اتفاقيات أبراهام ومواقفه الحادة من الإسلاميين وحركة حماس، نقاشًا يتجاوز شخصه إلى واحدة من أخطر ظواهر الإعلام الرقمي المعاصر: تحويل التأثير على الرأي العام إلى خدمة مدفوعة وموجهة.
وبحسب مراسلات ولقطات شاشة نشرتها المعلقة الأمريكية أنجيلا فان دير بلويْم، فقد عُرض عليها مبلغ 1500 دولار مقابل نشر محتوى سياسي محدد، مع تزويدها برسائل ونقاط جاهزة تتناول جماعة الإخوان المسلمين وحماس، وتقدم الإسلام السياسي باعتباره تهديدًا أمنيًا في أوروبا. وقد تناولت منصات إعلامية هذه المراسلات باعتبارها جزءًا من حملة أوسع لتوجيه محتوى المؤثرين.
المشكلة هنا ليست في أن شخصًا يدفع مقابل نشر محتوى؛ فهذا أمر شائع في عالم الإعلانات والعلاقات العامة. المشكلة تبدأ عندما يكون المقابل المالي مرتبطًا بتوجيه المضمون السياسي، بينما يظهر أمام الجمهور باعتباره رأيًا مستقلًا لصاحب الحساب.
وهنا تكمن خطورة اقتصاد المؤثرين: فالمتلقي لا يرى شركة علاقات عامة ولا حملة سياسية ولا جهة ممولة، وإنما يرى شخصًا يتابعه ويثق به. فإذا كانت الرسالة مدفوعة ومعدة مسبقًا دون إفصاح واضح، فإن المسألة تتحول من ممارسة إعلامية إلى تلاعب محتمل بوعي الجمهور.
والأكثر إحراجًا للشريف أن القضية تتعارض مع الصورة التي يقدمها عن نفسه بوصفه صوتًا يدافع عن الحوار والسلام ومواجهة التطرف. فمن حقه، بطبيعة الحال، أن يختلف مع حماس أو الإخوان المسلمين وأن يدافع عن إسرائيل أو الإمارات واتفاقيات أبراهام؛ لكن ليس من حق أي جهة أن تقدم رأيًا سياسيًا جاهزًا للجمهور تحت غطاء الاستقلالية إذا كان صاحبه يتلقى مقابلًا ماليًا لإنتاجه.
وفي المقابل، ينبغي مهنيًا عدم القفز إلى استنتاج أن الحكومة الإماراتية هي التي مولت مباشرة هذا العرض من دون أدلة تثبت ذلك. وجود مراسلات منسوبة إلى الشريف لا يساوي وحده إثبات سلسلة التمويل أو الجهة الآمرة. وهذه نقطة أساسية حتى لا يتحول النقد المشروع إلى اتهام غير موثق.
لكن التسريب، حتى بهذه الحدود، يطرح أسئلة ثقيلة: هل كان الشريف يتحرك لحسابه الخاص؟ هل هناك جهة تمول مثل هذه الحملات؟ وهل تلقى مؤثرون آخرون عروضًا مشابهة؟ وكم من المحتوى السياسي الذي يظهر يوميًا على منصات التواصل يُنتج أصلًا داخل غرف العلاقات العامة ثم يُقدَّم للجمهور باعتباره رأيًا شخصيًا؟
هذه هي القضية الحقيقية.
فالمشكلة ليست في الـ1500 دولار بحد ذاتها، وإنما في احتمال أن يصبح الرأي السياسي سلعة، والمؤثر وسيطًا، والجمهور هو الطرف الذي لا يعرف شيئًا عن الصفقة.
وفي زمن أصبحت فيه حسابات المؤثرين بمثابة منصات إعلامية قائمة بذاتها، فإن الشفافية بشأن التمويل والمصالح والعلاقات المهنية لم تعد ترفًا أخلاقيًا، بل أصبحت شرطًا أساسيًا لحماية الجمهور من صناعة إجماع وهمي بأموال حقيقية.
وبذلك، فإن «فضيحة لؤي الشريف» ـ إذا تأكدت الوقائع المتداولة ـ لا تختزل في شخص أو مبلغ مالي، بل تكشف الوجه الأكثر قتامة لسوق التأثير السياسي الرقمي: حين لا يعود السؤال ماذا يقول المؤثر، بل من دفع له كي يقوله.