“تعذر البت” ونشر قانون المحاماة ..ما موقع الصيغة من إعراب القضاء الدستوري؟ وما أثرها على مسار الإصدار والنشر؟

بقلم: مصطفى المريني

ليست كل النوازل الدستورية ينتهي أثرها بانتهاء القرار الذي صدر فيها فقد تكون قيمة بعضها فيما تطرحه من أسئلة أكثر مما تحسمه من مسائل. ولعل قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 بشأن القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، من هذا النمط . فقد انتهى إلى “تعذر البت ” في الإحالة على حالها،” ، بعد أن تبين للمحكمة أن رسالة الإحالة لم ترفق بنص القانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية، بما حال دون بسط الرقابة على النص في صورته التي أقرها البرلمان.
غير أن ما يضفي على الواقعة طابعها الإشكالي أن القانون لم يتوقف عند هذا الحد فقد صدر الظهير الشريف رقم 1.26.75 بتنفيذه بتاريخ 18 غشت 2026، ثم نشر القانون في الجريدة الرسمية عدد 7536 بتاريخ 20 أغسطس 2026، دون أن تكون المحكمة الدستورية قد بلغت مضمونه لتقول كلمتها في مدى مطابقته للدستور. وهنا تكتسي عبارة ” تعذر البت في الإحالة على حالها” دلالة تتجاوز مجرد وصف وضعية إجرائية ،إذ تطرح سؤالاً عن موقع هذه الصيغة بين صيغ القضاء الدستوري، وعن مآل الإحالة التي انتهت إليها، وعن أثرها على مسار إصدار القانون ونشره.

“تعذر البت “… صيغة بين المنزلتين

غالباً ما تنتهي المحكمة الدستورية، عندما تنظر في الإحالات المتعلقة بالقوانين، إلى التصريح بمطابقة النص للدستور أو بعدم مطابقته له. وفي كلتا الحالتين تكون المحكمة قد مارست رقابتها على النص وبلغت محلها، ثم رتبت النتيجة التي اقتضاها الفحص. أما “تعذر البت في الإحالة على حالها”، فيضعنا أمام وضع مختلف، فالمحكمة لا تقول إن النص مطابق، ولا تقول إنه مخالف، وإنما تعلن أن مانعاً حال دون البت في الإحالة بالصورة التي عرضت بها.
وهذا هو تحديداً ما وقع في نازلة قانون المحاماة. فالمحكمة لم تنصرف إلى فحص مقتضيات القانون واستخلاص مدى دستوريتها، وإنما وقفت عند وضعية الإحالة نفسها. فقد تبين لها أن رسالة الإحالة لم ترفق بنص القانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية، وأن ما أحيل عليها لا يمثل النص النهائي الذي يفترض أن تبسط عليه رقابتها.
وقد عبرت المحكمة عن ذلك حين اعتبرت أن عدم إرفاق نسخة مطابقة لأصل النص يجعل محل الرقابة غير متوفر من الناحية الواقعية، ويشكل مانعاً قانونياً يحول دون الفصل في الإحالة.
وتكتسب عبارة “على حالها”دلالتها من هذه الزاوية تحديداً. فالتعذر تعلق، بحسب منطوق القرار وتعليله، بالإحالة في الصورة التي عرضت بها، وليس بالقانون باعتباره نصاً خرج من دائرة الرقابة. وشتان بين أن يتعذر البت في قانون، وبين أن يتعذر البت في إحالة لم تقدم المحكمة معها ما يمكنها من مباشرة الرقابة على ذلك القانون. فالمطابقة وعدم المطابقة هما نتيجتان لممارسة الرقابة، أما “تعذر البت” فهو، في هذه النازلة، تعبير عن أن الرقابة لم تبلغ محلها الموضوعي.
«
“تعذر البت “.. وسوابق القضاء الدستوري

لا تقف صيغة “تعذر البت” عند هذه النازلة وحدها، فقد عرف القضاء الدستوري المغربي حالات تعذر فيها البت لأسباب تتصل بوضعية النص المحال أو بالوثائق التي تمكن المحكمة من مباشرة رقابتها. وتكتسب هذه السوابق أهميتها من كونها تكشف عن كيفية تعامل القضاء الدستوري مع وضعية لا تنتهي فيها الرقابة إلى مطابقة أو عدم مطابقة. ولا مشاحة في أن لكل نازلة خصوصيتها، وأن استحضار السوابق لا يعني بالضرورة إلزام المحكمة باتباع المسار نفسه في كل حالة. غير أن الرجوع إليها يسمح بوضع القرار رقم 277/26 في سياقه، ويفتح النقاش حول ما إذا كان “تعذر البت” ينهي الإحالة نهائياً، أم ينهيها في الصورة التي عرضت بها فقط. فإذا كان سبب التعذر قابلاً للاستدراك، فإن السؤال يصبح متصلاً بإمكان إعادة تقديم النص في صورته الصحيحة، وبما إذا كانت تلك العودة تستوجب إحالة جديدة أو يمكن أن تتم في إطار المسطرة ذاتها. ولا أعتقد أن قيمة السوابق هنا تكمن في البحث عن تطابق تام بينها وبين نازلة قانون المحاماة وإنما في أنها تمنع النظر إلى «تعذر البت» باعتباره، بمجرد صدوره، حكماً موضوعياً على القانون أو إغلاقاً نهائياً لباب الرقابة.

“تعذر البت” وأثر على مسار الإصدار

بعد صدور القرار، لم يتوقف المسار التشريعي. فقد صدر الظهير الشريف رقم 1.26.75 بتاريخ 18 غشت 2026 بتنفيذ القانون رقم 66.23، ونشر القانون في الجريدة الرسمية عدد 7536 بتاريخ 20 غشت 2026، ليصبح نافذاً من حيث الأصل وفقاً لمقتضياته. ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن المحكمة الدستورية قضت بمطابقة القانون للدستور؛ فقرارها لم يتضمن مثل هذا الحكم، وإنما انتهى إلى تعذر البت في الإحالة على حالها. لكن ما أثر هذا القرار على المسطرة التي كانت قد توقفت بسبب الإحالة؟
تكتسب المسألة أهميتها من صياغة المادة 26 من القانون التنظيمي رقم 066.13، كما تم تغييرها وتتميمها بالقانون التنظيمي رقم 36.24؛ إذ تنص على أن وقف سريان الأجل المحدد لإصدار الأمر بتنفيذ القانون ينتهي، بالنسبة إلى القانون المعني، فور نشر قرار المحكمة الدستورية القاضي بمطابقته للدستور. أما المادة 27، فرتبت آثاراً محددة على التصريح بعدم المطابقة، مع تنظيم حالة إمكانية فصل المقتضى غير المطابق عن باقي القانون. أما عندما تنتهي الإحالة إلى «تعذر البت»، فلا نجد حكماً صريحاً مماثلاً يحدد، بذات الوضوح، أثر هذه الصيغة على المسار اللاحق لإصدار القانون. وها هنا يبرز وجه آخر من وجوه النازلة؛ إذ لم تكن المحكمة أمام نص أعلنت مطابقته، ولا أمام نص أعلنت عدم مطابقته، وإنما أمام إحالة تعذر البت فيها؛ ومع ذلك واصل القانون طريقه إلى الإصدار والنشر.
فهل يكفي صدور قرار التعذر لانتهاء الأثر الإجرائي للإحالة؟
أم أن الأمر يتوقف على طبيعة التعذر وسببه؟ وإذا كان العائق قابلاً للاستدراك، فهل كان من الممكن تصور مسار يسمح باستكمال الرقابة؟ أم أن استكمالها لا يكون إلا بإحالة جديدة؟

“تعذر البت”… ما لم يقله النص

تطرح النازلة، في هذا المستوى، سؤالاً يتجاوز مجرد الخطأ الذي شاب وثائق الإحالة. فالمسؤولية عن إحالة النص في صورته النهائية تظل قائمة في جانب الجهة المحيلة، ولا يستقيم أن تتحمل المحكمة ما يدخل في نطاق مسؤولية غيرها. غير أن الأمر لا يقف عند تحديد المسؤولية عن النقص؛ وإنما يمتد إلى مآل الإحالة بعد أن تعذر البت فيها.
لقد نظم الدستور والقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية مراحل الإحالة، وآجال البت، والآثار المترتبة على قرارات المطابقة وعدم المطابقة. غير أن الوضعية التي تنتهي فيها الإحالة إلى «تعذر البت» لا تجد في النصوص تنظيماً مماثلاً من حيث الوضوح، ولا سيما في ما يتعلق بإمكان استكمال الوثيقة الناقصة، أو وجوب إعادة الإحالة، أو أثر القرار على وقف مسطرة الإصدار.
وهنا تكمن إحدى دلالات النازلة؛ فقد نظم المشرع الطريق الذي تسلكه المسطرة عندما تنتهي الرقابة إلى المطابقة، كما نظم آثار عدم المطابقة، لكنه لم يرسم بالوضوح نفسه مآل الإحالة عندما لا تبلغ المحكمة إحدى النتيجتين.
ولئن كان من غير الدقيق وصف ذلك، بصورة قاطعة، بأنه «فراغ تشريعي»، فإن الأمر يكشف على الأقل عن منطقة إجرائية تحتاج إلى مزيد من الضبط، حتى لا يظل مآل الإحالة رهيناً بوضعية لم يحدد النص لها حكماً صريحاً.
حين يحمي الشكل الرقابة… وحين قد يحول دون بلوغها
لا ينبغي التقليل من شأن الشكل في القضاء الدستوري. فالشكل هنا ليس ترفاً إجرائياً، وإنما هو جزء من ضمانات الاختصاص ومن شروط ممارسة المحكمة للرقابة في الحدود التي رسمها الدستور والقانون التنظيمي. ومن ثم، لا يمكن مطالبة المحكمة بأن تتجاوز الجهة المحيلة، أو أن تستكمل عنها ما كان ينبغي استكماله، أو أن تفحص نصاً لم يقدم إليها في الصورة التي تخولها ممارسة اختصاصها.
غير أن المسألة لا تنتهي عند هذا الحد. فإذا كان الشكل قد وضع لحماية الرقابة وضبط ممارستها، فهل يمكن أن ينتهي، في حالة مخصوصة، إلى أن يصبح عائقاً أمام بلوغ الرقابة غايتها؟.ا لسؤال، في تقديري، لا يتعلق بتوسيع اختصاص المحكمة أو تحميلها ما لا تحتمل قواعد الإحالة، وإنما بمدى كفاية البناء الإجرائي القائم لاستيعاب حالة يكون فيها العائق قابلاً للاستدراك. وعبارة “على حالها” تستحق، مرة أخرى، التوقف عندها، فهي تربط التعذر بوضعية الإحالة كما عرضت، ولا تفيد، في ذاتها، أن القانون لم يعد قابلاً للرقابة.ولئن كان من غير الجائز بناء نتيجة قطعية على هذه العبارة وحدها، فإنها تظل مفتاحاً مهماً لفهم الصيغة التي انتهت إليها المحكمة.

ماا الذي تكشفه النازلة؟

لا يستقيم، في تقديري، أن يتحول هذا النقاش إلى حكم قطعي بأن المحكمة أخطأت عندما انتهت إلى “تعذر البت”. فذلك يقتضي بحثاً مستقلاً في حدود سلطتها الإجرائية، وفي مدى ما كان متاحاً لها، وفي ما إذا كان بإمكانها تجاوز النقص الذي شاب الإحالة دون خروج عن حدود اختصاصها.
لكن النازلة كشفت، على الأقل، عن فرصة للحسم الموضوعي لم تكتمل. فلو بلغت المحكمة مضمون القانون، لكان المسار قد انتهى إلى إحدى النتائج التي رتبت لها المنظومة الدستورية آثاراً واضحة. أما :تعذر البت”، فقد أبقى السؤال المتعلق بدستورية المقتضيات الموضوعية للقانون خارج نطاق الفحص الذي كان يمكن للمحكمة أن تجريه. ولئن كان هذا المآل مرتبطاً أولاً بوضعية الإحالة كما قدمت إلى المحكمة، فإن استكمال القانون طريقه إلى الإصدار والنشر أضاف إلى النازلة بعداً آخر؛ فالقانون أصبح جزءاً من المنظومة القانونية، بينما لم تبلغ الرقابة الدستورية السابقة مضمونه.
ونافلة القول إن “تعذر البت” لا ينبغي أن يقرأ باعتباره صيغة ثالثة تضاف إلى المطابقة وعدم المطابقة؛ فهو، في نازلة قانون المحاماة، صيغة تقع بين المنزلتين بالمعنى التحليلي، لا تقول إن النص مطابق، ولا تقول إنه غير مطابق، وإنما تعلن أن المحكمة لم تستطع، في ظل الإحالة المقدمة إليها، بلوغ محل الرقابة. وفي تقديري، تكمن أهمية القرار رقم 277/26.
فالقانون وصل إلى الجريدة الرسمية، أما السؤال الذي كشفه “تعذر البت” حول موقع هذه الصيغة في إعراب القضاء الدستوري، وحول أثرها على مسار الإصدار والنشر، فما يزال مفتوحاً، إذ لم تضع النازلة، ولا النصوص المنظمة للرقابة السابقة، جواباً صريحاً يحسم مآله..

هوامش /

القرار رقم 277/26 م.د، ملف عدد 317/26، 10 غشت 2026، الموقع الرسمي للمحكمة الدستورية. المحكمة الدستورية – القرارات
الظهير الشريف رقم 1.26.75 الصادر في 24 صفر 1448 (18 غشت 2026) بتنفيذ القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الجريدة الرسمية، عدد 7536، 20 غشت 2026.
القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية، كما تم تغييره وتتميمه بالقانون التنظيمي رقم 36.24، ولا سيما المواد 26 و27؛ الجريدة الرسمية، عدد 7491، 16 مارس 2026. الجريدة الرسمية – الأمانة العامة للحكومة

تعليقات (0)
اضافة تعليق