بقلم: مصطفى المريني (.)
اثار قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د، الصادر بتاريخ 10 غشت 2026 في الملف عدد 317/26 ، بشأن القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة ، نقاشاً تجاوز مضمون القانون المحال إلى المحكمة، ليمتد إلى طبيعة الرقابة الدستورية السابقة وحدودها، وإلى العلاقة الدقيقة بين احترام شكليات الإحالة وغاية الرقابة الدستورية.
فالقرار لم يقض بدستورية القانون، كما لم يقض بعدم دستوريته ، وإنما انتهى إلى ” تعذر البت في الإحالة المعروضة عليها على حالها” بعدما سجل أن رسالة رئيس مجلس النواب، وإن كان موضوعها إحالة القانون رقم 66.23 للبت في مطابقته للدستور، لم ترفق بنسخة القانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية بتاريخ 7 يوليوز 2026، وإنما أرفقت بتقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، شمل ضمن وثائقه مشروع القانون كما وافق عليه مجلس النواب في إطار قراءة ثانية بتاريخ 6 يوليوز 2026.
وقد يبدو الأمر بادي الرأي مجرد نقص في وثيقة من وثائق الإحالة، غير أن المحكمة لم تقف عند حدود تسجيل هذا النقص، وإنما رتبت عليه نتائج قانونية متتابعة انتهت إلى عدم إمكان مباشرة الرقابة الدستورية. وهنا مربط الفرس؛ إذ إن القانون كان قد استكمل مساره التشريعي، وكانت الإحالة تستهدف إخضاعه للرقابة الدستورية ، لكن المحكمة لم تبلغ مضمون القانون أصلاً، وإنما توقفت الرقابة عند عتبة الإحالة.
فقد اعتبرت المحكمة أن عدم إرفاق النص النهائي كما وافق عليه مجلس المستشارين يجعل ” محل الرقابة غير متوفر من الناحية الواقعية” ، ويشكل “مانعاً قانونيا ” يحول دون البت. و لايكون الإشكال هنا في مجرد تسجيل نقص في وثائق الإحالة، وإنما في الأثر الذي رتبته المحكمة على هذا النقص، هل يؤدي عدم إرفاق النص النهائي إلى عدم توفر محل الرقابة ذاته، أم أننا أمام نقص في الوثائق حال دون مباشرة الرقابة على نص استكمل مساره التشريعي؟ وهل تكفي صرامة الشكل لإنهاء الرقابة قبل أن تبلغ موضوعها، أم أن ثمة مجالاً للتفريق بين الشكل الذي يحمي الاختصاص والشكل الذي قد يقيد ممارسته؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة عند استحضار قرار المحكمة الدستورية رقم 255/25 م.د المتعلق بالقانون المتعلق بالمسطرة المدنية، حيث سلكت المحكمة مسلكاً مختلفاً في التعامل مع الصيغة النهائية للنص. ومن هنا تتجاوز المسألة حدود القرار الحالي لتثير سؤالاً أوسع حول اتساق الاجتهاد الدستوري في التعامل مع شكليات الإحالة، وحدودها عندما تتقاطع مع الغاية الأساسية من الرقابة الدستورية.
أولا : ” تعذّر البت”.. عذر إجرائي أم تعطيل للرقابة ؟
ينطلق القرار من مقتضيات واضحة؛ فالفصل 132 من الدستور ينص، في فقرته الثالثة، على أنه: “يمكن للملك، وكذا لكل من رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضواً من أعضاء مجلس المستشارين، أن يحيلوا القوانين، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، إلى المحكمة الدستورية، لتبت في مطابقتها للدستور”. كما تنص المادة 23 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية على أن إحالة القوانين إليها قصد البت في مطابقتها للدستور تتم برسالة من الجهات المخولة دستورياً بذلك.
وانطلاقاً من ترابط هذين المقتضيين وتكاملهما، قررت المحكمة أن الرقابة السابقة لا تنصب إلا على القوانين بعد تمام الموافقة عليها، وليس على مشاريع القوانين أو تقارير اللجان البرلمانية.
وهذا الجزء من التعليل لا اعتراض عليه ؛ فالمحكمة لا تراقب مشروعاً قد يتغير، وإنما تراقب النص الذي اكتمل مساره التشريعي. لكن المحكمة لم تتوقف عند هذه النتيجة، بل أقامت عليها بناءً متكاملاً. فقد اعتبرت أن الفصل 132 أقام “تلازماً عضويا بين فعل الإحالة كأساس لولاية هذه المحكمة، وبين النص موضوع المراقبة.
وبناء على ذلك، فإن اكتفاء الجهة المحيلة بتقرير عن أعمال لجنة برلمانية، تضمن مشروع القانون قبل تمام الموافقة عليه، ” لا يُمكّن المحكمة من بسط رقابتها على القانون المطلوب البت في مطابقته للدستور” ،ثم رتبت على ذلك أن عدم إرفاق نسخة مطابقة لأصل النص المراد مراقبته ” يجعل محل الرقابة غير متوفر من الناحية الواقعية، ويشكل مانعاً قانونياً يحول دون بت المحكمة الدستورية في القضية المعروضة عليها”. ولم تقف المحكمة هنا أيضاً، بل أكدت أن رقابتها السابقة لا تمارس إلا
:في الحدود التي رسمها الدستور، ووفق الكيفيات والإجراءات الشكلية والجوهرية التي يحددها القانون التنظيمي لها، وعلى أساس الوثائق المحالة إليها من طرف جهة الإحالة”
وخلصت إلى أنه لا يمكنها الفصل في دستورية نص “لم يعرض عليها وفق الشروط والإجراءات المنصوص عليها في الدستور والقانون التنظيمي المتعلق بهذه المحكمة” ، ولذلك تعذر عليها البت في الإحالة “على حالها”. إذن، نحن أمام سلسلة واضحة في تعليل المحكمة غياب النص النهائي عن ملف الإحالة وعدم توفر محل الرقابة واقعياً ،و قيام مانع قانوني و عدم إمكان مباشرة الرقابة وفق الوثائق المحالة و تعذر البت في الإحالة على حالها.
والسؤال هنا، هل يؤدي غياب النص النهائي عن وثائق الإحالة بالضرورة إلى عدم توفر محل الرقابة ذاته، أم أن الأمر يتعلق بنقص في الوثائق التي تمكن المحكمة من مباشرة رقابتها على نص استكمل مساره التشريعي؟
فالخلاف ليس حول أن الرقابة تنصب على القانون النهائي، لا على مشروع القانون؛ فهذا أمرمسلم به لا مشاحة فيه . وإنما الخلاف حول الأثر القانوني المترتب على عدم إرفاق هذا النص بملف الإحالة.
ثانياً: الشكليات… ضمانة أم قيد؟
لا ينبغي أن يقود نقد القرار إلى التقليل من شأن الشكليات؛
فالشكليات في القضاء الدستوري ليست ترفاً. إنها تحمي الاختصاص وتمنع المحكمة من ممارسة رقابة لم يطلبها منها الدستور، أو من مراقبة نص لم يستكمل مساره التشريعي.
ومن هذه الزاوية، فإن مسؤولية الجهة المحيلة واضحة،عليها أن تحيل النص الذي تريد إخضاعه للرقابة، وأن تستوفي الوثائق التي تمكن المحكمة من ممارسة اختصاصها. لكن الشكل، مع ذلك، ليس غاية في ذاته.فالسؤال ليس، هل يجب احترام الشكل؟ وإنما: ما أثر العيب الشكلي؟ وهنا ينبغي التمييز بين أمرين مختلفين: هل يتعلق الأمر بغياب القانون نفسه أو بعدم اكتمال وجوده القانوني؟ أم يتعلق بغياب نسخة من القانون النهائي عن الوثائق المرفقة بالإحالة، رغم أن القانون استكمل مساره التشريعي وأصبح نصاً محدداً؟.هذا التمييز هو جوهر المسألة.
فإذا كان العيب يمس وجود محل الرقابة، فإن المحكمة لا تستطيع أن تراقب نصاً غير موجود. أما إذا كان العيب يتعلق بالوثيقة التي تمكن المحكمة من الوصول إلى النص النهائي وممارسة الرقابة عليه، فإن السؤال يصبح: هل كان لا بد من إنهاء الرقابة، أم كان يمكن تدارك النقص؟
ولا يتعلق الأمر هنا بإعفاء الجهة المحيلة من مسؤوليتها، وإنما بتحديد الجزاء الذي ينبغي أن يترتب على خطئها.وهذا ما يجعل الشكل موضع سؤال مشروع، متى يكون ضمانة للاختصاص، ومتى يتحول إلى قيد على ممارسة الاختصاص؟
ثالثاً: شيء من الشجاعة..هل يكفي احترام الشكل؟
حين نتحدث عن شيء من الشجاعة في القضاء الدستوري، لا نقصد تجاوز المحكمة للنصوص، ولا تحميلها مسؤولية تصحيح أخطاء الجهات المحيلة. الشجاعة القضائية لا تعني الخروج على القانون، وإنما تعني استنفاد إمكانات التفسير قبل الوصول إلى نتيجة تنهي الرقابة.
ومن هنا يطرح السؤال: هل كان بإمكان المحكمة أن تستحضر النص النهائي من مصدر برلماني رسمي؟ وهل كان بإمكانها، عند الاقتضاء، أن تطلب استكمال الوثيقة الناقصة؟
ليس من السهل الجزم بأن عليها القيام بذلك؛ فالقضاء الدستوري له خصوصيته، وإجراءاته يحددها الدستور والقانون التنظيمي الخاص به، ولا يمكن إخضاعه آلياً لقواعد المسطرة المدنية.
ومن هنا أيضاً ينبغي التعامل بحذر مع الرأي الذي يرى إمكان الاستئناس بالقواعد العامة للمسطرة، ومنها الفصل 77 من قانون المسطرة المدنية. فخصوصية القضاء الدستوري تظل قائمة، ولا يمكن تحويل قواعد المسطرة المدنية إلى مصدر مباشر لاختصاصات لم يمنحها الدستور أو القانون التنظيمي للمحكمة.
لكن هذا لا يمنع من طرح السؤال من زاوية أخرى: هل كل نقص في وثائق الإحالة يمس الاختصاص ذاته، أم أن هناك عيوباً يمكن تصور تداركها دون تغيير موضوع الإحالة أو توسيع نطاقها؟
فالجهة المحيلة كانت محددة، والقانون كان محدداً، والمسار التشريعي كان قد اكتمل. والنقص، بحسب القرار، تعلق بعدم إرفاق النسخة النهائية.وهنا تصبح المسألة أكثر دقة، هل يؤدي غياب الوثيقة إلى غياب المحل، أم إلى تعذر الوصول إليه؟
قد يبدو الفرق شكليا ، لكنه في القضاء الدستوري فرق مهم؛ لأنه يحدد ما إذا كنا أمام انعدام لا يمكن تداركه، أم أمام نقص إجرائي يمكن التفكير في كيفية معالجته.
رابعاً: السياق السياسي والمؤسساتي..هل يؤثر في العدالة الدستورية ؟
لايمكن فصل القرار تماماً عن سياقه؛ فقانون تنظيم مهنة المحاماة يرتبط بمهنة لها صلة مباشرة بحقوق الدفاع والعدالة، وقد رافق مساره التشريعي نقاش مهني ومؤسساتي واسع. كما أن صدور قرار المحكمة في هذه المرحلة جعل السؤال حول مآل القانون أكثر حساسية. لكن السياق لا ينبغي أن يتحول إلى تفسير سياسي للقرار من دون دليل. فالمحكمة الدستورية يفترض أن تحاكم النص في ميزان الدستور، لا في ميزان الضجيج المحيط به.
وفي الوقت نفسه، فإن استقلال المحكمة لا يعني أن اجتهادها يصبح بمنأى عن النقد. بل إن حساسية السياق تجعل وضوح التعليل أكثر أهمية. فكلما كان الموضوع أكثر إثارة للنقاش العام، كان على القرار أن يكون أكثر قدرة على تفسير منطقه، حتى لا تترك الفجوات مجالاً واسعاً للتأويل.
لذلك لا أرى أن السياق السياسي والمؤسساتي ينبغي أن يكون مدخلاً للحكم على نوايا المحكمة، وإنما ينبغي أن يكون سبباً إضافياً للتمسك بقاعدة بسيطة مفادها انه كلما كان القرار أكثر حساسية، ازدادت الحاجة إلى تعليل واضح ومقنع.
خامسا: هل نقضت المحكمة غزلها؟
هنا تبرز المقارنة مع قرار المحكمة الدستورية رقم 255/25 م.د الصادر بتاريخ 4 غشت 2025 بشأن قانون المسطرة المدنية. ففي ذلك القرار، سجلت المحكمة أن رسالة الإحالة تضمنت في موضوعها إحالة القانون في صيغته النهائية كما صادق عليها مجلس المستشارين في قراءة ثانية، لكنها أرفقت بنسخة من مشروع القانون الذي سبق أن صادق عليه مجلس النواب بتاريخ 17 يونيو 2025. ومع ذلك قالت المحكمة،
” وتبعاً لذلك قامت هذه المحكمة باستحضار الصيغة النهائية للقانون، كما صادق عليها مجلس المستشارين بتاريخ 8 يوليو 2025.” ، وهنا تبرز المفارقة التي لا يمكن تجاهلها.
في قرار 255/25، لم تكن الصيغة النهائية مرفقة بالوثيقة التي أحيلت إلى المحكمة، ومع ذلك استحضرتها المحكمة ومارست رقابتها. أما في قرار 277/26، فقد اعتبرت عدم إرفاق النص النهائي سبباً في عدم توفر محل الرقابة وقيام مانع قانوني يحول دون البت. فما الذي تغير بين القرارين؟ هل تغيرت القاعدة؟
أم أن النازلتين مختلفتان على نحو يبرر اختلاف المسلك؟
وإذا كان هناك اختلاف، فأين يكمن؟
لا أرى أن مجرد اختلاف القرارين يسمح بالقول فوراً إن هناك “ازدواجية في المعايير”. فالقضاء الدستوري يمكن أن يطور اجتهاده، وليس مطلوباً منه أن يكرر الحل نفسه في كل نازلة.
لكن حين يتعلق الأمر بمسألة تمس شروط ممارسة الرقابة الدستورية، فإن تفسير الاختلاف يصبح جزءاً من قوة الاجتهاد نفسه. وهنا لا يتعلق الأمر بمطالبة المحكمة بالعدول عن قرارها، وإنما بمطالبتها ــ من زاوية الفقه والنقد العلمي ــ بتوضيح الفارق بين النازلتين. فإذا كانت المحكمة قد اعتبرت في 255/25 أن بإمكانها استحضار الصيغة النهائية، ثم اعتبرت في 277/26 أن غياب النص النهائي يمنعها من ممارسة الرقابة، فإن السؤال المشروع هو: هل تغيرت القاعدة، أم تغيرت شروط تطبيقها؟
والسؤال الأهم: هل يؤدي غياب النص النهائي عن ملف الإحالة إلى انعدام محل الرقابة، أم إلى عدم توفر الوثيقة التي تمكن المحكمة من مباشرة رقابتها؟ هذه هي النقطة التي تجعل القرار 277/26 يتجاوز مجرد خطأ في إرفاق وثيقة، ويضع أمام القضاء الدستوري والفقه سؤالاً أعمق حول العلاقة بين الشكل وغاية الرقابة.
فإذا كانت الشكليات تحمي اختصاص المحكمة، فلا ينبغي أن يتحول احترامها إلى غاية مستقلة عن الوظيفة التي أنشئت المحكمة من أجلها. وفي المحصلة ، لا يتعلق الأمر بالانتصار للشكل على الجوهر، ولا للجوهر على الشكل، وإنما بتحديد الحد الفاصل بين الشكل الذي يحمي العدالة الدستورية والشكل الذي قد يقيد ممارستها. ومن هنا يظل السؤال الذي يطرحه القرار مشروعاً: هل ما اعتبرته المحكمة في قرارها 255/25 قابلاً للاستحضار، أصبح في قرارها 277/26 غير قابل للتدارك ؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يبرر اختلاف المسلك؟
ذلك أن قيمة القضاء الدستوري لا تقاس فقط بما ينتهي إليه من نتائج، وإنما أيضاً بقدرته على بناء اجتهاد واضح ومتسق، يفسر اختلاف مسالكه ويجعل تطوره قابلاً للفهم والمناقشة…
(.) أ ستاذ القانون العام