بقلم: سعيد عاتيق
كعادتي في جوف الليل سابحا في بحر التفكر والتخماااام أحاول تحليل ما استعصى على التحليل استعدادا لاتخاذ قرار طالما أرقني وتفنن في معاناتي
فإذا بصديقي “الشيطان” ماثلا أمامي يلقي التحية:
أهلا عزيزي سعيد!
أهلا أيها الشيطان الصادق!
ابتسم وقال:
ماذا أنت صانع يا سعيد؟
أجبته ببرود:
لا شيء.
قهقه قليلا ثم أردف:
لا… بلغني أنك عازم على تطليق السياسة!
تنهدت ………. وهو كذلك
اقترب مني متعجبا :
علاش آ صاحبي؟
قلت بمرارة:
سئمت من قرف السياسيين ونباح أشباههم
هز رأسه نافيا :
إذا السياسة بريئة من قرارك!
أجبته: حتى السياسة يقولون عنها رجس ومن عمل الشيطان.
ابتسم ابتسامة ماكرة وقال:
شفتي يا سعيد… واش دخلني أنا فالسياسة؟
ماشي أي مصيبة تلصقوها في ظهري!
أنا عطيتكم التيساع من هاد البلاد ملي شفت أنكم عندكم باع طويل في كل شيء إلا الخير والصواب
صمت قليلا ثم أردف بنبرة فيها شيء من العتب:
ألم تضايقوني حتى في “مهامي”؟
ألم أكن عاطلا بينكم ؟؟؟
ألم تبوروا تجارتي و طردتموني من بينكم؟
ثم استقام وقال بثقة:
وعليك أن تعلم يا صديقي سعيد
أن السياسة نبل أخلاق ومروءة
وأنا لا أُقحِم نفسي فيها!
تأملت كلامه بدهشة فواصل: أنتم من أفسدها…
أولئك الذين سئمت منهم ومعهم القطيع الذي لا يتعلم قبيلة الصفاقجية وجموع الطبالة المتلهفين للزرود والطامعون في الفتات من الزرقلاف والقرفية
أما سمعتم قول نبيكم: “المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين”؟
لكنكم تلدغون وتصفقون وتعيدون نفس الأخطاء
سألته وأنا غارق في الحيرة:
وما العمل؟
هل أبقى داخل دوامة السياسة وهي على هذا الحال؟
أجاب بهدوء غريب:
لن أدفعك لقرار
لكن اعلم أنك تسبح في محيط سياسي لا مهرب من أمواجه و رياح تلاطمها
هو تحتك فوقك عن يمينك ويسارك
إما أن تكون فاعلا أو مفعولا به
فاختر لنفسك الموقع الذي يليق بك
صمت قليلا ثم قلت:
شكرا أيها الشيطان
رغم أنك أضفت جرعة من اليأس إلا أنك قلت الحقيقة.
رفع حاجبيه وقال:
بل هي حقيقة الاختيار يا سعيد
تنهدت بعمق وحسمت أمري:
وسأختار
ثم أضفت بصوت خافت:
— سأختار طريق المعاناة لأنه الأنسب
لكن في داخلي والصبر سلاحي
كنت أعلم أن الأمر ليس اختيار معاناة
بل اختيار أن أبقى وفيا لما أؤمن به
وسط عالم لم يعد يؤمن إلا بما يخالفه.