رفع مستوى العلاقات المغربية الإسرائيلية والخيار المطلوب

بقلم: لحسن الجيت

والحالة في دعوتنا هذه إلى تبني هذا الطرح برفع تلك العلاقات بين الرباط وتل أبيب قد نكون فيها  أبعد من أية مشاكسة أو أية مزايدة في نقاش مفتوح– فالأمر أكبر من أن يتم تبخيسه لأنه يتعلق بمسار له صلة كبيرة بموقع بلادنا في منظومة إقليمية ودولية أقل ما يقال في حقها بأنها موبوءة، ولا يمكن مواجهتها إلا بتموقعالمغرب في دائرة من التحالفات التي تعزز مكانته وتساهم في ردع خصومه وحملهم على مراجعة حساباتهم الإقليمية المعادية-

لم يعد خافيا على أي كان بأن هناك تحديات وأن هناك مخططات مناوئة تستهدف بلادنا- ومن يتجاهلها أو يبعدها من دائرة انشغالاته فهو لا يريد خيرا لهذا الوطن- بل أكثر من ذلك أن البعض فيهم من مات فيه الحس الوطني وأضحى في واضحة النهار يعارض الخيارات الاستراتيجية للدولة إما من خلال التهجم على حلفاء المغرب وأصدقائه من جهة،  ومناصرة أعداء المغرب من جهة ثانية- وباتوا ينظرون في القانون والعلاقات الدولية وقد نسوا أن حب الأوطان من الإيمان-

لم يعد لتجار الدين وسماسرة الأيديولوجيات التي  عفا عنها الزمن سوى هم واحد وهو التصدي للعلاقات المغربية الإسرائيلية والعمل على إبطالها تحت يافطة ما يسمونه بمناهضة التطبيع- وبكل هدوء، غصت في البحث عن الأسباب التي يرتكزون عليها في اعتراضهم على تلك العلاقات فلم أجد سوى هرطقات ومزايدات فارغة- حجتهم التي لا يؤمنون بها تنبني على أن إسرائيل دولة صهيونية تقوم بتقتيل الفلسطينيين وأنه يمنع منعا كليا إقامة أية علاقات معها-

هذه حجة واهية ولا تخدم القضية الفلسطينية في شيء – بل هذا الموقف قد يطرح أسئلة جوهرية على هؤلاء السماسرة وبالتأكيد لا يملكون جوابا عنها منها : ماذا بعد بعد قطع العلاقات بين الرباط وتل أبيب؟ وهل سيؤدي ذلك إلى تحرير فلسطين ؟ بل إضافة لهذا وذاك عوض اللغط، هل هم قادرون على الذهاب إلى فلسطين لتحريرها- الشعب الفلسطيني لا ينتظر منكم مواقف لا تسمن ولا تغني من جوع بل ينتظر أفعالا، وأنتم تقولون ما لا تفعلون-

وردا على كل هؤلاء نقول إن هناك أسبابا وليس سبب واحد يحمل المغرب على إعادة علاقاته مع إسرائيل والرفع من مستوى تمثيلها- ونورد في هذا الصدد بعضا من هذه الأسباب على سبيل المثال لا الحصر:

1 – تاريخيا تعتبر إسرائيل دولة صديقة للمغرب- وللحقيقة نقول إنها لم تكن في أي وقت من الأوقات معادية لبلادنا- وأرفع التحدي في وجه أولئك الذين يقولون بأنها تشكل خطرا على المغرب- فلياتوا ولو ببرهان واحد- ما يدعونه فهو من وحي خيالهم لا يعدو أن يكون سوى أوهاما وأضغات أحلام يريدون من خلالها رؤية المغرب في عزلة تخدم أجندتهم الضيقة-

2 – على العكس من كل ذلك، وفي سبعينيات القرن الماضي بعدما  تكالبت عدة دول على المغرب في عهذ تمدد الناصرية بما فيها بعض الدول الأجنبية، كان المغرب عندئذ معزز الجانب بدعم واضح من طرف دولة إسرائيل في مواجهة مخاطر الجوار القريب والبعيد- ولم يعد سرا اليوم أن نقول بأن إسرائيل آنذاك كانت خير معين للمغرب بالعدة والعتاد من طائرات حربية  وصواريخ مضادة وغيرها من الخبرة العسكرية التي كانت تمتلكها تل أبيب- ولمن أراد من المغاربة أن يقف على حقيقة واحدة وهو أن المغرب كان مستهدفا في نظامه، وليس كما يروج اليوم بهتانا بأن إسرائيل خطر على البلاد-

3 – التعاون العسكري والأمني كان على الدوام محط اهتمام البلدين الصديقين- وفي وقت مبكر من السنوات الأولى عندما استعاد المغرب أقاليمه الجنوبية، كان لإسرائيل بحكم الصداقة المتينة التي تربطها بالمغرب، دور كبير في المساعدة على مواجهة تعقيدات وتقلبات التضاريس من خلال بناء الجدار الأمني الذي مكن الجيش المغربي من السيطرة على جغرافية المنطقة والتحكم في العمليات العسكرية لاحتواء وكبح جماح الانفصاليين عن مواصلة التسلل إلى عمق الأراضي المسترجعة-

4 ـ وكان من نتائج هذا المسار في العلاقات الثنائية بين البلدين أن توج بشكل علني باستقبال المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني السيد شمعون بيريس في متتجع إفران عام 1986 ، تلاه بعد سنوات قليلة فتح مكاتب الاتصال بين البلدين وخاصة بعد أن اعترفت السلطة الفلسطينية بدولة إسرائيل عام 1988- وكان جلالة الملك الحسن الثاني قد رهن آنذاك رفع  مستوىتلك العلاقات بين البلدين بمدى تقدم عملية السلام-

5 ـ في أواخر عام 2000 مع انطلاق شرارة الانتفاضة الثانية بدخول أرييل شارون باحة المسجد الأقصى، اتخذ قرار آنذاك على مستوى الجامعة العربية وهو قرار غير مفهوم وغريب من نوعه  يقضي بقيام الدول العربية التي لا تربطها معاهدات سلام مع إسرائيل بسحب تمثيلياتها من تل أبيب- وكان المقصود أساسا من ذلك المملكة المغربية  مع إبقاء مصر والأردن على سفارتيهما في إسرائيل-

6 ـ وبالفعل سحب المغرب دبلوماسييه من تل أبيب ليلتحقوا بالإدارة المركزية، وكنت الرجل الوحيد الذي تم نقلي إلى مكتب الاتصال المغربي بغزة للعمل تحت إمرة المرحوم عبدالسلامسيناصر حيث كان لي شرف تغطية تطورات الوضع في مناطق نفوذ السلطة الفلسطينية وفي إسرائيل-

ولا يسعني إلا أن أذكر في الصدد ببعض الحقائق التي كنت شاهدا عليها ولعلها خير ما يمكن أن أواجه به كممارس مناهضي التطبيع- من بين ذلك أن بعض قادة السلطة الفلسطينية الذين جمعتني بهم مناسبات أكدوا لي غير ما مرة أن المغرب هو البلد الوحيد الذي لا يستخدم القضية الفلسطينية في حسابات ضيقة، وأن فتح تمثيلية له في إسرائيل هو مطلب فلسطيني قبل أن يكون مطلبا إسرائيليا-

7 ـ ولأن النهر إن اختفى سيلانه لجفاف ما، لابد أن يعود ويمر من مصبه- وكذلك الأمر كان،فاستأنفت العلاقات بين الرباط وتل أبيب وعادت بزخم دولي قوي بعد الاتفاق الثلاثي الذي قدم فيه رئيس الوفد الإسرائيلي البيعة لجلالة في شهر دجنبر من عام 2020- وافتتح المكتب المغربي من جديد ليستأنف نشاطه في نفس المقر الذي كان لي الشرف مع رئيس البعثة آنذاك في استئجاره وبقي ما يقارب عشرين عاما مغلقا والمغرب يؤدي واجب الكراء- وإن كان ذلك ينطوي على مدلول فهو ما يتعين على المناهضين استيعابه وهو أن العودة آتية لا ريب فيها- وأن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي لا بديل عنه- ولا أدعي المعرفة أو أزايد على أحد– كما أنني لست بذاك الذي خرج على التو من الانتخابات البرلمانية ليشهر سيفه على عقدة طالما أرقته وهي الصهيونية بالتهجم من الآن على السيدة فاطمة الزهراء المنصوري متهما إياها بالتصهين–

شخصيا أستغرب هذا الاتهام المجاني في حق السيدة المنصوري وعلى أي أساس يقيم صاحبه الدليل على “صهينتها” سوى أن رجلا إعلاميا مرموقا و جريئا رشحها أن تكون رئيسة الحكومة المقبلة- هذا النوع من الربط يعبر عن إفلاس صاحبه فكريا وسياسيا- ويتجاهل بأن القرارات الاستراتيجية في مجال السياسة الخارجية ليست بيد فاطمة الزهراء وغيرها-

8 ـ إن كان هناك من يعادي المغرب ويهدد استقراره فهو النظام الجزائري على مدى خمسة عقود خلت- ومن يقول بأن إسرائيل هي خطر على المغرب ولا يقيم الدليل فهو يجر البلاد إلى مربع آخر ، فيما كل الأدلة تجتمع ثابتة وموثقة ضد النظام الجزائري ولا يجرؤون ولو بكلمة أو تصريح في الجهر بالخطر الجزائري الحقيقي على بلادنا-

تعليقات (0)
اضافة تعليق