بقلم: لحسن الجيت
للجغرافية أحكامها، وكذلك هو الحال بالنسبة إلى التاريخ؛ فمهما كان للباطل حظ من الوجود، إلا ولابد له أن يزول، لأن الأصل في الوجود ودوامه يكمن في مدى انسجامه مع طبيعة الأشياء، من حيث المكان ومن حيث الزمان.
فالأندلس عاشت تحت الحكم الإسلامي مدة تقارب ثمانية قرون، وبالضبط 781 عاماً، منذ أن دخلها الإسلام على يد القائد الأمازيغي طارق بن زياد عام 711م، حتى سقوط غرناطة عام 1492، وما زال هذا القائد مخلداً وإلى الأبد بإطلاق اسمه على جبل طارق.
أما إسبانيا فقد توحدت تدريجياً، ولم يكتب لها أن تتحول إلى دولة أمة بصورتها الحديثة إلا عبر مراحل تاريخية متعاقبة، كان من أبرزها دستور قادس عام 1812، أي منذ أكثر من قرنين من الزمن.
فمن المنظور التاريخي، يبدو بشكل واضح أن تاريخ إسبانيا الحديثة يشهد على نفسه أنه يشكل حقبة قصيرة قياساً بتاريخ الأندلس الذي يفوق نشأة الدولة الحديثة بعدة قرون. وإذا طويت صفحة الأندلس بما لها من حمولة تاريخية، فإن الحتمية التاريخية لا يليق بها إلا أن تفرض نفسها على مصير ومستقبل مدينتي سبتة ومليلية، الأولى كانت قد احتلتها مملكة البرتغال عام 1415، فانتقلت إلى إسبانيا، وأقرت البرتغال بذلك بموجب معاهدة عام 1668، والثانية، أي مليلية، احتلتها إسبانيا عام 1497.
ولا يقل منطق الجغرافية عن حكم التاريخ، بل يزيد عنه ويتجاوزه، ويحمل على المضي في تصحيح الخطايا التاريخية المرتبطة بتعدد أشكال ومظاهر الحقبة الاستعمارية الأوروبية. ولعل الظروف الحالية بكل ملابساتها بدأت اليوم تأخذ منحى إيجابياً وتحمل على الاعتقاد أنه قد آن الأوان للدخول في مفاوضات مفتوحة بين المغرب ومملكة إسبانيا، من خلال الاحتكام إلى العقل والمنطق، بخصوص استرجاع المدينتين السليبتين وإعادتهما إلى وطنهما الأصلي. والمغرب له من نقاط القوة ما يعزز حقوقه في هذه المطالب، يمكن إجمال بعضها فيما يلي:
1/ الوضع الجغرافي لمدينتي سبتة ومليلية شبيه إلى حد كبير بالوضع الجغرافي لجبل طارق، فهو امتداد جغرافي خالص للتراب الإسباني، كما هو الحال بالنسبة للثغور المغربية المحتلة. وما ينطبق على جبل طارق يجب أن ينطبق على المدينتين السليبتين. وإذا كانت إسبانيا تطالب اليوم بريطانيا بإعادة تلك الصخرة إلى السيادة الإسبانية، فإنه ينبغي بذات المنطق أن تعتمد إسبانيا نفس المبدأ وتطبقه لإنهاء احتلالها لكل من سبتة ومليلية وإعادتهما إلى المغرب.
2/ يبدو أن آفاق الحل بين إسبانيا وبريطانيا واعدة بخصوص الحسم في وضعية جبل طارق، بما قد يفيد إسبانيا في مطلبها الترابي، خاصة بعد إزالة الحواجز واعتماد حرية حركة التنقل بين تلك الصخرة والتراب الإسباني. وحتى لو أمعنت إسبانيا في تلكؤها، فإن انعكاسات ذلك التطور الذي يجري على الجانب الآخر من الضفة قد تكون إيجابية بالنسبة للمغرب.
3/ رئيس الوزراء الإسباني «بيدرو سانشيز» قد يهتدي للصواب في حالات أخرى، لكنه يجانبه عند تعاطيه مع الحالة المعروضة بينه وبين المغرب. إن هذا الرجل يهاجم إسرائيل بشراسة في مسألة احتلالها لقطاع غزة والضفة الغربية، وبغض النظر إن كان جاداً في ذلك أم أن الأمر لا يكاد أن يعدو سوى نكاية في إسرائيل ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فما ينبغي تسجيله عليه هو أنه بهذا الاندفاع غير المحسوب يشهد على نفسه أنه ظاهرياً ينبذ الاحتلال في مكان ما، لكنه يبقيه في تعامله مع المغرب.
4/ إن المغرب في تعاطيه مع دول الجوار يعتمد دائماً مبدأ الحوار، سواء مع إسبانيا أو غيرها. كان ذلك في عهد المغفور له الملك الحسن الثاني، حينما دعا إلى تشكيل خلية تفكير مع إسبانيا في تسعينيات القرن الماضي لمناقشة وضع مدينتي سبتة ومليلية. يبدو أن الجانب الإسباني آنذاك لم يعر الاهتمام اللازم لتلك الدعوة، واستعاض عنها بطرح قضايا الهجرة لأنها تخلق متاعب وتحديات خاصة مع الجانب الأوروبي.
المغرب من جانبه أبدى تعاوناً في هذا المجال من منطلق حرصه الشديد على توظيف هذا التعاون في المستقبل لكسب، أولاً، ثقة الشركاء الأوروبيين، وثانياً، الانتقال بهم إلى مرحلة جديدة يتم الاعتراف فيها بالحقوق التاريخية للمغرب في المنطقة.
5/ بالإضافة إلى المرتكزات التاريخية والجغرافية التي يملكها المغرب بخصوص أحقيته في المدينتين السليبتين، هناك أوراق أخرى ضاغطة لا تخلو من أهمية لتعزيز الموقف المغربي. وقد لعب المغرب بعضها باحترافية وحنكة، من قبيل إغلاق المغرب من حين إلى آخر الأبواب أمام تجارة التهريب من سبتة ومليلية، مما أدى إلى استياء كبير لدى الشركات والتجار الإسبانيين. وقد انعكس هذا الوضع سلباً على مداخيل التجار المحليين، إذ لم تعد إقامتهم مجدية مهما كانت الحوافز والتسهيلات المغرية التي تقدمها لهم السلطات الإسبانية بنية الحفاظ على نسبة الساكنة في المدينتين.
وضمن هذا المنظور الاستراتيجي، قام المغرب كذلك من جانبه بخلق دينامية اقتصادية في منطقته الشمالية وفتحها على استثمارات وازنة من أجل خلق فرص للعمل لتعويض المغاربة الذين اعتادوا على تجارة التهريب من سبتة ومليلية إلى داخل المغرب. وتندرج في هذا السياق أهمية ميناء طنجة المتوسط كمشروع ضخم مكّن أبناء الساكنة من الحصول على عمل قار مُدِرّ للربح، وفي نفس الاتجاه يجري العمل اليوم على قدم وساق للانتهاء من أشغال ميناء الناظور الذي يشكل قاطرة للتنمية تستفيد منها ساكنة المنطقة بأسرها.
6/ أزمة سبتة، رغم ما أثارته من ضجة امتدت إلى خارج الحدود بسبب تسلل عشرات الآلاف من المغاربة إلى المدينة، إلا أنه بالرغم من ذلك كانت هذه الأزمة فرصة لإعادة طرح النقاش حول وضعية مدينة سبتة، وما إذا كانت جزءاً من الفضاء الأوروبي كما تريده إسبانيا. ومن جملة ما أفضى إليه النقاش أن بعض الدول الأوروبية الوازنة ذهبت في اتجاه لا تتقاسم الأطروحة الإسبانية، على اعتبار أن مدينتي سبتة ومليلية لا تنتميان إلى فضاء «شنغن»، ولا تريد تلك الدول أن تنجر إلى خلاف تراه في واقع الأمر بمثابة خلاف مغربي إسباني.
وقد سبق لإسبانيا عام 2022 أن طرحت فكرة إدخال مدينتي سبتة ومليلية ضمن الحدود الجغرافية المشمولة «بحماية الناتو»، غير أن هذا الموضوع ظل مرتبطاً بجدل قانوني وسياسي حول مدى انطباق الحماية الجماعية للحلف على المدينتين.
ولعل هذه التطورات الدبلوماسية لن تمر من دون أن تنال من الموقف الإسباني إن عاجلاً أم آجلاً. الظرفية تخدم الطرح المغربي، بحكم التحالفات التي بات يلعب فيها المغرب دوراً محورياً في التوازنات الإقليمية والدولية، وجعلته يحظى بقبول وثقة الأطراف، ولو كانت على طرفي نقيض من حيث تضارب المصالح فيما بينها.