الأحزاب السياسية في المغرب بين الوساطة الشكلية وحدود الفعل السياسي

بقلم: عبدالفتاح الحيداوي

ملخص الدراسة

تتناول هذه الدراسة إشكالية الوساطة الحزبية في النسق السياسي المغربي، من خلال تفكيك التناقض القائم بين الأدوار النظرية للأحزاب السياسية كقنوات للوساطة والتأطير، وبين واقع الممارسة السياسية الذي يتسم بمحدودية الفعل الحزبي وتراجع الثقة الشعبية. تعتمد الدراسة على مقاربة مزدوجة: سياسية تركز على بنية النظام السياسي ومفهوم “الحكومة المحكومة”، وسوسيولوجية تحلل تآكل الهوية الإيديولوجية وصعود البراغماتية، مستندة إلى إسهامات رواد السوسيولوجيا والعلوم السياسية في المغرب1.

مقدمة

تعتبر الأحزاب السياسية، في النظرية الديمقراطية الكلاسيكية،الية مركزية للوساطة بين المجتمع والدولة، وفضاء لتأطير المواطنين وترجمة مطالبهم إلى سياسات عمومية . غير أن التجربة المغربية تطرح إشكالات عميقة حول مدى استمرار هذه الوظيفة، في ظل تراجع الثقة الشعبية، وتاكل الفوارق الإيديولوجية، واتساع الإحساس بأن الفعل الحزبي أصبح محدود الأثر.

تطرح هذه الدراسة الإشكالية المركزية التالية: هل ما زالت الأحزاب السياسية في المغرب تؤدي دورها الوسيط فعلا، أم أن هذا الدور تحول إلى مجرد وظيفة شكلية داخل بنية سياسية محكومة بضوابط أقوى منها؟

للإجابة عن هذه الإشكالية، سيتم تقسيم الدراسة إلى المحاور التالية:

1.الوساطة السياسية بين الفاعلية والشكلانية.

2.معضلة (الحكومة المحكومة) وحدود المسؤولية.

3.تاكل الهوية الإيديولوجية وصعود البراغماتية (مقاربة سوسيولوجية).

4.التعددية الحزبية بين الحيوية والتشتت.

5.الأحزاب وحدود العلاقة مع الدولة.

6.آفاق الإصلاح ومستقبل الأحزاب في المغرب.

أولا: الوساطة السياسية بين الفاعلية والشكلانية

تقوم الوساطة الحزبية في جوهرها على الربط بين المجتمع والدولة، من خلال تحويل المطالب الاجتماعية إلى سياسات عمومية، وضمان مشاركة المواطنين في صناعة القرار عبر اليات تمثيلية منتظمة. غير أن هذه الوظيفة، في السياق المغربي، تعرف تحولات عميقة تكشف عن أزمة بنيوية تتجاوز حدود الأداء الظرفي للأحزاب إلى طبيعة النسق السياسي ذاته2. فالمؤشرات المتراكمة خلال السنوات الأخيرة، من قبيل تراجع نسب المشاركة الانتخابية، واتساع دائرة العزوف السياسي، وتآكل الثقة في المؤسسات المنتخبة، تعكس اختلالًا واضحًا في قدرة الأحزاب على الاضطلاع بدورها التمثيلي، بما يجعل الوساطة الحزبية أقرب إلى وظيفة شكلية منها إلى قناة حقيقية للتأثير3.

هذا التحول يرتبط أساسا بإعادة تعريف موقع الحزب داخل معادلة السلطة، حيث لم يعد فاعلا مستقلا يعبر عن إرادة اجتماعية منظمة، بل أصبح في كثير من الأحيان جزءا من جهاز سياسي أوسع يعيد إنتاج نفس التوجهات والسياسات العمومية، بغض النظر عن الاختلافات الإيديولوجية المعلنة. وبهذا المعنى، تتقلص المسافة بين الفاعلين الحزبيين، وتفقد التعددية السياسية مضمونها التنافسي، لتتحول إلى تعددية شكلية تفتقر إلى رهانات سياسية حقيقية. إن هذا الوضع ينعكس مباشرة على إدراك المواطنين للعمل الحزبي، حيث يتراجع الإيمان بجدوى المشاركة السياسية، ويتعزز الشعور بأن الانتخابات لا تمثل أداة فعالة للتغيير، بل مجرد آلية لإعادة ترتيب نفس النخب داخل نفس البنية.

كما أن أزمة الوساطة الحزبية تتجلى في انتقال جزء مهم من التعبير الاجتماعي من داخل المؤسسات إلى خارجها، حيث أصبحت الاحتجاجات والحركات الاجتماعية فضاءات بديلة للتعبير عن المطالب، في ظل عجز الأحزاب عن استيعاب هذه الديناميات أو تأطيرها. هذا التحول لا يعكس فقط ضعف الأحزاب، بل يكشف أيضا عن وجود فجوة متزايدة بين البنية السياسية الرسمية والتحولات الاجتماعية العميقة التي يعرفها المجتمع، خاصة في صفوف الشباب الذين يجدون أنفسهم خارج قنوات التمثيل التقليدية. فبدل أن تكون الأحزاب إطارا لتأطير هذا الجيل وإدماجه في العملية السياسية، تحولت إلى هياكل مغلقة تعاني من الشيخوخة التنظيمية وضعف التجديد، مما يفاقم من حالة الاغتراب السياسي.

ولا يقل عن ذلك أهمية تراجع الوظيفة التأطيرية للأحزاب، التي كانت تاريخيا تشكل أحد أعمدة التنشئة السياسية وبناء الوعي الجماعي. فقد أضحت العديد من الأحزاب عاجزة عن إنتاج خطاب سياسي مقنع أو تقديم مشاريع مجتمعية واضحة، مكتفية بخطابات عامة أو تكتيكات انتخابية ظرفية. هذا الفراغ التأطيري يفتح المجال أمام فاعلين آخرين، سواء كانوا غير مؤسساتيين أو رقميين، لملء هذا الدور، مما يعيد تشكيل الحقل السياسي خارج الأطر التقليدية، ويطرح تحديات جديدة أمام الدولة والمجتمع على حد سواء.

في هذا السياق، يمكن القول إن الوساطة الحزبية في المغرب لم تعد تؤدي وظيفتها التمثيلية بالمعنى الديمقراطي الكلاسيكي، بل تحولت إلى الية إجرائية تضفي نوعا من الشرعية الشكلية على قرارات يتم بلورتها في مستويات أخرى من السلطة. هذا التحول لا يعني فقط أزمة أحزاب، بل يعكس أزمة أعمق في العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث تتراجع قنوات التفاعل المؤسسي لصالح أنماط تعبير بديلة، أقل استقرارا وأكثر عرضة للتوتر. ومن ثم، فإن إعادة الاعتبار للوساطة الحزبية لا يمكن أن تتم فقط عبر إصلاحات تقنية أو تنظيمية داخل الأحزاب، بل تقتضي مراجعة أوسع لقواعد اللعبة السياسية، بما يضمن استقلالية الفاعل الحزبي، ويعيد الثقة في جدوى المشاركة، ويؤسس لتعددية حقيقية قائمة على الاختيار والمحاسبة، لا على إعادة إنتاج نفس التوازنات.

ثانيا: معضلة (الحكومة المحكومة) وحدود المسؤولية

يطرح واقع الممارسة السياسية في المغرب إشكالا عميقا يتجاوز محدودية أداء الأحزاب أو ضعف كفاءة الحكومات، ليصل إلى مستوى بنيوي يرتبط بطبيعة توزيع السلطة داخل النسق السياسي نفسه. فجوهر المعضلة لا يكمن فقط في ضعف قدرة الحكومة على اتخاذ القرار، بل في اختلال العلاقة بين السلطة والمسؤولية، وهي العلاقة التي تشكل أحد الأسس المركزية في الأنظمة الديمقراطية الكلاسيكية4، حيث يفترض أن من يمتلك سلطة القرار هو نفسه من يخضع للمحاسبة. غير أن الحالة المغربية تقدم نموذجا مغايرا نسبيا، إذ تحمل الحكومة مسؤولية نتائج السياسات العمومية أمام الناخبين، في حين لا تتحكم بشكل كامل في محددات هذه السياسات، خاصة في ما يتعلق بالاختيارات الاستراتيجية الكبرى والتوجهات الاقتصادية الثقيلة والملفات السيادية. هذا الوضع يفرز ما يمكن تسميته بـالمسؤولية دون سيادة القرار، حيث يجد المواطن نفسه يعاقب فاعلا لا يمتلك كل أدوات الفعل، في مقابل غياب مساءلة مباشرة لفاعلين غير منتخبين يمسكون بجزء مهم من القرار.

هذا الاختلال يرتبط ببنية تنفيذية مركبة تتسم بتعدد مراكز القرار، حيث لا تمثل السلطة التنفيذية كتلة متجانسة، بل تتوزع فعليا بين مستويات مختلفة تشمل المؤسسة الملكية باعتبارها مركز القرار الاستراتيجي، والحكومة التي تضطلع بوظائف التدبير اليومي والتنفيذ القطاعي، إضافة إلى الأجهزة الإدارية والتقنوقراطية التي تضمن الاستمرارية البيروقراطية. هذا التوزيع لا يعكس فقط تقاسما للسلطة، بل يؤدي عمليا إلى تفكيكها، بما يضعف القدرة التنسيقية للحكومة ويقيد هامش المبادرة السياسية لديها، ويحول الوزراء في كثير من الأحيان إلى مدبرين للشأن العام أكثر منهم صانعي سياسات عمومية. وهكذا تظهر السلطة التنفيذية في صورة متعددة الرؤوس لكنها غير متكافئة من حيث القوة والشرعية، الأمر الذي يعمق الإشكال المرتبط بالمسؤولية السياسية.

ضمن هذا السياق، يتأثر التنافس الحزبي بشكل مباشر، إذ حين تدرك الأحزاب أن هامش القرار محدود وأن الخيارات الكبرى محددة سلفا، فإنها تميل إلى تخفيض سقف طموحها البرامجي، وتجنب الوعود الجذرية، والتموقع داخل نفس دائرة الإجماع السياسي. ونتيجة لذلك، يتحول التنافس من صراع حول المشاريع المجتمعية والاختيارات الإيديولوجية إلى منافسة تقنية حول من يدبر بشكل أقل كلفة أو أقل سوءا، وهو ما يفسر تاكل الفوارق بين الأحزاب وصعوبة التمييز بينها، إلى جانب صعود خطاب تقني يغلب عليه الطابع التدبيري على حساب الخطاب السياسي ذي الحمولة المجتمعية. هذا التحول لا يضعف فقط حيوية الحياة الحزبية، بل يفرغها من مضمونها التنافسي الحقيقي.

في هذا الإطار، يجد الحزب الحاكم نفسه في وضع تواصلي معقد، إذ يكون مضطرا للاختيار بين تبرير محدودية سلطته، وهو ما يجعله يبدو ضعيفا أو تابعا، أو الادعاء بامتلاك القدرة الكاملة على الإنجاز، وهو ما يؤدي إلى فقدان مصداقيته عندما يصطدم بحدود الواقع. وفي كلا الحالتين، تكون النتيجة واحدة، تتمثل في تآكل الثقة وتعميق العزوف السياسي، واتساع الفجوة بين ما يمكن تسميته بالدولة الرسمية والمجتمع السياسي. ومع تكرار هذه الدينامية، يتشكل لدى المواطن نوع من الوعي السياسي السلبي القائم على قناعة مفادها أن الانتخابات لا تغير بشكل جوهري، وأن الأحزاب متشابهة، وأن القرار الحقيقي يوجد خارج المجال الانتخابي. هذا الوعي لا يؤدي فقط إلى العزوف عن المشاركة، بل يسهم في تفكك الوساطة الحزبية وصعود أشكال بديلة للتعبير، مثل الحركات الاحتجاجية والتنسيقيات والفضاءات الرقمية.

ورغم أن هذا النموذج يحقق قدرا من الاستقرار المؤسسي واستمرارية في السياسات الكبرى، إلا أن ذلك يتم على حساب الفعالية الديمقراطية ووضوح المسؤولية السياسية ودينامية التغيير عبر الانتخابات، مما يفضي إلى معادلة قوامها استقرار مرتفع مقابل تنافسية سياسية منخفضة، وهو ما ينعكس في شكل شرعية انتخابية هشة. وتكشف هذه المعطيات أن ظاهرة (الحكومة المحكومة) ليست حالة ظرفية أو خللا عابرا، بل تعبير عن وظيفة بنيوية داخل النسق السياسي، حيث تستخدم الأحزاب كآلية للإدماج والضبط في إطار تعددية سياسية مضبوطة دون تفويض كامل للسلطة.

أمام هذا الوضع، يمكن تصور مسارات مختلفة لتطور المشهد السياسي، تتراوح بين استمرار الوضع القائم بما يحمله من مخاطر تعميق العزوف وتاكل الوساطة الحزبية، أو الاتجاه نحو إصلاح تدريجي يعيد التوازن بين السلطة والمسؤولية عبر توسيع صلاحيات الحكومة وتعزيز المساءلة، أو بروز أنماط جديدة من الوساطة السياسية تتجاوز الإطار الحزبي التقليدي نحو أشكال أكثر مرونة وارتباطا بالمجتمع. وفي جميع الحالات، يظل التحدي الأساسي قائما في كيفية تجاوز هذا التناقض البنيوي الذي يجعل الحزب فاعلا قويا في المجال الانتخابي، لكنه محدود التأثير في المجال الحكومي، وهو التناقض الذي يفرغ العملية الانتخابية من مضمونها التنافسي الحقيقي ويحول الحكومة إلى واجهة للمساءلة دون امتلاك كامل أدوات القرار، بما يجعل من مفهوم الحكومة المحكومة مدخلا أساسيا لفهم الأزمة السياسية في عمقها البنيوي.

 

ثالثا: غياب الهوية الإيديولوجية وصعود البراغماتية  

يعكس المشهد الحزبي المغربي تحولات عميقة مست جوهر الفعل السياسي ووظيفة الحزب داخل النظام، حيث لم يعد التمايز الإيديولوجي بين الأحزاب واضحًا كما كان يُفترض في النماذج الكلاسيكية، بل أصبح باهتًا إلى حد يصعب معه التمييز بين مرجعيات يفترض أنها متباينة. ويمكن فهم هذا الوضع انطلاقًا من طبيعة البنية السياسية5 التي تؤطر العمل الحزبي، إذ لا يتعلق الأمر فقط بوجود قيود عامة، بل ببنية متكاملة تضبط التنافس ضمن سقف محدد سلفًا، يجعل مختلف الفاعلين السياسيين يشتغلون داخل نفس الهوامش تقريبًا. في هذا السياق، تصبح الاختيارات الاقتصادية الكبرى، والتوجهات الاستراتيجية، وحتى حدود الفعل الحكومي، معطيات شبه ثابتة لا يمكن تجاوزها، مما يدفع الأحزاب، مهما كانت خلفياتها الفكرية، إلى التكيف مع هذا الإطار بدل محاولة تغييره.

هذا التكيف الإجباري يفرغ الإيديولوجيا من بعدها العملي، حيث تتحول من منظومة موجهة للسياسات إلى مجرد خطاب عام مرن، قابل للتأويل والتكيف حسب السياق. فالمشاريع الجذرية، سواء كانت ذات طابع اشتراكي أو ليبرالي أو محافظ، تفقد إمكانية التحقق الكامل، مما يدفع الأحزاب إلى تقليص طموحاتها وإعادة صياغة برامجها بما يتلاءم مع الممكن السياسي لا مع المطلوب المجتمعي. وبهذا المعنى، لا تختفي الإيديولوجيا بقدر ما تتراجع إلى مستوى رمزي، تستحضر فيه كهوية خطابية أكثر من كونها محددا فعليا لصنع القرار.

ويتعزز هذا التحول البنيوي بضعف داخلي تعاني منه الأحزاب نفسها، حيث لم تعد تشكل فضاءات لإنتاج الأفكار وصياغة المشاريع المجتمعية، بقدر ما تحولت إلى آلات انتخابية تركز على تدبير الاستحقاقات أكثر من بناء الرؤى. ويتجلى ذلك في تراجع التكوين السياسي والإيديولوجي للأعضاء، وانحسار دور التنظيمات الموازية التي كانت تاريخيا تشكل مدارس للتأطير، إضافة إلى صعود الأعيان والوجوه الانتخابية القادرة على جلب الأصوات، على حساب النخب الفكرية القادرة على إنتاج البرامج. في هذا السياق، تفقد الإيديولوجيا وظيفتها التوجيهية، وتتحول إلى مجرد أداة رمزية تستعمل في الحملات الانتخابية دون أن تجد ترجمتها في السياسات العمومية.

كما أن التحول الأبرز يتمثل في انتقال الأحزاب من منطق (حزب البرنامج) إلى منطق (حزب الموقع)، حيث لم يعد الحزب يعرف أساسا من خلال مشروعه المجتمعي، بل من خلال موقعه داخل السلطة، سواء كان في الحكومة أو في المعارضة. هذا التحول ينتج سلوكا براغماتيا واضحا، إذ تصبح التحالفات مبنية على اعتبارات التموقع السياسي بدل التقارب الإيديولوجي، ويصبح الانتقال بين المعارضة والحكومة لا يستدعي مراجعات فكرية عميقة، كما تتقارب البرامج الانتخابية لأنها تصاغ وفق ما هو ممكن داخل النسق القائم لا وفق ما يُفترض أن يعكس هوية الحزب.

وقد نبه محمد جسوس إلى أن أزمة الأحزاب ترتبط أساسا بأزمة وظيفتها في الوساطة والتمثيل، إذ إن الحزب، في صيغته الأصلية، يفترض أن يكون (مثقفا جماعيا) ينتج النخب ويؤطر المجتمع ويبلور رؤى واضحة. غير أن فشل الأحزاب في أداء هذا الدور أدى إلى تراجع قدرتها على إنتاج أفكار جديدة وتأطير المواطنين سياسيا، مما أضعف النقاش العمومي وحوله من نقاش حول البرامج والرؤى إلى تنافس حول الأشخاص والمواقع. ونتيجة لذلك، تحولت الأحزاب إلى مجرد وسائط انتخابية تربط المجتمع بالدولة دون أن تمتلك مشروعا تغييريا حقيقيا.

في ظل هذه الشروط، تبرز البراغماتية ليس كاختيار فكري واعٍ، بل كاستراتيجية بقاء تفرضها طبيعة النظام وسيرورة العمل الحزبي. فالأحزاب تجد نفسها مضطرة إلى تبني خطاب مرن يسمح لها بالتكيف مع التحولات السياسية، والدخول في تحالفات متناقضة دون كلفة رمزية كبيرة، والحفاظ على موقعها داخل مؤسسات الدولة. غير أن لهذه البراغماتية ثمنا واضحا يتمثل في تآكل الثقة الشعبية، واتساع دائرة العزوف السياسي، خاصة لدى الشباب، إضافة إلى بروز فاعلين خارج الحقل الحزبي، مثل الحركات الاحتجاجية والشبكات الرقمية، التي تسعى إلى ملء الفراغ الذي تركته الأحزاب في مجال التأطير.

يمكن، في ضوء كل ما سبق، الحديث عن ظاهرة (غياب الإيديولوجيا)، حيث لم تعد هذه الأخيرة تشكل إطارا صلبا يحدد المواقف والسياسات، بل أصبحت خطابا مرنا يعاد تشكيله وفق السياق. فهي لم تختف تماما، لكنها تحولت إلى مرجعية رمزية تستخدم في تحديد هوية الحزب، وأداة تعبئة ظرفية خلال الانتخابات، دون أن تكون عنصرا حاسما في توجيه القرار السياسي. وبذلك، لا يعكس المشهد الحزبي المغربي مجرد ضعف إيديولوجي، بل يكشف عن إعادة تشكيل عميقة لوظيفة الحزب، حيث انتقل من فاعل تغييري يسعى إلى إعادة صياغة المجتمع، إلى فاعل تدبيري يشارك في إدارة التوازنات القائمة داخل النظام السياسي.

رابعا: التعددية الحزبية بين الحيوية والبرغماتية

التعددية الحزبية من أبرز السمات الشكلية لأي نظام سياسي يسعى إلى إظهار قدر من الانفتاح والمشاركة، غير أن القيمة الحقيقية لهذه التعددية لا تقاس بعدد الأحزاب بقدر ما تقاس بمدى قدرتها على إنتاج تنافس سياسي فعلي، وتمثيل اجتماعي حقيقي، وتداول ملموس على السلطة6. ومن هذا المنطلق، يطرح المشهد الحزبي المغربي إشكالا مركزيا يتعلق بطبيعة هذه التعددية: هل نحن أمام تعددية سياسية تعكس حيوية ديمقراطية وتنوعا مجتمعيا، أم أمام تعددية متشظية تؤدي وظيفيا إلى إعادة إنتاج التوازنات القائمة أكثر مما تؤدي إلى تغييرها؟

من الناحية النظرية، تقوم التعددية الحزبية الصحية على وجود تمايزات إيديولوجية وبرامجية واضحة بين الأحزاب، بحيث تعبر كل قوة سياسية عن مصالح اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية محددة، وتطرح تصورات مختلفة لإدارة الدولة والمجتمع. فالأحزاب في الديمقراطيات المستقرة لا تمثل مجرد هياكل انتخابية، بل تشكل وسائط بين الدولة والمجتمع، وقنوات لتأطير المواطنين وصياغة المشاريع البديلة. غير أن الحالة المغربية تكشف عن مفارقة واضحة إذ رغم العدد الكبير للأحزاب، فإن الفوارق بينها تبدو محدودة على مستوى السياسات العمومية والاختيارات الكبرى، مما يجعل التعددية أقرب إلى التوسع العددي منها إلى التنوع السياسي الحقيقي.

ويظهر هذا الأمر بوضوح في ضعف الحدود الإيديولوجية بين الأحزاب. فالكثير من التنظيمات الحزبية انتقلت، خاصة منذ التسعينيات، من منطق الأحزاب العقائدية إلى منطق الأحزاب الانتخابية البراغماتية، حيث تراجعت المرجعيات الفكرية لصالح الحسابات الانتخابية والتحالفات الظرفية. وأصبح من الصعب التمييز عمليا بين أحزاب توصف بأنها محافظة أو ليبرالية أو يسارية، لأن أغلبها يشتغل داخل نفس السقف السياسي والاقتصادي العام، ويقدم برامج متقاربة تفتقر إلى الاختلافات الجوهرية. هذا التماثل البرامجي يؤدي إلى إضعاف ثقة المواطنين في العمل الحزبي، لأن الناخب لا يجد اختلافات حقيقية تسمح له بالاختيار بين مشاريع مجتمعية متنافسة، بل يجد نخبا سياسية تتبادل المواقع أكثر مما تتصارع حول الرؤى.

كما أن كثرة الأحزاب في المغرب لا تعكس بالضرورة تنوعا اجتماعيا حقيقيا، بل ترتبط أحيانا بمنطق تشتيت الحقل السياسي. فبدل أن تتجه الساحة الحزبية نحو بناء أقطاب قوية ومتماسكة قادرة على بلورة بدائل واضحة، تتسم بوجود عدد كبير من الأحزاب الصغيرة والمتوسطة ذات التأثير المحدود، ما يفضي إلى حالة من التوسع السياسي. هذا التوسع ينعكس سلبا على الاستقرار الحكومي وفعالية المؤسسات المنتخبة، حيث تصبح الحكومات قائمة على تحالفات واسعة وغير منسجمة، تبنى غالبا على منطق التوافق الإداري أكثر من الانسجام السياسي. ونتيجة لذلك، تتحول الحكومة أحيانا إلى فضاء لتدبير التوازنات بدل أن تكون أداة لتنفيذ مشروع سياسي واضح.

ويمكن فهم هذا التشتت الحزبي باعتباره جزءا من اليات ضبط المجال السياسي داخل النظام المغربي. فالتعددية هنا لا تؤدي فقط وظيفة ديمقراطية مرتبطة بالتمثيل والمشاركة، بل تقوم أيضا بوظيفة تنظيمية تتمثل في منع تشكل قوة سياسية مهيمنة قد تفرض توازنا جديدا للسلطة. إذ إن وجود عدد كبير من الأحزاب المتنافسة يحد من إمكانية تشكل قطبية سياسية حادة، ويجعل كل الفاعلين السياسيين بحاجة دائمة إلى التحالف والتفاوض ضمن هوامش محددة سلفا. بهذا المعنى، تصبح التعددية وسيلة للحفاظ على استقرار النسق السياسي المركزي، من خلال توزيع القوة ومنع احتكارها من طرف حزب أو تيار واحد.

وقد ساهمت عوامل تاريخية ومؤسساتية في تكريس هذا الوضع. فمنذ مرحلة ما بعد الاستقلال، عرفت الحياة الحزبية المغربية تدخلات متعددة أعادت تشكيل الخريطة السياسية باستمرار، سواء عبر الانشقاقات أو إنشاء أحزاب جديدة أو إعادة هندسة التحالفات. كما أن نمط الاقتراع المعتمد ساهم بدوره في إنتاج برلمان موزع على عدد كبير من الأحزاب، ما يجعل من الصعب على أي حزب الحصول على أغلبية مريحة تمكنه من قيادة الحكومة بشكل مستقل. وفي ظل هذا الواقع، تتراجع المنافسة البرامجية لصالح منطق التوافقات والتوازنات.

إضافة إلى ذلك، فإن ضعف التأطير السياسي والاجتماعي للأحزاب جعل الكثير منها يتحول إلى تنظيمات انتخابية موسمية تنشط خلال الاستحقاقات ثم تتراجع أدوارها التأطيرية بين الانتخابات. وهذا يفسر جزئيًا تنامي العزوف السياسي وفقدان الثقة في المؤسسات التمثيلية، حيث يشعر جزء من المواطنين بأن الأحزاب لم تعد قادرة على التعبير عن تطلعاتهم أو الدفاع عن مصالحهم، بل أصبحت جزءا من بنية سياسية مغلقة تعيد إنتاج نفسها.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال التعددية الحزبية المغربية فقط في بعدها السلبي، لأن هذا التنوع ساهم أيضا في تجنب هيمنة الحزب الواحد وفي احتواء كثير من التوترات السياسية والاجتماعية داخل المؤسسات بدل انتقالها إلى الشارع. كما أتاح المجال لتمثيل حساسيات مختلفة، ولو بشكل محدود، داخل النسق السياسي. غير أن التحدي الأساسي يظل مرتبطا بالانتقال من تعددية عددية إلى تعددية نوعية، أي من مجرد كثرة الأحزاب إلى وجود قوى سياسية ذات هوية واضحة، وقاعدة اجتماعية حقيقية، وقدرة على إنتاج بدائل وبرامج متمايزة.

وعليه، فإن أزمة التعددية الحزبية في المغرب لا تكمن في غياب الأحزاب، بل في طبيعة هذه الأحزاب ووظيفتها داخل النسق السياسي. فالمشكلة ليست في العدد، بل في محدودية الفعالية والقدرة على إنتاج تنافس سياسي حقيقي. لذلك، فإن أي إصلاح ديمقراطي جاد يقتضي إعادة بناء الحياة الحزبية على أسس تقوم على الوضوح الإيديولوجي، والديمقراطية الداخلية، والارتباط الفعلي بالمجتمع، بما يسمح بتحويل التعددية من أداة لتدبير التوازنات إلى آلية لإنتاج التداول السياسي الحقيقي.

خامسا: الأحزاب وحدود العلاقة مع الدولة

إن العلاقة بين الأحزاب والدولة في المغرب تثير إشكالا بنيويا يتجاوز مجرد التنافس الانتخابي أو التداول الحكومي، ليمس طبيعة النسق السياسي ذاته وحدود الفعل الحزبي داخله. فالسؤال المركزي لا يتعلق فقط بمدى مشاركة الأحزاب في الحكم، بل بطبيعة السلطة التي تمارسها، وحدود استقلال قرارها السياسي، ومدى قدرتها على التأثير في الاختيارات الاستراتيجية الكبرى للدولة.

من الناحية النظرية، يفترض النظام التعددي أن تكون الأحزاب مؤسسات وسيطة بين المجتمع والدولة، تعبر عن المصالح الاجتماعية المختلفة، وتتنافس من أجل الوصول إلى السلطة وتنفيذ برامجها. غير أن التجربة المغربية تكشف عن نمط مختلف نسبيا، حيث تشتغل الأحزاب داخل مجال سياسي مضبوط بسقف محدد، يجعل هامش المبادرة السياسية محدودا، خصوصا في القضايا المرتبطة بالخيارات السيادية أو التوجهات الاستراتيجية الكبرى. وفي هذا السياق، تصبح وظيفة الأحزاب أقرب إلى تدبير التوازنات السياسية والاجتماعية، أكثر من كونها فاعلا مستقلا قادرا على إعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية.

وقد حاول عدد من الباحثين تفسير هذه الخصوصية المغربية من خلال تحليل طبيعة الدولة وبنيتها التاريخية. ففي مقاربة عبد الله حمودي حول (الشيخ والمريد)، ينظر إلى السلطة باعتبارها قائمة على علاقات الولاء وإعادة إنتاج التراتبية، حيث لا تقتصر هذه البنية على المجال التقليدي، بل تمتد إلى المؤسسات الحديثة، بما فيها الأحزاب السياسية. فالأحزاب، وفق هذا التصور، لا تتحرك دائما بمنطق المؤسسات الديمقراطية الحديثة القائمة على الاستقلالية والتعاقد السياسي، بل تعيد إنتاج أنماط الزعامة الشخصية والولاءات الداخلية، سواء داخل تنظيماتها أو في علاقتها بالسلطة المركزية. وهو ما يفسر ضعف الديمقراطية الداخلية، وهيمنة الشخصنة، وصعوبة تشكل معارضة مؤسساتية مستقلة بشكل كامل.

كما أن طبيعة النظام السياسي المغربي، الذي يحتفظ فيه الملك بموقع محوري باعتباره الفاعل المركزي والحكم بين المؤسسات، تؤثر بشكل مباشر في حدود الفعل الحزبي. فالمؤسسة الملكية لا تمثل فقط رمزا للدولة، بل تضطلع أيضا بأدوار تنفيذية واستراتيجية واسعة في المجالات الأمنية والدينية والدبلوماسية والاقتصادية الكبرى، ما يجعل الأحزاب تتحرك داخل فضاء سياسي تشرف الدولة على ضبط إيقاعه وتوازناته. لذلك، حتى عند وصول بعض الأحزاب إلى الحكومة، فإن قدرتها على تنفيذ برامجها تظل مرتبطة بهوامش متغيرة يحددها ميزان القوى داخل النسق السياسي.

ويظهر هذا الأمر بشكل واضح في التحولات التي تعرفها مواقف الأحزاب بين المعارضة والحكومة، حيث غالبا ما تتراجع الفوارق الإيديولوجية لصالح منطق التكيف مع شروط النسق السياسي ومتطلبات الاستقرار. ومن هنا يمكن تفسير ظاهرة البراغماتية الحزبية التي تجعل كثيرا من الأحزاب تتبنى خطابات متقاربة رغم اختلاف مرجعياتها النظرية، إذ تصبح الأولوية هي الحفاظ على الموقع داخل النظام السياسي أكثر من السعي إلى إحداث تحولات جذرية في بنيته.

ومع ذلك، فإن هذا التحليل لا يعني اختزال الأحزاب في مجرد أدوات تابعة للدولة، لأن الفعل الحزبي يظل حاضرا بدرجات متفاوتة، سواء من خلال تأطير المواطنين، أو إدارة التنافس الانتخابي، أو المساهمة في إنتاج النخب السياسية. كما أن بعض المحطات أظهرت قدرة الأحزاب على التأثير النسبي في النقاش العمومي وصياغة بعض السياسات. غير أن هذا التأثير يبقى محكوما بمنطق التوازن العام للنظام السياسي، الذي يسعى إلى الحفاظ على الاستقرار والتحكم في وتيرة التغيير، بما يمنع أي فاعل حزبي من التحول إلى مركز قوة مستقل بالكامل عن الدولة.

وعليه، فإن فهم العلاقة بين الأحزاب والدولة في المغرب يقتضي تجاوز القراءة القانونية الشكلية، نحو مقاربة سوسيولوجية وسياسية تدرس كيفية اشتغال السلطة فعليا، وطبيعة التوازن بين منطق التعددية السياسية ومنطق الضبط المركزي للمجال السياسي. فالإشكال لا يكمن فقط في وجود الأحزاب أو غيابها، بل في حدود استقلاليتها، ووظيفتها داخل النسق السياسي، ومدى قدرتها على تمثيل المجتمع بصورة مستقلة عن بنية السلطة التقليدية والحديثة في آن واحد.

سادسا: أي مستقبل للأحزاب في المغرب؟

يشكل سؤال مستقبل الأحزاب في المغرب أحد الأسئلة المركزية المرتبطة بطبيعة النظام السياسي وتحولات المجتمع وأزمة الوساطة بين الدولة والمواطن، إذ لم يعد النقاش حول الأحزاب يقتصر على بعدها التنظيمي أو الانتخابي، بل أصبح مرتبطا بقدرتها على الاستمرار كفاعل سياسي حقيقي داخل مجتمع يعرف تحولات عميقة ومتسارعة. فالأحزاب المغربية تجد نفسها اليوم أمام مفترق طرق حاسم إما أن تستعيد دورها التاريخي باعتبارها مؤسسات للتأطير والإقناع وصناعة البدائل السياسية، وإما أن تستمر كآليات انتخابية موسمية تفقد تدريجيا معناها ووظيفتها داخل المجتمع.

ولا يمكن فهم أزمة الأحزاب بمعزل عن أزمة السياسة نفسها، لأن التحولات التي يعرفها العالم أثرت بشكل واضح على الأحزاب التقليدية في مختلف الدول. فقد أدى صعود الشعبوية، وتراجع الثقة في المؤسسات، وهيمنة الإعلام الرقمي، وضعف الإيديولوجيات الكبرى، إلى إضعاف الأدوار التقليدية للأحزاب السياسية. كما انتقل جزء كبير من التأثير السياسي من التنظيمات الحزبية الكلاسيكية إلى الفضاء الرقمي والمؤثرين والحركات الاحتجاجية العابرة للتنظيمات. غير أن الأزمة في المغرب تبدو أعمق، لأن الأحزاب لم تستطع تاريخيا بناء استقلالية سياسية ومجتمعية قوية تجعلها قادرة على تمثيل المجتمع بفعالية. ولهذا أصبحت تعاني من فجوات متزايدة مع الشباب، ومع النخب الفكرية، ومع الطبقات الشعبية، وهو ما يفسر ضعف الثقة فيها، رغم استمرار الاهتمام الشعبي بالقضايا العامة والاحتجاجات الاجتماعية. فالمواطن المغربي قد يتفاعل بقوة مع قضايا العدالة الاجتماعية أو الحريات أو الأوضاع الاقتصادية، لكنه لا يرى في الحزب السياسي أداة حقيقية للتغيير.

وقد عرفت الأحزاب المغربية خلال العقود الماضية تحولا عميقا من أحزاب مشروع إلى أحزاب تدبير. ففي مرحلة الحركة الوطنية ارتبطت الأحزاب بمشروع التحرر والاستقلال، ثم حملت بعض الأحزاب اليسارية مشروع العدالة الاجتماعية والديمقراطية، بينما تبنت الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية خطاب الإصلاح الأخلاقي والسياسي، في حين ارتبطت أحزاب أخرى بمنطق الاستقرار والارتباط بالدولة. أما اليوم، فقد تراجعت هذه المشاريع الكبرى لصالح منطق التدبير التقني والانتخابي، فأصبحت الأحزاب متشابهة في خطابها الاقتصادي، وفي أساليب التسيير والتحالفات والمواقف الكبرى، مما أفقد المواطن القدرة على التمييز بينها. وهكذا تحول الصراع السياسي من صراع بين رؤى مجتمعية مختلفة إلى تنافس حول المواقع والنفوذ الانتخابي، الأمر الذي أدى إلى تفريغ السياسة من بعدها الرمزي والإيديولوجي، بحيث لم يعد الحزب ينتج حلما جماعيا أو معنى سياسيا، بل أصبح مرتبطا أساسا بالتدبير اليومي.

وفي السياق نفسه، برز خلال السنوات الأخيرة صعود ما يمكن تسميته بـ (دولة الخبراء)، حيث أصبحت القرارات الكبرى تدار بشكل متزايد عبر المؤسسات التقنية والتكنوقراط والاستراتيجيات الكبرى واللجان المتخصصة والمؤسسات غير المنتخبة، وهو ما أدى إلى تراجع دور الأحزاب باعتبارها وسيطا مركزيا بين الدولة والمجتمع. فعندما يشعر المواطن أن القرار الحقيقي لا يمر عبر المؤسسات المنتخبة، تصبح الانتخابات أقل قدرة على خلق الحماس والثقة السياسية، وهو ما يفسر استمرار ضعف المشاركة السياسية ومنسوب الثقة رغم وجود تعددية حزبية وانتخابات منتظمة.

كما أن التحولات المجتمعية والثقافية عمقت من أزمة الأحزاب، لأن الجيل الجديد لم يعد يفكر سياسيا بالطريقة التقليدية نفسها. فما تزال الأحزاب تشتغل بمنطق المقرات والاجتماعات التنظيمية والخطابات الكلاسيكية والولاءات الحزبية، بينما يتحرك الجيل الجديد داخل الفضاء الرقمي، ويتفاعل مع القضايا السريعة والعابرة للحدود، وينخرط في النقاشات الحقوقية والثقافية والإعلامية أكثر من انخراطه في التنظيمات الحزبية التقليدية. ولهذا أصبحت بعض الحركات غير المؤطرة حزبيا أكثر قدرة على التأثير الرمزي من الأحزاب نفسها، لأن السياسة انتقلت جزئيا من سياسة التنظيم إلى سياسة التأثير، وهو ما يشكل تحديا وجوديا للأحزاب التقليدية.

ومع ذلك، فإن إمكانية استعادة الأحزاب لدورها ما تزال قائمة، لكنها تتطلب تحولات عميقة تتجاوز الإصلاحات الشكلية. فالأحزاب التي لا تنتج أفكارا ومشاريع مجتمعية تتحول إلى آلات انتخابية فاقدة للروح السياسية، ولذلك تحتاج الأحزاب المغربية إلى استعادة وظيفتها الفكرية عبر بناء مراكز تفكير حقيقية، وتكوين نخب سياسية وفكرية، وإنتاج تصورات واضحة حول مستقبل المغرب. فالسياسة ليست مجرد تدبير للطرقات والأسعار والخدمات، بل هي أيضا إنتاج لمعنى جماعي واتجاه للمجتمع.

كما أن استعادة المصداقية تقتضي توفر هامش من الاستقلالية السياسية، ليس بمعنى الصدام مع الدولة، وإنما عبر وضوح المواقف والجرأة في النقاش العمومي والدفاع الجدي عن البرامج وتحمل المسؤولية السياسية. فالمواطن يفقد الثقة في الحزب الذي يغير مواقفه باستمرار حسب موقعه في السلطة أو المعارضة. وإلى جانب ذلك، تعاني الأحزاب من أزمة في تجديد النخب، إذ إن إعادة إنتاج الوجوه نفسها لعقود طويلة يضعف قدرتها على مواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية. فالأحزاب القوية تاريخيا كانت دائما قادرة على إنتاج قيادات جديدة واستيعاب الكفاءات وفتح المجال أمام الشباب وتجديد خطابها السياسي، لأن الأزمة ليست فقط أزمة أعمار، بل أيضا أزمة خيال سياسي.

ومن جهة أخرى، فإن استمرار هيمنة الزبونية والأعيان والشبكات الانتخابية المحلية يضعف الوظيفة التأطيرية للأحزاب. فالحزب الحقيقي لا يقوم على المصالح والنفوذ المحلي فقط، بل على الاقتناع والبرنامج والتأطير المجتمعي والحضور الفكري والثقافي. ولهذا فإن أي إصلاح سياسي لا يعالج اقتصاد الريع الانتخابي سيظل محدود التأثير.

وبناء على هذه التحولات، يمكن تصور عدة سيناريوهات لمستقبل الأحزاب في المغرب. أول هذه السيناريوهات هو استمرار الوضع الحالي، بما يعنيه ذلك من ضعف الثقة والعزوف السياسي وهيمنة التكنوقراط وتحول الأحزاب إلى أدوات انتخابية بلا عمق مجتمعي، وهو السيناريو الأقرب على المدى القصير. أما السيناريو الثاني فيتمثل في إعادة هيكلة الحقل الحزبي عبر تقليص التشتت وتشجيع الاندماجات وخلق أقطاب سياسية كبرى أكثر وضوحا وفعالية، خصوصا أن كثرة الأحزاب دون فعالية حقيقية قد تضعف المشهد السياسي أكثر مما تغنيه. بينما يقوم السيناريو الثالث على احتمال ظهور فاعلين سياسيين جدد، مثل الحركات الشبابية والتيارات الرقمية والنخب المستقلة العابرة للأحزاب التقليدية، خاصة إذا استمرت الأحزاب الحالية في فقدان قدرتها على استيعاب التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة.

وفي النهاية، فإن مستقبل الأحزاب في المغرب يرتبط بسؤال أعمق يتعلق بطبيعة الوظيفة السياسية داخل النظام السياسي نفسه هل يراد للأحزاب أن تكون مجرد أدوات لتدبير التوازنات، أم فاعلا حقيقيا في صناعة القرار والتأطير المجتمعي؟ فإذا استمرت السياسة محصورة في التدبير التقني والتوازنات الضيقة، فإن الأحزاب ستواصل تاكلها التدريجي وفقدانها للثقة المجتمعية. أما إذا توفرت إرادة لإحياء الوساطة السياسية الحقيقية وفتح المجال أمام تنافس فعلي حول المشاريع والرؤى، فقد تستعيد الأحزاب جزءا من دورها التاريخي. وفي جميع الأحوال، يصعب تصور دولة حديثة مستقرة دون أحزاب قوية وذات مصداقية، لأن غياب الوساطة السياسية المنظمة يفتح المجال إما للشعبوية، أو للعزوف السياسي، أو لانفجارات اجتماعية غير مؤطرة.

خاتمة: سؤال الشرعية السياسية

في ضوء ما سبق، يبرز سؤال مركزي لا يمكن تجاوزه: إذا كانت الأحزاب لا تحكم فعليا، ولا تختلف إيديولوجيا بشكل واضح، ولا تحظى بثقة المواطنين… فما الذي يبرر استمرارها بصيغتها الحالية؟

الجواب لا يكمن في إلغاء الأحزاب، لأن غيابها قد يؤدي إلى فراغ سياسي أكثر هشاشة، بل في إعادة تعريف دورها داخل النظام السياسي، بما يجعلها فاعلا حقيقيا في إنتاج القرار، لا مجرد وسيط شكلي في شرعنته. فمستقبل السياسة في المغرب لا يتوقف على وجود الأحزاب بحد ذاته، بل على قدرتها على استعادة معناها ووظيفتها الديمقراطية.

 قائمة المراجع والمصادر

1 .محمد مهداوي، ”األحزاب السياسية بالمغرب: واقع الممارسة وسؤال األزمة؟“، مجلة ابن خلدون للدراسات القانونية واالقتصادية واالجتماعية، المجلد 1 ،العدد 3 ،2022.

. 2الحبيب استاتي زين الدين، ”الحركات االحتجاجية في المغرب ودينامية التغيير ضمن االستمرارية“، المركز العربي لألبحاث ودراسة السياسات، الدوحة/بيروت، 2019

. . 3محمد جسوس، ”رهانات الفكر السوسيولوجي بالمغرب“، منشورات وزارة الثقافة، الرباط، 2003.

 4 .عبد الله حمودي، ”الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة“، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2000.

 5 .محمد الساسي، ”االنتقال الديمقراطي في المغرب: عوائق وفرص“، منشورات وجهة نظر، الرباط، .2005 Driss Maghraoui, “On the relevance or irrelevance of political parties in Morocco”, The Journal .6

 . 7 .محمد بنطلحة، ”النظام الحزبي المغربي: بين التعددية المفرطة وضعف الفعالية“، مركز الدراسات واألبحاث في العلوم االجتماعية، الرباط، 2014.

تعليقات (0)
اضافة تعليق