الحقوق السياسية لمغاربة العالم بين الاعتراف الدستوري وتحديات الممارسة الفعلية

حوار: خالد أمين

يشكل موضوع المشاركة السياسية لمغاربة العالم أحد الملفات المرتبطة بتفعيل الحقوق الدستورية للمواطنين المغاربة المقيمين خارج أرض الوطن، ولا سيما ما يتعلق بممارسة حق التصويت والترشيح من بلدان الإقامة. وبينما أقر دستور 2011 مبدأ تمتع مغاربة العالم بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها الحقوق السياسية، أحال إلى القانون تحديد شروط وكيفيات ممارسة هذه الحقوق فعليا.

وفي هذا الحوار، يتناول المحامي والحقوقي ورئيس منظمة محامون بلا حدود بالمغرب محسن هشام الأساس الدستوري لمشاركة مغاربة العالم في الانتخابات، وحدود وآليات التصويت بالوكالة، ودور نظام الوكالة الإلكترونية الذي تم اعتماده سنة 2026، فضلا عن إمكانية اعتماد التصويت الإلكتروني مستقبلا، والضمانات القانونية والتقنية المرتبطة به، إلى جانب مسألة التمثيلية السياسية لمغاربة العالم داخل البرلمان.

كما يستحضر الحوار بعض التجارب الدولية في مجال التصويت الإلكتروني، ويناقش إمكان الاستفادة منها في تطوير آليات مشاركة المغاربة المقيمين بالخارج، مع التأكيد على ضرورة مراعاة الخصوصيات الدستورية والتشريعية والمؤسساتية للمغرب.

س: بداية، ما هو الأساس الدستوري لحق المغاربة المقيمين بالخارج في المشاركة في الانتخابات؟

ج: الأساس الدستوري واضح، ولا يتعلق بمجرد إمكانية إدارية تمنحها السلطات أو تنظمها بحسب الظروف. فالفصل 17 من دستور 2011 ينص صراحة على أن المغاربة المقيمين في الخارج يتمتعون بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح في الانتخابات.

والأهم أن الفصل نفسه ينص على إمكانية تقديم ترشيحاتهم للانتخابات على مستوى اللوائح والدوائر الانتخابية المحلية والجهوية والوطنية، ثم يحيل إلى القانون تحديد شروط وكيفيات الممارسة الفعلية لحق التصويت وحق الترشيح انطلاقا من بلدان الإقامة.

وهذه الصياغة الدستورية مهمة، لأنها تميز بين أصل الحق الذي قرره الدستور، وبين كيفية ممارسته التي أحال تنظيمها إلى القانون.

كما ينبغي قراءة الفصل 17 في ارتباط مع الفصل 11 الذي يقرر أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي.

وبالتالي، فالمعيار الدستوري لا يقتصر على الاعتراف النظري بالحق، وإنما يقتضي وجود آليات قانونية تسمح بممارسته بصورة فعلية.

س: هل يعني ذلك أن الدستور يفرض على الدولة اعتماد التصويت من الخارج بصورة مباشرة؟

ج: الدستور يضمن ممارسة الحق، لكنه لا يفرض وسيلة تقنية محددة لممارسته.

فالفصل 17 لا ينص على أن التصويت يجب أن يكون إلكترونيا أو بالبريد أو عن طريق القنصليات أو بالوكالة، وإنما يقرر الحق ويحيل إلى القانون تحديد شروط وكيفيات ممارسته انطلاقا من بلد الإقامة.

وهذا يعني أن المشرع يملك هامشا في اختيار الوسيلة، غير أن هذا الهامش ينبغي أن يمارس بما يضمن عدم تعطيل الحق الدستوري أو إفراغه من مضمونه.

ومن هنا تأتي أهمية عبارة «الممارسة الفعلية» التي أوردها الدستور.

س: وماذا عن التصويت بالوكالة؟ هل يعتبر حاليا وسيلة قانونية لمشاركة مغاربة العالم؟

ج: نعم. وينبغي هنا التفريق بين المشروعية القانونية وبين تقييم مدى كفاية الآلية.

فالتصويت بالوكالة معترف به في التشريع الانتخابي المغربي. كما أوضحت الحكومة، في إطار الأسئلة المتعلقة بمشاركة المغاربة المقيمين بالخارج، أن الناخب المغربي المولود أو المقيم خارج التراب الوطني والمسجل في اللوائح الانتخابية العامة يمكنه التصويت عن طريق الوكالة، مع الإحالة إلى المادة 72 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب.

لذلك لا أرى، من الناحية القانونية، دقة في القول إن التصويت بالوكالة غير قانوني أو مخالف للدستور لمجرد أنه تصويت بالنيابة.

والسؤال القانوني الأدق هو: هل توفر الوكالة جميع الضمانات التي يفترض أن ترافق ممارسة الحق الانتخابي؟

وهنا يمكن مناقشة عدد من المسائل، من بينها حرية الاختيار وسرية الاقتراع وشخصية التصويت.

س: أين تكمن الإشكالية القانونية في التصويت بالوكالة؟

ج: الإشكالية الأساسية هي أن صاحب الحق الانتخابي لا يكون موجودا أمام صندوق الاقتراع، وإنما يقوم شخص آخر بالتصويت نيابة عنه، وهو ما يخلق وضعا قانونيا مختلفا عن التصويت الشخصي.

فالوكالة تتيح تجاوز العائق الجغرافي، لكنها في الوقت نفسه تجعل تنفيذ الإرادة الانتخابية مرتبطا بشخص آخر.

ولنفترض أن المواطن المقيم بالخارج طلب من وكيله التصويت لفائدة لائحة معينة، وكان الوكيل ينتمي سياسيا إلى اتجاه آخر. هنا تظهر مسألة لا تتعلق بمشروعية الوكالة في حد ذاتها، وإنما بضمان تنفيذ إرادة الموكل.

فالدولة تستطيع أن تتحقق من هوية الوكيل وصحة الوكالة، لكنها لا تستطيع، في ظل مبدأ سرية الاقتراع، أن تتأكد من أن الوكيل اختار بالفعل ما طلبه منه الموكل.

س: لكن أليس من المفترض أن تكون سرية الاقتراع ضمانة للناخب؟

ج: بالتأكيد، وسرية الاقتراع مبدأ أساسي.

لكن نظام الوكالة يبرز مفارقة قانونية دقيقة. فإذا تم السماح للموكل بإثبات مضمون التصويت الذي أدلى به الوكيل، فإن ذلك قد يمس بسرية الاقتراع.

أما إذا ظلت العملية سرية بالكامل، فإن الموكل لا يستطيع التحقق بصورة مستقلة من أن الوكيل نفذ بالفعل اختياره.

وبالتالي، هناك توازن دقيق بين مبدأين: سرية التصويت من جهة، وإمكانية التحقق من احترام إرادة الموكل من جهة أخرى.

وهذه إحدى المسائل التي ينبغي أن تحظى باهتمام المشرع عند تقييم نظام الوكالة وتطويره.

س: في سنة 2026 تم اعتماد نظام E-Procuration. هل يمثل ذلك بداية للتصويت الإلكتروني؟

ج: لا، وهذا تمييز مهم من الناحية القانونية والتقنية.

فنظام الوكالة الإلكترونية الذي أعلنت عنه وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج بتنسيق مع وزارة الداخلية يتعلق برقمنة إجراءات الوكالة.

فالناخب المقيم بالخارج يقوم بإدخال بياناته وبيانات الوكيل واستكمال إجراءات المصادقة إلكترونيا، ثم يتم تحميل الوكالة وإرسالها إلى الوكيل.

لكن التصويت نفسه لا يتم عبر الإنترنت، إذ يتوجه الوكيل إلى مكتب التصويت ويدلي بالتصويت ماديا نيابة عن صاحب الوكالة.

إذن نحن أمام رقمنة لإجراءات الوكالة، وليس أمام تصويت إلكتروني.

وهذا فرق ينبغي الحفاظ عليه حتى لا تختلط المصطلحات القانونية والتقنية.

س: هل يمكن القول إن رقمنة الوكالة حلت الإشكال المرتبط بمشاركة مغاربة العالم؟

ج: لقد عالجت جانبا إجرائيا مهما، لأنها سهلت إنشاء الوكالة والمصادقة عليها، وربما خففت بعض الصعوبات الإدارية المرتبطة بالإجراءات التقليدية.

لكنها لا تغير طبيعة التصويت بالوكالة، فحتى بعد رقمنة الإجراءات، يظل الشخص الذي يضع ورقة التصويت في صندوق الاقتراع هو الوكيل وليس الموكل.

وبالتالي، تبقى الإشكالات المرتبطة بشخصية الاختيار وسرية الاقتراع قائمة من حيث المبدأ.

وهذا لا يعني أن نظام الوكالة غير مشروع، وإنما يعني أن رقمنة الإجراءات لا تساوي تغيير طبيعة النظام الانتخابي نفسه.

س: هل يمكن أن يكون التصويت الإلكتروني حلا لهذه الإشكالية؟

ج: يمكن أن يشكل أحد الخيارات التشريعية المستقبلية، لكن لا ينبغي تقديمه باعتباره حلا تلقائيا أو تقنيا فقط.

فالتصويت الإلكتروني ينقل العملية الانتخابية إلى بيئة رقمية، ولذلك يجب أن يحافظ على المبادئ القانونية نفسها التي تحكم الاقتراع التقليدي.

يجب أولا ضمان أن الشخص الذي يصوت هو فعلا الناخب المسجل والمتمتع بالأهلية الانتخابية.

ويجب ثانيا منع التصويت المتعدد.

ويجب ثالثا ضمان سرية الاختيار، بحيث لا يمكن الربط بين هوية الناخب ومضمون صوته.

ويجب رابعا ضمان عدم تغيير الصوت أثناء انتقاله أو تسجيله.

ويجب خامسا ضمان سلامة عملية الفرز وإمكانية تدقيقها.

ويجب سادسا تحديد المسؤولية القانونية في حالة حدوث خلل تقني أو اختراق أو عطب في النظام.

إذن، نحن لا نتحدث عن مجرد إنشاء موقع إلكتروني للتصويت، وإنما عن نظام انتخابي إلكتروني يخضع لقواعد قانونية وتقنية دقيقة.

س: ماذا تقول المعايير الدولية في هذا المجال؟

ج: وضع مجلس أوروبا إطارا مهما من خلال إحدى توصياته سنة 2017 بشأن المعايير المتعلقة بالتصويت الإلكتروني.

وهذه التوصية لا تلزم الدول باعتماد التصويت الإلكتروني، وإنما تحدد الضمانات التي ينبغي مراعاتها إذا اختارت دولة ما استخدام هذه الوسيلة.

ومن بين المبادئ التي تؤكد عليها: عمومية الاقتراع، والمساواة، وحرية الاختيار، وسرية التصويت، والشفافية، والأمن، والموثوقية، وإمكانية التحقق والتدقيق.

وهذه المبادئ تتقاطع بدرجة كبيرة مع المبادئ الدستورية المغربية المتعلقة بالانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة.

لذلك يمكن الاستفادة من هذه المعايير عند إعداد أي مشروع مغربي مستقبلي، مع مراعاة الخصوصيات الدستورية والتشريعية الوطنية.

س: وماذا عن التشفير؟ هل يمكن للتشفير أن يضمن سرية التصويت الإلكتروني؟

ج: التشفير عنصر أساسي، لكنه ليس كافيا وحده.

فالتصويت الإلكتروني يحتاج إلى تصميم يسمح بفصل هوية الناخب عن مضمون التصويت. بمعنى أن النظام يجب أن يكون قادرا على التأكد من أن الشخص الذي صوت هو ناخب مؤهل، دون أن يسمح في الوقت نفسه بمعرفة الجهة التي صوت لها.

وهناك أيضا مفهوم قابلية التحقق من العملية الانتخابية، أي إمكانية التحقق من أن الأصوات التي تم قبولها هي أصوات صحيحة، وأنها دخلت عملية الفرز، وأن النتائج النهائية تعكس عملية الفرز الفعلية.

لكن ينبغي عدم الاعتقاد بأن التشفير يجعل النظام آمنا بصورة مطلقة.

فهناك مخاطر أخرى، منها إصابة جهاز الناخب ببرمجيات ضارة، أو اختراق البنية التحتية، أو سوء إدارة مفاتيح التشفير، أو محاولة التأثير على الناخب، أو حدوث عطل تقني واسع.

لذلك فإن الأمن الإلكتروني في الانتخابات ينبغي أن يكون منظومة متعددة الطبقات، وليس مجرد استخدام خوارزمية تشفير.

س: هل توجد دول تستخدم التصويت الإلكتروني فعلا بالنسبة إلى مواطنيها المقيمين بالخارج؟

ج: نعم، وهناك نماذج مهمة، لكن التجارب تختلف كثيرا فيما بينها.

ففرنسا، مثلا، تتيح التصويت عبر الإنترنت للمواطنين المقيمين بالخارج في بعض الانتخابات، ومن بينها انتخابات النواب الممثلين للفرنسيين في الخارج وبعض الانتخابات الخاصة بتمثيلية الفرنسيين بالخارج.

وفي انتخابات المستشارين الفرنسيين في الخارج لسنة 2026، كانت هناك ثلاث وسائل: التصويت الحضوري، والوكالة، والتصويت عبر الإنترنت.

وهذا النموذج يوضح أن التصويت الإلكتروني يمكن أن يضاف إلى الوسائل القائمة دون أن يلغيها بالضرورة.

أما إستونيا، فهي من الدول التي راكمت تجربة متقدمة في مجال التصويت الإلكتروني، حيث تستخدم الاقتراع عبر الإنترنت في الانتخابات منذ سنة 2005.

ومن خصائص النموذج الإستوني إمكانية إعادة التصويت إلكترونيا، بحيث يحتسب التصويت الإلكتروني الأخير، مع أولوية التصويت الورقي في الحالات التي يصوت فيها الناخب حضوريا.

أما سويسرا، فقد اختارت نهجا أكثر تدريجا، من خلال تجارب محدودة في عدد من الكانتونات، مع إخضاع النظام لمتطلبات أمنية وتقنية وعمليات تدقيق مستقلة.

وهذه التجارب الثلاث تقدم نماذج مختلفة يمكن دراستها: فرنسا في ما يتعلق بالمواطنين المقيمين بالخارج، وإستونيا في مجال التصويت الإلكتروني، وسويسرا من حيث التدرج والاختبار والتدقيق.

س: هل يمكن للمغرب مستقبلا تبني التجربة الفرنسية أو الإستونية؟

ج: لا ينبغي الحديث عن استنساخ تجربة أجنبية بصورة مباشرة.

فالنظام الانتخابي مرتبط بالدستور والقوانين والمؤسسات والبنية الإدارية والهوية الرقمية والثقافة الانتخابية لكل دولة.

لكن يمكن الاستفادة من المبادئ التي أثبتت أهميتها في هذه التجارب.

وبالنسبة إلى المغرب، قد يكون من المفيد مثلا دراسة نموذج يسمح لمغاربة العالم باختيار إحدى الوسائل القانونية للتصويت، مع الاحتفاظ بالتصويت التقليدي والوكالة، وإضافة التصويت الإلكتروني تدريجيا بعد استكمال الشروط القانونية والتقنية اللازمة.

كما يمكن التفكير في تجربة أولية محدودة قبل الانتقال إلى التعميم.

س: كيف يمكن ضمان نزاهة التصويت الإلكتروني إذا تم اعتماده؟

ج: أقترح أن تكون هناك مجموعة من الضمانات التشريعية، إلى جانب الضمانات التقنية.

أولا، يجب أن ينص القانون على مبدأ سرية التصويت الإلكتروني.

ثانيا، يجب الفصل تقنيا وقانونيا بين بيانات هوية الناخب ومضمون تصويته.

ثالثا، يجب إخضاع النظام لتدقيق أمني مستقل قبل كل استحقاق انتخابي.

رابعا، ينبغي تحديد مسؤوليات الجهة المشرفة على النظام والجهات التقنية المتدخلة.

خامسا، يجب أن تكون هناك آلية مستقلة للتدقيق في النتائج.

سادسا، ينبغي تحديد كيفية التعامل مع الأعطاب والانقطاعات والهجمات السيبرانية.

سابعا، يجب أن تكون هناك آلية قانونية للطعن في العملية الإلكترونية إذا ثبت أن خللا تقنيا أثر بصورة جوهرية في النتائج.

ثامنا، ينبغي تمكين الخبراء المستقلين، في الحدود التي لا تهدد أمن النظام المعلوماتي، من فحص البرمجيات والبنية التقنية.

وأخيرا، يمكن اعتماد نظام تدريجي يسمح بتقييم التجربة قبل الانتقال إلى تعميمها.

س: هل ينبغي في هذه الحالة إلغاء التصويت بالوكالة؟

ج: لا أعتقد أن المسألة ينبغي أن تطرح بهذه الثنائية.

يمكن أن تكون هناك منظومة متعددة الوسائل، فالوكالة قد تظل ضرورية بالنسبة إلى بعض المواطنين الذين لا يستطيعون استخدام التصويت الإلكتروني أو الوصول إلى وسيلة أخرى.

وفي المقابل، يمكن أن يكون التصويت الإلكتروني خيارا إضافيا للمواطن الذي يرغب في ممارسة حقه بنفسه من بلد إقامته.

وبالتالي، يمكن تصور ثلاثة مسارات على الأقل: التصويت الحضوري حيث يكون متاحا، والتصويت بالوكالة، والتصويت الإلكتروني.

والفكرة الأساسية هي أن تكون الوسيلة القانونية أداة لتيسير ممارسة الحق، لا سببا في الحد منه.

س: وماذا عن تمثيلية مغاربة العالم داخل البرلمان؟ هل تكفي معالجة طريقة التصويت؟

ج: هذه مسألة مختلفة ينبغي عدم خلطها بمسألة وسيلة التصويت.

فالفصل 17 من الدستور لا يقتصر على التصويت، وإنما يعترف أيضا بحق الترشيح، ويتحدث عن اللوائح والدوائر المحلية والجهوية والوطنية.

وهذا يفتح نقاشا تشريعيا مستقلا حول كيفية ضمان التمثيلية السياسية لمغاربة العالم.

ويمكن، من الناحية النظرية، مناقشة عدة نماذج: الإبقاء على النظام الحالي، أو إنشاء دوائر انتخابية خاصة بالمغاربة المقيمين بالخارج، أو تخصيص تمثيلية برلمانية معينة لهم، أو اعتماد صيغة أخرى.

لكن هذه كلها خيارات تشريعية وسياسية ينبغي مناقشتها بصورة مستقلة.

أما من الناحية القانونية، فلا ينبغي الخلط بين الاعتراف الدستوري بحق الترشيح وبين القول إن الدستور أنشأ بالفعل مقاعد برلمانية خاصة بمغاربة العالم.

س: إذا أردنا تلخيص الإصلاح المطلوب، ما هي أهم الخطوات القانونية؟

ج: سبق لي أن كنت عضوا في اللجنة التحضيرية لحزب الائتلاف من أجل الوطن الخاص بالمغاربة المقيمين بالخارج، وتدارست عن قرب آليات ممارسة الحقوق السياسية لهذه الفئة العريضة من المجتمع، رغم أننا قررنا، في إطار اللجنة التحضيرية، عدم الاستمرار في إجراءات تأسيس الحزب لأسباب خاصة.

ومن خلال مقاربتنا للموضوع وملامستنا للإشكالات القانونية والعملية المرتبطة به، يمكن تلخيص أهم الإصلاحات المطلوبة لتعزيز الضمانات الدستورية لممارسة هذا الحق في خمسة مستويات.

المستوى الأول هو مراجعة الإطار التشريعي بما يضمن وضوح شروط ممارسة الحق الانتخابي من الخارج.

المستوى الثاني هو تقييم نظام الوكالة، ليس من حيث مشروعيته فقط، وإنما أيضا من حيث مدى احترامه لمبادئ حرية الاختيار وسرية الاقتراع.

المستوى الثالث هو دراسة إمكانية اعتماد التصويت الإلكتروني ضمن إطار قانوني مستقل، وليس باعتباره مجرد خدمة إلكترونية.

المستوى الرابع هو وضع نظام للتدقيق الأمني والتقني والقضائي في العملية الإلكترونية.

والمستوى الخامس هو فتح نقاش أوسع حول التمثيلية السياسية لمغاربة العالم، بما في ذلك مسألة الدوائر الانتخابية والترشيح والتمثيل البرلماني.

س: وفي كلمة أخيرة، كيف تنظرون إلى مستقبل مشاركة مغاربة العالم في الانتخابات والاستحقاقات الوطنية المقبلة؟

ج: المسألة في جوهرها دستورية قبل أن تكون تقنية.

فالفصل 17 اعترف لمغاربة العالم بحقوق المواطنة كاملة، وألزم القانون بتحديد شروط وكيفيات الممارسة الفعلية لحق التصويت والترشيح انطلاقا من بلدان الإقامة.

والتصويت بالوكالة يمثل حاليا إحدى الآليات القانونية لهذه المشاركة، وقد جرى سنة 2026 تطويرها إداريا من خلال نظام الوكالة الإلكترونية E-Procuration.

لكن رقمنة الوكالة لا تعني التصويت الإلكتروني، كما أن التصويت الإلكتروني، إذا تم اعتماده مستقبلا، لن يكون مجرد منصة رقمية، بل نظاما انتخابيا يتعين أن تتوافر فيه ضمانات قانونية وتقنية دقيقة.

والتجارب الدولية تثبت أن الانتقال إلى الاقتراع الإلكتروني ممكن، لكنها تبين في الوقت نفسه أن تطوير هذا النوع من الأنظمة يرتبط بالتدرج، والتدقيق المستقل، والشفافية، والأمن، وقابلية التحقق، واحترام سرية الاقتراع.

ومن ثم، فإن النقاش التشريعي المغربي يمكن أن ينطلق من سؤال محدد: كيف يمكن توفير آلية تسمح للمغربي المقيم بالخارج بأن يمارس حقه الانتخابي بنفسه، بحرية وسرية وأمان، مع توفير ضمانات قانونية وتقنية قابلة للتدقيق والطعن؟

هذا هو الإطار الذي يمكن أن يحكم أي إصلاح مستقبلي لنظام مشاركة مغاربة العالم في الانتخابات والاستحقاقات الوطنية المقبلة.

تعليقات (0)
اضافة تعليق