بقلم: لحسن الجيت
كل الإنجازات والمكاسب التي حققها المغرب على مستوى توالي اعترافات الدول من مختلف بقاع العالم سواء بالوحدة الترابية للمملكة أو على مستوى إقرارها بالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، كلها تبقى ذات شأن كبير وذات تأثير في إعطاء زخم دولي لقضيتنا الوطنية من خلال تغيير قواعد هذا الصراع بالشكل الذي يعطي مصداقية ومشروعية للطرح المغربي على حساب تراجع الطروحات الانفصالية المناوئة والتي أقبرت وباتت جزءا من الماضي- وإن وضعنا تلك الإعترافات جميعها في كفة ولها ما لها من وزن، يبقى اعتراف جمهورية تيمور الشرقية بمغربية الصحراء موجعا وأكثر إيلاما للنظام الجزائري-
يحز في النفس ألا يشد هذا النوع من الاعتراف انتباه وسائل الإعلام الوطنية وألا تقف عند هذا الحدث البارز والعناية به بالنقاش والتحليل كذلك من قبل “بلاطوهات” القنوات الرسمية لتنوير الرأي العام بمعاني ومقاصد وتداعيات هذا الاعتراف الذي زلزل الأرض من تحت أقدام رجالات النظام العسكري الجزائري- كيف يمكن ملامسةذلك؟
في كل التفاعلات التي صاحبت هذا الصراعالمفتعل والذي استهدف المغرب في وحدته الترابية، كان النظام الجزائري يتحين الفرص لتعزيز أطروحته- وقد وجد في استقلال تيمور الشرقية ما يعول عليه لإقناع العالم بالاهتداء إلى نموذج تيمور الشرقية بعد أن أفضي حل إشكالية هذا الإقليم عبر استفتاء حيث انتهى بتقسيم الجزيرة فأنشأت على جزئها الشرقي دويلة مستقلة وبقي جزئها الغربي إقليما تابعا للسيادة الأندونيسية- ولم تتوقف طاحونة الدبلوماسية الجزائرية عبر عقود خلت عن تطبيل لهذا النموذج –
وبالفعل في عام 2002 حينما انفصلت تيمور الشرقية عن أندونيسيا ، اعتبر النظام الجزائري أن ما تحقق على هذا المستوى لابد من الاعتداد به كنموذج يجب أن يطبق في أقاليم أخرى من العالم- ولطالما ردد النظام الجزائري بأن هذا الحل هو الذي يجب أن يسري حسب تعبيره على إقليم الصحراء الغربية- بل أكثر من ذلك ذهب ذلك النظام في اتجاه التنسيق المشترك مع تيمور الشرقية في المحافل الدولية وخاصة داخل أروقة الأمم المتحدة بالترويج والتضليل على أن ما آلت إليه قضية تيمور يقدم حلا ناجحا لمبدإ تقرير المصير عبر الاستفتاء الشعبي-
وعمد النظام الجزائري كذلك استغلال هذه القضية عبر الاشتغال على آليات أممية مثل اللجنة الخاصة المعنية بتصفية الاستعمار وذلك بنية تحريك تلك الاليات الأممية للتشويش على المغرب لعله قد يفضي إلى الحيلولة دون استكمال المغرب لوحدته الترابية–
وفي مراحل معينة حاول النظام الجزائري أن يستعين بقنطرة ما سماه في حينه بالربط الاستراتيجي ما بين القضايا العادلة من خلال الاستئناس “بالمسار التاريخي“ لاستقلال تيمور الشرقية كمرجعية وكقاسم مشترك للدفاع عن قضايا أخرى يعتبرها النظام الجزائري قضايا تدخل في إطار ما يسمى بتصفية الاستعمار-
وبالرغم من اتفاقية التنسيق الدبلوماسي بين الجزائر وتيمور الشرقية على مستوى الاشتغال على آليات الأمم المتحدة والموقعة بين الطرفين في ماليزيا بتاريخ 10 يونيو 2025، وجد النظام الجزائري نفسه قد ابتلي بصاعقة حارقة أفحمته بالكامل في الدورة الحالية للجمعية للأمم المتحدة التي ألقى فيها مندوبها كلمة تيمور الشرقية والتي عبرت رسميا عن ترحيبها بالمبادرة المغربية للحكم الذاتي وبقرار مجلس الامن الأخير كإطار أساسي للحوار والحل السلمي-
وبالفعل تضمن هذا الخطاب تحولا لافتا وصادما للنظام الجزائري في موقف تيمور الشرقية بالنظر إلى الخلفية السياسية لهذا البلد الذي عرف عنه لسنوات تبنيه مواقف داعمة للأطروحة الجزائرية الداعية إلى الانفصال ومساندة البوليساريو-
لاشك أن من تداعيات هذا التحول في موقف تيمور الشرقية فيها ما قد أصاب النظام الجزائري بالجنون والسعار لأنه صدر عن قلعة كان يقول عنها ذلك النظام بأنها النموذج الأمثل لتصفية ما تبقى في نظره من حالات يقول عنها بأنها ما زالت مستعمرة- كما يطرح هذا التحول سؤالا جوهريا بخصوص مصير العلاقات الثنائية بين الجزائر وتيمور الشرقية، وكذلك بخصوص اتفاقية التنسيق الدبلوماسي التي وأدتها تيمور الشرقية في المهد قبل أن يمضي عليها عام واحد-
عود على بدء- يبقى من العيب والعار أن نغفل حدثا من هذا النوع وبهذا الثقل ، وألا نوفيه حقه سواء فيما يتعلق بإعطائه الزخم الإعلامي الذي يستحقه أو قيما يتعلق باستثمار هذا التحول بنشاط دبلوماسي في اتجاه تيمور الشرقية-