في القطار… موقف شجاع بحجم الانسانية

بقلم: حفيظ حاجي

في القطار المتجه من البيضاء نحو مراكش، وتحديدًا بمحطة المحمدية، وقع مشهد بسيط في ظاهره، لكنه عميق الدلالة في معناه الإنساني.

ضبط مراقب القطار شابين صعدا دون تذكرة. وبدا من هيئتهما وملامحهما أنهما ليسا من مثيري الشغب، بل شابان في مقتبل العمر، وربما دفعتهما ظروفهما إلى ركوب القطار دون أن يملكا ثمن التذكرة. أرادا النزول في المحمدية، غير أن المراقب أصر على تسوية الوضع وأخبرهما بأن عليهما أداء ثمن التذكرتين، وإلا فستُتخذ في حقهما الإجراءات المعمول بها.

كان بإمكان كل واحد منا أن يكتفي بالمشاهدة، أو أن يعتبر الأمر شأنًا لا يعنيه. لكن أحد الركاب، كان يجلس معنا في المقصورة، اختار أن يتدخل بطريقة مختلفة تمامًا.

سأل المراقب عن قيمة التذكرتين، فأجابه: مائة درهم، خمسون درهمًا لكل واحد. فأخرج الرجل المبلغ وأداه نيابة عن الشابين، فتسلما تذكرتيهما وانصرفا.

انتهى الموقف في دقائق، لكن معناه بقي عالقًا في نفوس من عاينه.

الأجمل أن هذا الرجل لم يفعل ذلك طلبًا للثناء أو التصفيق، وإنما بدافع إنساني خالص. ومن خلال حديثه، بدا أنه عاش سنوات في الديار الأوروبية، ولذلك كان يقارن بين ما رآه في القطار وبين بعض المواقف التي خبرها هناك، مؤكدًا أن مثل هذه الحالات تُعالج غالبًا بروح أكثر هدوءًا وإنسانية، وبطرق تحفظ للإنسان كرامته.

وهنا لا يتعلق الأمر بمقارنة المغرب بأوروبا، ولا بالدفاع عن ركوب القطار دون تذكرة؛ فالقانون ينبغي أن يُحترم، وحقوق المرفق العمومي يجب أن تُصان. لكن تطبيق القانون لا ينبغي أن يلغي الرحمة، واحترام النظام لا يتعارض مع حفظ كرامة الإنسان.

مائة درهم فقط كانت كافية لتكشف لنا شيئًا أكبر من قيمة المال: كشفت أن بين الركاب من لا يزال يرى في المحتاج إنسانًا قبل أن يراه مخالفًا، وفي الخطأ ظرفًا يستحق الفهم قبل أن يكون مناسبة للعقاب.

ولعل أبلغ ما قاله الرجل، وهو يستعيد المشهد بنبرة يملؤها التأثر: «المشكلة ليست في مائة درهم… المشكلة أن الإنسان قد يجد نفسه يومًا في موقف لا يملك فيه حتى ثمن تذكرة، وحينها لا يحتاج إلى من يهينه، بل إلى من يمد إليه يدًا تحفظ له كرامته.»

في زمن أصبحت فيه القسوة أسرع من التعاطف، كان ذلك الرجل قد دفع ثمن تذكرتين، لكنه في الحقيقة دفع ثمنًا أكبر: أعاد للرحمة مقعدها في قطار الحياة.

تعليقات (0)
اضافة تعليق