مسلسل أجنبي…السيناريو كُتب خارج الحدود لكن النهاية كتبها وعي المجتمع

بقلم: هشام بلحسين

في الحلقة الأولى من هذا المسلسل، ظهرت خالتي زوليخة فوق سطح منزلها رافعة الراية السوداء، والكلام العاطفي يسبق الوقائع. حاولت أن تقدم ابنها في صورة الضحية المطلقة، وأن تضع المشاهد منذ اللحظة الأولى أمام رواية جاهزة لا تقبل النقاش: أم مكلومة وابن مظلوم.
لكن ما لم يكن في حسبان صناع هذا العمل هو أن المجتمع لم يعد يكتفي بالاستماع إلى الخطابات العاطفية ولا يتأثر بسهولة بالمشاهد المعدة سلفاً. فقلة قليلة فقط انساقت وراء الرواية و هي معروفة بينما اختار أغلب المتابعين العودة إلى أصل القضية والبحث في مضمونها الحقيقي.
وهنا بدأت المشكلة بالنسبة إلى أصحاب السيناريو.
بالنسبة لكثيرين، لم تكن القضية مرتبطة بمطالب اجتماعية، بل بخطابات ومواقف وتصريحات موثقة بالصوت والصورة، اعتبرها عدد كبير من المتابعين تجاوزاً للثوابت ودعوات لا تخدم الاستقرار بقدر ما تخدم التوتر والانقسام والفوضى
أما من الناحية الفنية، فقد بدا وكأن المنتج أنفق ميزانية ضخمة تقدر بالملايير من أجل تسويق قصة لم تنجح في إقناع الجمهور. كما رأى متابعون أن المخرج، رغم خبرته الطويلة في إخراج مثل هذه الأعمال الخبيثة لم يوفق هذه المرة في إخفاء خيوط السيناريو، خصوصاً وأن كثيرين اعتبروا أن فصوله تمت صياغتها في صالونات خارج الحدود، معروفة بعدائها للمغرب وخبرتها في إنتاج الروايات الجاهزة الكاذبة
لقد اعتاد الناس التعاطف مع المظلوم الحقيقي، لكنهم لا يمنحون التعاطف نفسه لمن يرون أنه ساهم بنفسه في صناعة الأزمة أو تغذيتها. ولذلك لم يستغرق النقاش طويلاً في تحليل المشاهد العاطفية، بل انتقل بسرعة إلى مناقشة الوقائع والخلفيات والمواقف الموثقة.
ومع تطور الأحداث، اتضح أن الرأي العام أصبح أكثر وعياً من أن تنطلي عليه المؤثرات العاطفية وحدها. فزمن الاكتفاء بالشعارات والخطابات الوجدانية قد ولى، وحل محله زمن التوثيق والتدقيق وطرح الأسئلة الصعبة.
ويبقى الفرق واضحاً بين المطالبة بالإصلاح والتنمية والعدالة الاجتماعية، وهي مطالب مشروعة يتفق حولها الجميع، وبين خطابات قد تُفهم على أنها محاولة لصناعة الاحتقان والتأزيم بدعم وتمويل من جهات خارجية معروفة فالمواطن البسيط يبحث عن الأمن والاستقرار وفرص العيش الكريم أكثر مما يبحث عن الأضواء والبطولات الإعلامية المثيرة للجدل.
وفي النهاية، يبدو أن الرهان على الكلام العاطفي كان كبيراً، لكن الرهان على وعي المجتمع كان أكبر. لذلك تعثر السيناريو منذ حلقته الأولى، واصطدم بواقع مختلف عما توقعه أصحابه. فالجمهور لم يعد ذلك المتلقي الذي يكتفي بالروايات الجاهزة، بل أصبح يبحث عن الحقائق قبل أن يمنح ثقته لأي قصة مهما كانت مؤثرة.
وهكذا انتهى المسلسل قبل أن تتوالى حلقاته، ليس بسبب نقص في الضجيج الإعلامي، بل لأن الوقائع كانت أقوى من الخطاب العاطفي، ولأن وعي المجتمع كان أقوى من كل محاولات توجيه الرأي العام عبر المشاهد المؤثرة والرسائل الجاهزة التي بات الجميع يعرف مصدرها وأهدافها.

تعليقات (0)
اضافة تعليق