الساعة التي لا تغفر

بقلم: أمينة الخربوع

كانت الساعة النحاسية العتيقة المعلقة على جدار غرفته، تشير بثبات مريب إلى الثالثة بعد منتصف الليل، توقفت منذ سنوات، ومع ذلك، لم تتوقف داخله، كان يراها دوما في حركة ويشعر بعقاربها التي تزحف في صدره وتنبض بعنف كأن الزمن لم يمت بل استوطنه، عاش وحيدا في شقته الضيقة بعد عمر أضاعه في وظيفة حكومية لم تمنحه سوى تعب بارد وأرصفة مبللة بالفراغ. لم يكنيدري كيف انتهى به الحال إلى اقتناء تلك الساعة تحديدا، لكنه كان يشعر أنها الشيء الوحيد الذي بقيلهأو بقي منه.

توقف عن الشعور والإحساس منذ وفاة والدته، وكأن ماكان يربطه بالحياة كان بين يديها واختفى برحيلها عن العالم، لم يعد يشعر كما كان، ولم تعد الأشياء ترى كما ترى، صار عقله ساحة لصور متكسرة، وهلوسات تتناسل من توتر لا يهدأ. حاول مرارا أن يصلح الساعة، كأنه بذلكيصلح ما انكسر داخل أعماق قلبه. مرة أنزلها من عرشهاوفك براغيها الصغيرة وأمعن النظر في تروسها المعدنيةالصدئة، ونفخ فيها كأن الحياة يمكن أن تعود بنفس، لكنالعقارب أبت التحرك كأنها ترفض الزمن. شعر في تلكالليلة بشيء غريب ومختلف عندما توقف وحدق فيأرقامها الرومانية، ثم مد يده ولمس زجاجها البارد، فهمسصوت خافت كأنه صادر منها:

كل ما تهرب منه سيعود إليك، إنها مسألة وقت فقطتيك تاكتيك تاك“.

تراجع إلى الخلف كالمصعوق، وارتجف جسده النحيل، وتسارع نبضه، وبردت أطرافه، كأن شيئا ما انشق داخلهفجأة، ورأى وجه أمه تبتسم وتسقط، فشهق ثم سقطأرضا مغشيا عليه.

استيقظ بعد مدة قصيرة من الإغماء وهو يلهث ويبتلعريقه بصعوبة، مرر يده على فروة شعره الأشعث وعيناهمعلقتان بالساعة. ظل ينظر إليها طويلا، ثم هز رأسهببطء كمن يحاول إقناع نفسه:

لا تخف أنت بخير، الطبيب يكذب عليك، ألم تقل لك أمكإنك بخير؟ إذن أنت بخير لا مرض، لا عقدة، ولا شيء“.

نهض فجأة واتجه نحو المطبخ وفتح أحد الأدراج، وراحيفتش بعصبية حتى عثر على سكين متوسط الحجمملفوف في قطعة قماش ملطخة بدم قديم. تردد قليلا ثمأزاح القطعة، كان اللون قد تحول إلى بني داكن. قربهإلى أنفه واستنشق رائحته، ثم أغمض عينيه وعاد إليه كلشيء، ذلك الليل، تلك المرأة، وذلك الصمت الذي تلاالطعنة، تذكر كيف غادر بيتها وكيف بدل معالم الجريمة، وألقى التهمة على زوجها، كان كل شيء مرتبا ونظيفا إلاداخله.

عاد إلى غرفته وفتح درجا آخر وأخرج منه ثوبا أحمر منالساتان مشغول بالدانتيل، ووضعه بعناية على السرير ثمجثا أمامه على ركبتيه، وراح يحدثه بصوت مكسور:

لماذا لم تحبيني…؟”

ثم تكور على نفسه كطفل ضائع وبكى بكاء مريرا قبل أنينفجر صراخه:

خائنةخائنة

نهض من الأرض غاضبا ومزق الثوب إلى قطع صغيرة، ثم عاد إلى الساعة، ووقف أمامها ووجهه مشوه بالدموع، فعاد الصوت واضحا وقويا وعميقا:

أنت مجرم، لم تكن تحبها، تيك تاكتيك تاك، الحب أنتسعد لسعادتها لا أن تقتلها، تيك تاك…. تيك تاك

صرخ:

اصمتي

انتزع الساعة من مكانها ثم ألقاها أرضا، وأخذ يدعسهابقدمه بجنون

من أنت؟ ماذا تريدين مني؟ أنت مجرد رمزمجردوهم

لكن الصوت لم يتوقف:

تيك تاكصوت الحقيقة لا يصمت، ستتوقف حياتكمثلما توقفت عقاربي، لن تمطر السماء، ولن ينضج القمح، ولن تحصد غير الخيبة

ظل يدعسها إلى أن انفجرت قدمه دما، وتلطخت الساعةوالأرضية، وصرخ بصوت متحشرج:

أريد أن أرتاح، لا أريد زمنا، ولا مطرا ولا قمحا، ولاحياة، أريد أن أهدأ وتنضج حريتي وأن أطمئن وأحصدكل خيباتي وأحزاني وأبيعها بثمن بخس وأستبدلهابالأمان“.

سقط متعبا والدماء تحيط به، والصمت يثقل الغرفة، فعادوجه أمه المبتسم إليه ثانية. كلما زحف مبتعدا عنه اقتربمنه أكثر. ظل يزحف مبتعدا وهو يبكي:

لم أكن أنوي قتلكأقسم لككانت مجرد لحظةمجرد حادثة

لم تتوقف اقتربت أكثر، ابتسمت وهي تنظر إلى عينيهفشعر بأنفاسها تكبله، ارتجف جسده كله فأغمض عينيهبقوة لكن صورتها لم تختف، كانت داخله، في رأسه، فيأنفاسه المضطربة، أمسك رأسه بكلتا يديه وصرخ مبتعدا، فارتطم رأسه بالأرض. رفع يديه ببطء ووضعهما حول عنقهوضغط بقوة، كانت يداه ترجفان من شدة الخوف لكنه لميتوقف. احمر وجهه واختنق صوته، ثم تبخر وجه أمه، وتلاشى كل شيء، إلا ضحكة قديمة، ضحكته لما كانطفلا صغيرا بريئا. تناهى إلى أذنيه صوت أمه دافئاوبعيدا:

لا يتوقف الزمن يا حبيبي إلا عندما نتوقف عن رؤيةالمعنى في حياتنا، تذكر دائما أن الحرية الحقيقيةوالوحيدة هي أن تعيش لحظة واحدة سعيدة لا تخضعلعقارب الساعة“.

ارتخت يداه وسقطت بلا حراك وعادت الساعة إلىالصمت.

تعليقات (0)
اضافة تعليق