من «الآلة العابدة» إلى «تصويف الآلة».. أطروحة جديدة لأنس اليملاحي في تونس

احتضنت العاصمة التونسية يومي 20 و21 أكتوبر 2026 الندوة الدولية «التصوف المغاربي: إنسية الحضور وأنثروبولوجيا المصالحة»، في دورتها الثانية ضمن مشروع بحثي مشترك يمتد من 2026 إلى 2028، ينظمه المعهد الوطني للتراث بتونس، ومختبر البحث في علوم اللغة والفن والأدب والتربية والثقافة (SCALEC) بالمغرب، وودادية أعوان وموظفي المعهد الوطني للتراث، وجمعية منوبة للمعالم والثقافة، والجمعية المتوسطية للبيداغوجيا والمواطنة، بمشاركة باحثين من المغرب وتونس وفرنسا تناولوا التصوف المغاربي من زوايا الفلسفة والتاريخ والأنثروبولوجيا والأدب والفنون.

وفي الجلسة الأولى، التي أدارها الأستاذ حسن فتحي من جامعة مولاي إسماعيل بمكناس، قدم الدكتور أنس اليملاحي، أستاذ التاريخ المعاصر بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، جامعة عبد المالك السعدي، مداخلة بعنوان «توظيف الآلات الموسيقية في بناء الحضور والخشوع في التجربة الصوفية المغربية: الزاوية الحراقية بتطوان نموذجا»، اقترح فيها قراءة تأويلية لعلاقة الآلة الموسيقية بالتجربة الروحية، تقوم على مقولتين مركزيتين: «الآلة العابدة» و«تصويف الآلة».

ووضع الباحث موضوعه في سياقه المغربي، مذكرا بأن التصوف أحد ثوابت النموذج الديني المغربي تحت سقف إمارة المؤمنين، وبأن الدولة المغربية رعت فنون المديح والسماع عبر العصور: من المرينيين الذين جعلوا ليلة المولد عيدا رسميا، إلى السعديين الذين بلغ الاحتفال في عهدهم ذروته، وصولا إلى الدولة العلوية الشريفة التي ما يزال فيها أمير المؤمنين يرأس احتفال المولد النبوي بحضور المسمعين من مختلف حواضر المملكة. واستحضر دستور 2011، الذي أقر بهوية مغربية «غنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية» يتبوأ فيها الدين الإسلامي الصدارة في ظل قيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، وجعل في فصله الحادي والأربعين الملك أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، كما استحضر الرؤية الملكية السامية الداعية إلى تفعيل دور التصوف في إشاعة الأمن الروحي و«استرجاع التوازن بين المادة والروح». ومن هذا التوجيه السامي جعل مفتاح مداخلته: أن تجربة الزاوية الحراقية سعي إلى جعل المادة، خشبا ووترا وجلدا، حاملة للروح لا حجابا عنها.

وأسس الباحث مقولة «الآلة العابدة» على المعنى القرآني لتسبيح الأشياء: «وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم»، وعلى مشهد داود عليه السلام وقد سخرت معه الجبال «يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له أواب»، فقرأه بوصفه «جوقة كونية يتقدمها صوت الإنسان وتجيبه أصوات الأشياء»، مستأنسا بما ورد في السنة من تسبيح الطعام وحنين الجذع. ثم انتقل إلى التأويل الصوفي، مستحضرا قول إسماعيل الأنقروي بدخول آلات السماع في عموم «الشيء» المسبح، وتأويل الشيخ محمد بن أبي بكر الدلائي، فيما نقله الحسن اليوسي، لأصوات الآلات بأنها تحمل «أسرارا ومعاني»، ونشيد الناي عند جلال الدين الرومي، وصلة أوتار العود بالطبائع الأربع عند الكندي وإخوان الصفا. وتوقف عند ما قرره محمد بن العربي الدلائي، تلميذ الشيخ الحراق، في مقدمة «فتح الأنوار»، من أن الأرواح سمعت خطاب «ألست بربكم» في عالم الذر، فكلما سمعت صوتا حسنا تذكرت ذلك الخطاب فحصل لها الوجد؛ فالنغم «تذكير بأصل»، والآلة «أداة تذكر بالمعنى الحرفي لكلمة الذكر».

وصاغ الباحث هذه المقولة في ثلاثة مستويات متدرجة: التسبيح التكويني، إذ الآلة مصنوعة من شجر وحيوان كانا يسبحان، فبقي تسبيح مادتها كامنا صامتا؛ والتسبيح المسموع، إذ العازف في مجلس الذكر لا يستعمل مادة صماء بل يطلق ذلك التسبيح الكامن؛ ثم تأدب الآلة وخشوعها، إذ تخضع لآداب الجماعة كما يخضع المريد لآداب الطريق، فتخفض صوتها، ولا تتقدم بين يدي الكلمة، وتصمت عند الذروة. وأكد أنها قراءة تأويلية إشارية تكشف المنطق الداخلي للممارسة، وتفسر لماذا عاش أهل الزاوية الآلة شريكا في الذكر لا دخيلا عليه.
أما «تصويف الآلة» فبسطه الباحث من خلال تاريخ الزاوية الحراقية نفسها. فمؤسسها الشيخ محمد بن محمد الحراق العلمي (1186-1261هـ)، المولود بشفشاون والدارس بالقرويين، تولى الخطابة والتدريس بالجامع الأعظم بتطوان قبل أن يأخذ الطريق عن مولاي العربي الدرقاوي سنة 1228هـ، والذي أسس طريقته على «الشكر» لا على «التجريد»، وكان يقول: «دخلت من باب الفضل فلا أدل إلا عليه».

وعرض الباحث ثلاث روايات حول إدخال الآلات إلى الزاوية: رواية التهامي الوزاني في كتاب «الزاوية»، التي تنسب ذلك إلى المؤسس حين عارض برولة «الصبح كشريف» الغزلية ببرولته الصوفية «صاف الحبيب تظفر ببديع انوارو» ثم أمر بإحضار آلات الطرب؛ ورواية عائلية شفوية تنسبه إلى الشيخ إدريس الحراق إثر رؤيا رأى فيها الشيخ عبد السلام بن ريسون؛ وشهادة الفقيه أحمد الرهوني في «عمدة الراوين» بأن الفقراء «صاروا الآن يخرجونها بنغمات الأوتار وصراصير الطار». وقرأ في حكاية «صاف الحبيب» دلالة بليغة: فالآلات التي كانت تعزف الغزل صارت تعزف المحبة الإلهية، منتقلة مع النص من مقام إلى مقام. وانتهى إلى تحقيب من ثلاث لحظات: التأسيس مع الشيخ المؤسس، والمأسسة مع الشيخ إدريس الحراق (1869-1934)، والإشعاع مع ابنه الشيخ عرفة الحراق.
ورصد الباحث ست آليات لهذا التصويف: المعارضة الصوفية التي تنقل الآلة مع اللحن من اللهو إلى الذكر؛ وإدماج أهل الصنعة، كالعلامة محمد بن الآبار الذي كان يلقن الفقراء أصول الموسيقى الأندلسية؛ واقتناء الآلات؛ وورشة الصيانة التي أشرف عليها الفقيه محمد الحبيب صانع العيدان والأوتار؛ واستقطاب المواهب الشابة؛ والإدراج في التقويم الشعائري للزاوية، من الهمزية ليلة الخميس إلى البردة ضحى الجمعة وليلتي المولد وعاشوراء. وتوقف عند ما بعد فرض الحماية سنة 1912، حين عم الحزن أهل تطوان فباعوا آلات طربهم، فكان الشيخ إدريس يشتريها بأثمان مرتفعة «حتى جمع أفضل الربائب والكمانات»، وهو ما عده «تحويلا لوجهة الآلة» من مجالس الأنس المنقطعة إلى مجالس الذكر الدائمة، ومقاومة ثقافية ناعمة حفظت لتطوان ذاكرتها الصوتية في زمن الاستعمار.

وخلص الباحث إلى ثلاث نتائج: أن الآلة في المجلس الصوفي المغربي تفهم في أفق «الآلة العابدة»؛ وأن الحراقية أنجزت «تصويفا للآلة» عبر لحظات التأسيس والمأسسة والإشعاع وفق آداب دقيقة؛ وأن هذه التجربة شاهد تاريخي على ما يدعو إليه النموذج الديني المغربي، في ظل إمارة المؤمنين، من تصوف يسترجع التوازن بين المادة والروح ويرسخ قيم الوسطية والتعايش. وأوصى بإنجاز توثيق إثنوموسيقي ميداني لمجالس الزاوية، ونشر تحقيق كتاب «النور اللامع البراق في ترجمة الشيخ الحراق» لمحمد بن العربي الدلائي، وجرد الآلات التاريخية المحفوظة بها، ومقارنة تجارب الزوايا الوترية بالشمال المغربي، من الريسونية بتطوان إلى الشقورية بشفشاون والصديقية بطنجة.

واختتم الباحث عرضه بقوله: «كما أشرك داود عليه السلام الجبال والطير في تسبيحه، أشركت الزاوية الحراقية بتطوان الآلة في ذكرها، فجعلت من الجمال طريقا إلى الحضور، ومن الحضور طريقا إلى المصالحة». وأعقب الجلسة نقاش علمي، قبل أن تختتم الندوة أشغالها بتقديم خلاصاتها العامة، في أفق دورات قادمة ضمن المشروع البحثي المشترك بين المؤسسات التونسية والمغربية المنظمة.

تعليقات (0)
اضافة تعليق