بقلم: جلال مودن
خرج علينا الشيخ الحدوشي بفيديو ينعت فيه اللغات الأجنبية بالسوقية و-الزنقاوية-و هو قول فيه تجن ،ودليل على عدم اطلاع ومعرفة بما فيها من رونق وجمال وإبداع.
لا ينبغي أن تدفعنا معاركتنا وايماننا بلغتنا العربية وضرورة أن تكون لغة العلم والمعرفة والنهضة إلى أقوال من هذا القبيل قد تضحك علينا المخالف .الإيمان بعدالة القضية لابد أن يكون باتزان وإذا ما فقد الاتزان فقدت البوصلة وجنينا على القضية برمتها ولهذا أهمس في أذني الشيخ بما يلي :
1- نعت اللغات بالسوقية ازدراء لها وبمن يتلفظ بها وتجنب الألفاظ السوقية والزنقوية المغربية أولى ولن أزيد.
2- اللغة الفرنسية و رغم موقفي المبدأي من جعلها لغة التعليم في المواد العلمية هي لغة من بين اللغات المنبثقة عن اللغة اللاتينية الأم شأنها شأن اللغات الغربية الأخرى .و هي لغة الادب و الرومانسية والحب -كما يحلو لبعض النقاد أن ينعتها -و هي لغة روائع فيكتور هيكو و فرونسوا ماري الشهير بفولتير و غيرهم كثير من الادباء و الفلاسفة كديكارت وأوغست كونت وجون جاك روسو….فهي لغة حية وليست ميتة ولا أدل على ذلك من روعة الأشعار والرويات والكتب الأدبية و الفلسفية التي كتبت بها.
ولا يمكن أن يتذوق ذلك بله أن يحكم عليها إلا من قرأها وتعلمها وأما من لم يقرأ لغة أعجمية قط -غير الريفية – ولم يسبر أسرارها ويقف مع أدبها و شعرها …فلا يمكن له البتة أن يكون حكما ،فالحكم على الشيء فرع عن تصوره.لست أعيب عدم معرفة اللغات الأجنبية وإنما أعيب الهجوم الفج عليها و اعتبارها لغات سوقية -زنقوية -في تجاوز تام لمئات أو آلاف الروائع و الاشعار وللكتب الادبية.
3- لا ينبغي أن نقزم اللغات الأخرى إلا بإقامة الدليل والمقارنات مع الاعتراف بما فيها من فضائل وبيان ما فيها من نقائص،أما مجرد إطلاق الكلام فليس من العلم في شيء ولا يسهم في البناء والتأسيس بل يخرب العقول وينتج نماذج لا قبل لهم على خوض غمار العلم والمعرفة. مع ما يمكن أن يتضمنه التنقيص من عنصرية مقيتة وايغار لقلوب المسلمين الاجانب، وتبخيس لجهود آلاف العلماء الأعاجم الذين خدموا العلوم الشرعية وعلى رأسها اللغة العربية، فمعظم من خدم اللغة العربية وألفو وصنفوا فيها كانوا عجم.
4- ينبغي أن لا ننس أن اللغات الأجنبية و خصوصا الانجلزية باتت لغة العلم و المعرفة اليوم و لا يمكن تجاوزها و تسفيهها بكل سهولة بل ينبغي التسلح بها و استخدام أدواتها لتحصيل المعرفة الدقيقة ،و لعل الشيخ يعلم أو لا يعلم أن جل البحوث العلمية -إن لم يكن الكل – يلزم أصحابها بترجمتها إلى الانجليزية و أن لغة التيكنولوجيا هي اللغة الانجليزية أيا كان بلد التصنيع و الإنتاج و لو في الهند أو الصين أو كوريا ……
5-ادعاء أن الغرب يكتب تاريخه باللغة العربية ادعاء تحتاج فيه إلى دليل و برهان فالبينة على المدعي ،و إن كنت أعلم أنك في هذا الامر قلدت د المقرئ أبو زيد ،فالذي أعلم عنك أن تذم التقليد في الفقه و الفتوى فكيف بك تجيزه هنا بغير بينة ،صحيح أن الدكتور نقله عن أحد المسؤولين كذلك،و رفض ذكر اسمه لحساسيته، لكنه في جميع الأحوال مطالب بإثباته بالبرهان،لأن مجرد حكاية المسؤول عن ذلك لا يثبت بها شيء حتى يدعم بالوثائق و الحقائق .وأولسنا أمة الدليل ،فأن كنت ناقلا فالصحة و إن كنت مدعيا فالدليل .
و شخصيا أنا أستبعد ذلك لأنه لو كان شيء أدعى إلى الدقة في الترجمة-المزعومة في اللغة العربية-لكانت البحوث العلمية في التخصصات الدقيقة كالطب و الكمياء ….أولى.
6- القول أن اللغة العربية لغة الأرشيف الغربي قول يطعن فيها و و يبخس قيمتها و مكانتها لأنه بكل بساطة يعني أن اللغة العربية لغة جامدة لا تتطور و لا تتأقلم مع المتغيرات و التطورات ،و بعبارة الشيخ “تبقى كما هي”و هذا تجن و اعتداء على اللغة العربية فذمها من حيث أراد أن يمدحها،بحيث وصمها بالجمود من حيث لا يدري ،و وصف اللغات الغربية بالحيوية و النمو المستمر الذي يفقد الكلمات و المفردات دلالاتها مع الزمن بفعل المواكبة و التحول ،و هذا يعني ان اللغة العربية لا يصلح أن تكون لغة علم لعدم قدرتها على المواكبة و التجدد، و إنما تقتصر مهمتها على الأرشيف و التأريخ. صحيح أن الشيخ لا يقصد هذا لكنها المحصلة الكبرى لادعاء لا خطام له و لا زمام،و لا دليل عليه و لا برهان ،و تناقل للأخبار و الأقوال دون تمحيص لما قد تستبطنه من أفكار و تستتبعه من تخاذل و تكاسل عن اللحاق بركاب العلم بدعوى أن اللغات الغربية -سوقية.-
و في الختام أجدد تذكيري أني ضد المشروع الاطار لفرنسة التعليم ،و هذا لا يعني إنكاري لأهمية اللغات في تملك أدوات المعرفة و بناء الأجياال و إنما إيماني بإمكان نهوض البلدان بلغاتها الوطنية كما هو الشأن بالنسبة للصين و تركيا …..كل الذي ينقصنا هو وجود مشروع حقيقي للنهضة و ارادة قوية لتحقيقه.