بقلم: حفيظ حاجي
كان لي بالغ الشرف أن أتلقى هذا الإصدار النقدي القيّم هديةً كريمة من صاحبته الكاتبة والروائية والباحثة الدكتورة أسماء المعلومي، مذيّلاً بإهداء وتوقيع بخط يدها، وهي التفاتة ثقافية وإنسانية نبيلة منحت فعل القراءة بعداً وجدانياً خاصاً، وجعلت من هذا الكتاب أكثر من مجرد دراسة نقدية، بل حواراً مفتوحاً بين الفكر والإبداع، وبين التجربة الإنسانية وأسئلتها المتجددة.
ولعل هذا الإهداء لم يكن سوى امتداد لمسار ثقافي راكمته الدكتورة أسماء المعلومي عبر تجربتها السردية والنقدية، وهي التجربة التي حظيت باهتمام عدد من النقاد والكتاب، لما تتسم به من عمق فكري ورؤية جمالية متجددة، جعلتها تحتل مكانة متميزة داخل المشهد الثقافي المغربي والعربي.
ليس من السهل الاقتراب من كتاب يحمل عنواناً مكثفاً مثل «المرأة والرواية» دون استحضار العلاقة الشائكة بين المرأة والكتابة، وبين السرد والهوية، وبين الذاكرة والجسد والحرية. فالعنوان ذاته لا يقدم موضوعاً جاهزاً، بقدر ما يفتح أفقاً واسعاً للأسئلة حول موقع المرأة داخل المتخيل الروائي العربي، وكيف تحولت الرواية إلى فضاء لاستعادة الصوت الأنثوي بعد عقود طويلة من الصمت والتهميش.
ومنذ الصفحات الأولى، يبدو واضحاً أن الدكتورة أسماء المعلومي لا تكتب من داخل النقد الجامعي التقليدي، بل من داخل رؤية ثقافية حداثية تجعل من الرواية مختبراً لتحولات المجتمع والوعي والهوية. لذلك، فإن الكتاب لا يكتفي برصد صورة المرأة داخل النصوص الروائية، بل يسعى إلى تفكيك البنيات الثقافية التي أنتجت تلك الصورة، وإلى مساءلة الخطابات التي جعلت المرأة موضوعاً للسرد بدل أن تكون ذاتاً منتجة له.
وتكمن أهمية هذا العمل في انتقاله من سؤال «كيف تُصوَّر المرأة داخل الرواية؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: «كيف تعيد المرأة عبر الرواية بناء علاقتها بالعالم والسلطة والذاكرة والجسد والحرية؟» وهو تحول نقدي يعكس وعياً معرفياً متقدماً، ويؤكد أن الكتابة النسائية لم تعد مجرد بوح ذاتي، بل أصبحت مشروعاً ثقافياً يعيد صياغة الإنسان والعالم من زاوية مختلفة.
ويزداد هذا العمل قيمة حين نقرأ الشهادات التي كُتبت في حق تجربة الدكتورة أسماء المعلومي، والتي تكشف حجم التقدير الذي تحظى به داخل الوسط الثقافي.
فالناقد حسن بيريش يرى أن شغف أسماء المعلومي بالكتابة هو شغف بالبحث عن المجهول، وأن حضورها في المشهد الأدبي المغربي يجمع بين الهدوء والتأثير العميق، ويعكس قدرة متميزة على الانتصار للإنسان وقيم الجمال، معتبراً أنها مبدعة ضامنة لتفرد خطابها الإبداعي.
كما تؤكد القراءة النقدية أن تجربة الدكتورة أسماء المعلومي تندرج ضمن التجارب الثقافية المركبة التي يتقاطع فيها السرد مع النقد، حيث استطاعت الكاتبة أن تتجاوز مرحلة إثبات الذات إلى إنتاج كتابة منفتحة على أسئلة المجتمع والوجود، بما يجعل مشروعها الإبداعي والفكري إسهاماً حقيقياً في إعادة مساءلة العلاقة بين المرأة والسرد في أفق نقدي وإنساني رحب.
أما الكاتب العربي بنجلون، فقد اعتبر روايتها «شرح على شفا الجسد» محطة بارزة في مسار الأدب النسائي المغربي، لما حملته من جرأة في مقاربة قضايا المجتمع، وصراع الأعراف والهجرة القروية والتحولات الاجتماعية، بلغة سردية تمزج بين التقنية السينمائية والنفس الشعري، في تجربة تؤكد نضج مشروعها الروائي.
ومن الجوانب اللافتة في كتاب «المرأة والرواية» ذلك الوعي السيميائي الذي يجعل من الغلاف نصاً بصرياً قائماً بذاته، حيث تتجاور المرأة الشاحبة والطائر الأزرق والرمانة المفتوحة والخلفية السوداء لتشكل منظومة رمزية غنية بالدلالات.
فالمرأة في الغلاف تبدو وكأنها تحمل ذاكرة مثقلة بالجراح والأسئلة، فيما يحضر الطائر الأزرق رمزاً للتحرر والانعتاق، أما الرمانة المفتوحة فتختزل ثنائية الحياة والألم، والخصوبة والنزيف، في إشارة إلى أن الكتابة النسائية كثيراً ما تولد من رحم المعاناة، وأن الرواية تتحول إلى وسيلة لترميم الذاكرة ومقاومة النسيان.
أما الخلفية السوداء، فتمنح الصورة بعداً تأويلياً آخر، يوحي بأن السرد النسائي خرج من عتمة التهميش ليصنع نوره الخاص، ويؤكد حضوره داخل المشهد الثقافي العربي بثقة وإبداع.
وعلى مستوى اللغة، استطاعت الدكتورة أسماء المعلومي أن تحقق توازناً دقيقاً بين المعرفة النقدية والحس الأدبي، فخطابها يتسم بالرصانة المنهجية دون أن يفقد جماليات التعبير، ويزاوج بين التحليل والتأويل، وبين المقاربة الثقافية والإنصات العميق لجماليات السرد.
كما يطرح الكتاب، بشكل غير مباشر، سؤالاً مركزياً حول مدى قدرة الرواية العربية على التحرر من المركزية الذكورية، وحول نجاح الكتابة النسائية في إنتاج خطاب جديد لا يعيد استنساخ الصور النمطية، بل يؤسس لرؤية أكثر انفتاحاً على الإنسان بوصفه قيمة كونية تتجاوز التصنيفات الضيقة.
ولا يقدم هذا العمل أجوبة جاهزة، بل يفتح أمام القارئ فضاءات رحبة للتفكير والتأويل، ويجعله شريكاً في مساءلة النصوص وتحليل التحولات الثقافية والاجتماعية التي تعكسها الرواية العربية الحديثة.
إن «المرأة والرواية» ليس مجرد كتاب نقدي يعالج حضور المرأة في السرد العربي، بل هو مشروع فكري وجمالي يقرأ تحولات الوعي العربي من خلال الرواية، ويؤكد أن الأدب لم يعد وسيلة للحكي فقط، بل أصبح أداة لفهم المجتمع، وكشف بنياته العميقة، وإعادة الاعتبار للأصوات التي ظلت طويلاً مهمشة.
لقد نجحت الدكتورة أسماء المعلومي في تقديم عمل يمتلك رصانة الباحث، وحساسية المبدع، وعمق الناقد، مؤكدة أن الرواية النسائية العربية لم تعد مجرد مساحة للبوح، بل أصبحت فعلاً ثقافياً يقاوم النسيان والتهميش، ويعيد إنتاج المعنى من داخل الألم والجمال معاً.
ويمكن القول، في خاتمة هذه القراءة، إن هذا الإصدار يشكل إضافة نوعية إلى المكتبة النقدية العربية، ويكرس حضور الدكتورة أسماء المعلومي باعتبارها واحدة من الأصوات الفكرية والإبداعية التي استطاعت أن تجعل من النقد الأدبي أفقاً للحوار مع النصوص، ومن الرواية مرآة لأسئلة الإنسان الكبرى، حيث تتقاطع الحرية والهوية والذاكرة والجمال في مشروع ثقافي جدير بالقراءة والاحتفاء …/