بقلم: د. محمد وراضي
ما أوردناه في الحلقة الثالثة بخصوص عظمة الوظيفة البابوية، يوضح كيف أن النظام الديني في صراع مرير مع النظام العلماني، وأن النظام العلماني لمن لم يتضح لهم مدلوله، قديم قدم البشرية؟ إنه باختصار شديد قائم على العقول والأهواء، مهما تكن هذه العقول، ومهما تكن هذه الأهواء غارقة في الجهالة، نسبت إلى شخص جبار، أو إلى جماعة متسلطة. وإن قام أي نظام على الدين في مناطق مختلفة من العالم، فإنما قام على أنواع منه: إما على دين بدائي، أساسه عبادة بعض الحيوانات وبعض الحشرات، أو قام على مختلف مظاهر الطبيعة كالشمس والماء، وإما هو قائم على دين سماوي مزيف أو محرف كالدين اليهودي والمسيحي، أو على دين سماوي عقلاني محفوظ من أي انحراف واضح في بداياته الأولى كالدين الإسلامي. مما يعني أن المواجهة بين العلمانيين والمسيحيين المحرفين للدين من خلال مبادئ وتعاليم موضوعة، يحرس البابويون على سيادتها، والمتمثلة في العناصر السبعة المذكورة قبله، منها أن للبابا كامل الحق في عزل الأباطرة كحكام علمانيين، وأنه لا يسأل عما يفعل ولا يحاكم على تصرفاته.
فلزم بعد كل هذه الادعاءات البابوية، أن يقدم الفلاسفة والمفكرون الأوربيون مزيدا من التضحيات للتخلص من دكتاتورية قائمة على أساس ديني مزيف، لا علاقة للسيد المسيح به. فكان أن انهزم الفكر البابوي في النهاية، ليحل محله الفكر العلماني القائم على الأهواء والعقول المتفاوتة.
في حين أن الإسلام الذي نظم عالمه لقرون على دين عقلاني محض إلى حد بعيد، لم يعرف مصير المسيحية المزيفة، وإنما عرف الإهمال الذي يسأل عنه الحكام المعاصرون المخدوعون – الخادعون بوجوب فصل الدين عن الدولة لتحقيق الرقي والرفاه المادي على وجه الخصوص.
وبما أن الإسلام صامد بنصوصه كتابا وسنة، أمام أي تزييف يؤدي إلى التنكر له، بصرف النظر عما عرفه من تشويه أو من تزييف عبر التاريخ، في باب المعتقدات والعبادات. فإنه مع ذلك، أقام امبراطورية ودولا عرفت البقاء والاستمرارية لعدة قرون. هذه التي من خلالها بنى حضارات زاهية وأسس ثقافات باهية، لولاها ما تخطى الغرب الأوربي بحر الظلمات، كي يتسلق مصاعد التقدم التي غيرت وجه العالم المادي بالخصوص. غير أن غلطاته المستمرة الكبرى، آتية من تصرفاته في وجه العالم برمته، وفي إخضاع العالم لقوته وجبروته، إلى الحد الذي فرض عنده فلسفته بالقوة. فأصبح حكامنا يحدون حدوه في المكر والخداع. فلا هم اليوم علمانيون، ولا هم اليوم إسلاميون.
فعلمانية حكامنا تبيح من السياسات ما لا يمت إلى النظام الإسلامي بصلة، وإلى النظام العلماني بأية صلة. وفي مقدمته التزوير والكذب، والظلم، والتبعية العمياء، والخضوع إلى كل ما يسير النظم الغربية من قوانين ومن ضوابط. ثم الخضوع ثانيا للمولود المدعو بالعولمة، والذي هو امتداد للعلمانية وتكريس لها. فإن كانت الأولى قد أبعدت الإسلام في ربوعه عن الأحكام الشرعية العملية، مع مشاركة حكام ما بعد الاستعمار في هذا الإبعاد. حيث إنهم قطعوا أشواطا بعيدة في الإبعاد المفروض علينا من طرف الغرب، فإن الترحيب بالثانية، فرضته الأجيال الحالية جهارا وبوقاحة مسموعة لم تجد مواجهته الصورية من طرف حكامنا الحاليين فتيلا. وصفنا ممثلي هؤلاء الحكام بالعلمانيين أو بالإسلاميين المقبولين لأداء دور أو أدوار مزيفة، تشي بأن العودة للإسلام تحققت، أو هي في طريقها إلى التحقق؟
فالعثرات التي أصابت مباشرة حكامنا فور التخلص من الاستعمار، لا تزال بعد سنين سنة تفعل فعلها في العقول والنفوس. يعني أنه لا سبيل إلى الرقي والازدهار بين أممنا، إلا بالتخلص من هويتنا التي تمتعنا بها لقرون، إلى حد أننا كأساتذة وكمربين، نصر على إيهام طلابنا إلى أن التسليم بالعولمة والإضعاف من هويتنا، أجدر بنا وبأجيالنا المقبلة، هذا إن نحن جادون في اللحاق ماديا بمن أوحوا إلينا كون الدين أفيون الشعوب بالفعل، وأن الفصل بينه وبين السياسة شرط لما تجري خلفه هذه الشعوب من تقدم، وإلا فنحن إلى الرجعية أقرب، وفي أحضانها نتمرغ؟ والرجعية موقف ديني سلفي من باب السفسطة التي لا يمكن القبول بها بأي وجه؟؟؟
دون أن ننسى الإشارة إلى أن الأناجيل الأربعة لم تحمل مثل القرآن أحكاما شرعية عملية، وإنما هي شروح الرهبان لهذه الأناجيل التي تم لهم تحريفها وتشويهها. وأنه قبل حملات الفلاسفة والمفكرين والكتاب على أفاعيل الرهبان المنكرة، قدم القرآن الكريم حملة من المآخذ على من انتهوا إلى البابوية، هذه التي فرضت نفسها على الأوربيين. فالثالوث الأقدس الذي انتقده فولتير بشدة على سبيل المثال، قال عنه كتاب الله عز وجل: “لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد”. وكأن فولتير قد اطلع على الآيات المنصبة في النظم الكريم على خزعبلات مسمى رجال الدين لدى الأوربيين.
الدكتور محمد وراضي