وفي قلب هذه الاستمرارية توجد المؤسسة الملكية باعتبارها المؤسسة الدستورية الأولى في مملكتنا الشريفة، وباعتبار الملك، وفق الدستور، رئيس الدولة وضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة واستمرار الدولة. ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي يضطلع به صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في وضع الخيارات الاستراتيجية للمملكة، وفي مواكبة التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب ومحيطه، وفي جعل القضايا المصيرية للمملكة فوق الحسابات الظرفية والحزبية.
لقد عرف المغرب خلال العهد الزاهر للملك محمد السادس حفظه الله، تحولات عميقة في مجالات التنمية والبنية التحتية والانفتاح الاقتصادي والدبلوماسية والشراكات الدولية، كما ظل ملف الوحدة الترابية في صدارة الأولويات الاستراتيجية للدولة.
ومن هنا يجب أن تكون الرسالة واضحة إلى الطبقة السياسية: أن لا نجعل الانتخابات أكبر من الوطن، وأن لا نجعل تشكيل الحكومة أكبر من القضايا التي تنتظرالمغرب.
فالانتخابات محطة، والوزارة مسؤولية ،والولاية محدودة، أما الوحدة الترابية والمصالح العليا للمملكة واستمرارية الدولة فهي قضايا تتجاوز عُمر الحكومات والبرلمانات.
إن المغرب يوجد اليوم أمام تحديات إقليمية ودولية متسارعة، من محيط مغاربي معقد، إلى فضاء متوسطي وإفريقي متغير، إلى تحديات أمنية في منطقة الساحل ، وصولا إلى المنافسة الدولية على المصالح والنفوذ والشراكات.وفي قلب هذه التحولات توجد القضية الوطنية. فقضية الصحراء المغربية ليست ملفا حزبيا ، بل قضية دولة وأمة ومجتمع. والمسار الذي اختاره المغرب في الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي يحتاج إلى نفس طويل، ودبلوماسية يقظة، وجبهة داخلية متماسكة، وتعبئة سياسية مسؤولة.
وهنا تظهر مرة أخرى أهمية استمرارية الرؤية الملكية، فالملفات الاستراتيجية لا تدار بمنطق ولاية انتخابية تشريعية واحدة ،ولا بمنطق مصلحة حزب، ولا بمنطق حسابات ظرفية. بل إنها تحتاج إلى تراكم ،وإلى وضوح، وإلى نفس استراتيجي طويل.ولهذا، فإن الأحزاب مطالبة اليوم بأن تدرك أن اختلافها السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف حول الثوابت الوطنية. فلتكن المنافسة على البرامج ،والاختلاف في السياسات ، ولنجعل المغرب فوق الحسابات السياسية.
فالمعارضة ليست خصومة مع الدولة، والأغلبية ليست شيكا على بياض ،والحكومة ليست غاية في حد ذاتها. فالحكومة وسيلة لخدمة الوطن والمواطن، والوزارة ليست غنيمة ،والمنصب ليس مكافأة. إنه تكليف ومسؤولية ومحاسبة.
وإذا كان للمغرب أن يواجه تحديات المرحلة بثقة، بفضل عاهدناالمفدى، فإنه يحتاج إلى مؤسسات قوية وأحزاب مسؤولة، وحكومة فعالة وبرلمان يقظ، ودبلوماسية نشطة، ومجتمع واعٍ، وجبهة داخلية متماسكة حول المؤسسة الملكية والقضايا الوطنية الكبرى. وفي مقدمة ذلك كله احترام الدستور، واستحضار الدور المركزي الدستوري للملك.
لقد انتهت الانتخابات، وستأتي انتخابات أخرى ،وستتغير الحكومات، وسيتغير الوزراء والبرلمانيون لكن المغرب لن ينتظر، لأن التحديات لا تنتظر تشكيل الأغلبية والرهانات الوطنية لا تنتظر توزيع الحقائب، والمصلحة العليا للمملكة لا تنتظر المفاوضات السياسية.
ولهذا فإن الرسالة إلى الأحزاب واضحة، لا تجعلوا سؤال: من سيحصل على ماذا؟ أكبر من سؤال :ماذا سنقدم للمغرب. والرسالة إلى الحكومة المقبلة أكثر وضوحا: فلنكن في مستوى المرحلة، وفي مستوى انتظارات المغاربة، وفي مستوى الرؤية الاستراتيجية السديدة التي يقود بها جلالة الملك محمد السادس نصره الله مسار المملكة.
فالملك يبقى، والدولة تستمر، والمغرب يتقدم. أما الحكومات والأحزاب والمواقع، فهي مراحل في مسيرة وطن أكبر من الجميع. وفي اللحظات الكبرى ،لا يكون السؤال: من انتصر في الانتخابات؟بل من انتصر للمغرب؟تلك هي المسؤولية، وتلك هي الأمانة. المغرب أولا والوطن فوق كل الحسابات.
(.) عضو الفدرالية الدولية لصحافيي
وكتاب السياحة