بقلم: يونس فنيش
أثارت مداخلة وزير العدل الأستاذ عبد اللطيف وهبي الذي اقترح توجيه شكايات حماة المال العام إلى وزير الداخلية بدل النيابة العامة نقاشا حادا، في حين أن فلسفة حماية المال العام لا تقتصر على مجرد توجيه شكايات ضد مسؤولين سواء كانوا معينين أو منتخبين.
الملاحظ أن هيئات وجمعيات ومنظمات حماية المال العام ومكافحة الرشوة، وجمعيات حقوق الإنسان ودعم حرية التعبير والشفافية لا تهتم كفاية بحماية الموظفين العموميين المبلغين عن الفساد، في حين أن ثمة عصب المعركة. فإذا كان الموظف العمومي الذي يبلغ عن الرشوة في إطار حرية التعبير ،مثلا، مازال عرضة للظلم في مساره المهني في الوظيفة العمومية دونما إنصاف و لا رد اعتبار، فلا جدوى من الاستمرار في ادعاء حماية المال العام لأن الموظف العمومي، بصفة عامة، هو المعني الأول بحماية المال العام و ما على الهيئات و الجمعيات و المنظمات سوى حمايته لبلوغ الأهداف المرجوة.
و أما الخوض في مناقشة هل يجب على الجمعيات تقديم الشكايات مباشرة للنيابة العامة أو عبر وزير الداخلية فمسأله ثانوية، لأن النيابة العامة لها الصلاحية التامة عمليا في حفظ الشكايات أو القيام بإجراءات المتابعة في إطار سلطتها التقديرية، كما لوزير الداخلية أن يقوم بالتحريات الضرورية و اتخاذ قرار الإحالة على النيابة العامة أو عدم الإستجابة إن ارتأى أن الشكاية غير مبررة أو فاقدة للحجة.
من المفروض أن تكون المهمة الأولى للجمعيات الحقوقية، والمنظمات والهيئات التي تعنى بحماية المال العام و مكافحة الرشوة، هي العمل على نشر ثقافة حماية المال العام و نبذ الرشوة وفرض ثقافة إعطاء القدوة الحسنة في الإدارة العمومية أولا وقبل كل شيء، بعيدا عن كل حسابات سياسية أو تنافس من أجل نيل الحضوة أو الشهرة، ولن يتأتى ذلك سوى بحماية الموظفين العموميين ورجال السلطة المبلغين عن الرشوة و نهب المال العام، والمطالبة دون ملل بإنصاف ورد الإعتبار لكل من تضرر مساره المهني أو تأذى في حياته من جراء فضحه للفساد و رفضه للرشوة.
سيداتي سادتي، من المفروض أن يكون المجتمع المدني سند قوي لنزهاء الإدارة العمومية الذين يتوفرون على الجرأة والكفاءة لفضح الفساد بطريقة سليمة لأن لولاهم لما تقدمنا قيد أنملة في مجال حماية المال العام، لأن الموظفين العموميين هم من يستطيعون فعلا وعمليا حماية المال العام ومحاربة الرشوة، وما على الجمعيات الحقوقية سوى مساعدتهم على ذلك بنكران تام للذات وبعيدا عن حب الظهور والشهرة أو بحثا عن البطولة.
وتحية عالية للجمعيات والهيئات الجادة التي تسعى إلى حماية المال العام ووقف زحف الرشوة في الإدارة العمومية. وشكرا على انتباهكم سيداتي سادتي.