سياسة المدينة والتعمير الطبقي إشكالية في التوزيع غير العادل للوعاء العقاري لا يقدم حلولا للفئات الاجتماعية الأكثر كثافة

بقلم: عبدالواحد زيات

تتجلى المفارقات الصارخة والعجيبة في سياسة المدينة والتعمير في التوزيع غير المتكافئ للوعاء العقاري، الذي يتسم بعشوائية تبدو مهيكلة، تُمنح فيها السيطرة على مجمل المساحات العقارية الشاسعة لفئات محدودة من الأثرياء وذوي النفوذ السياسي والإداري، بقيمة مالية لا تتجاوز أحياناً 2000 درهم للمتر المربع، بأسعار لا تعكس قيمتها، وأحياناً أخرى تكون بأثمان أكثر رمزية، مستفيدة من السبق في الوصول إلى المعلومة التعميرية لتشييد إقامات فاخرة بكثافة سكانية تقترب من الصفر.

في المقابل، تستوعب مساحات عقارية أخرى تكدساً ديموغرافياً كبيراً للطبقات الهشة والوسطى في رقع جغرافية ضيقة ومفتقرة لأدنى شروط سياسة المدينة. وفي ربط ذلك مع المصلحة العامة، تبرز هنا إشكالية كأداة انتقائية؛ حيث غالباً ما تُنفذ مشاريع البنية التحتية والطرق على حساب الأحياء المكتظة والفقيرة، في حين تظل المناطق الاستراتيجية المخصصة لطبقة الأثرياء في مأمن من هذه التحولات.

ومن هنا، تبرز ضرورة إعادة النظر في فلسفة سياسة المدينة بالمغرب، بجعلها قائمة على مبدأ “العدالة العقارية” كمدخل أساسي للتنمية المستدامة. وبالاستناد إلى تجارب دولية ناجحة، نجد أن نموذج سنغافورة قد حسم في مسألة ندرة العقار عبر فرض قيود صارمة على المساحات الفردية، وتوجيه الوعاء العقاري لخدمة الصالح العام لجميع الفئات المجتمعية، مما يدحض الذرائع التقنية التي تبرر سوء التوزيع بنقص العقار.

ومن هنا تبدو الضرورة ملحة لتأطير الوعاء العقاري الموجه للسكن؛ فلا يمكن فرض قيود المساحة في السكن الاجتماعي والاقتصادي والمتوسط، في المقابل يبقى السكن الفاخر، حيث يستطيع أصحاب المال اقتناء أكبر المساحات داخل نفس المدينة أو في مدن أخرى. وبهذا التساهل، لن تحل أي سياسة تعميرية أزمة السكن، ما دامت الأزمة تُبنى في الأصل على توزيع غير عادل للوعاء العقاري، الذي لا يزال فيه صناع القرار في سياسة التعمير وسياسة المدينة يفصلون الوعاء العقاري ليكون أكثر حاتمية لصالح طبقة الأغنياء والأثرياء وأصحاب النفوذ السياسي والإداري ولوبي العقار.

عندما يكون سوء التوزيع يمنح فيه الأولوية لتأمين مصالح طبقة الأثرياء واللوبيات، سيبقى المواطنون من الطبقة الهشة والفقراء والطبقة المتوسطة على الهامش وخارج سياسة المدينة. كما أن توسع المدن بدوره، الذي يتم على حساب الأراضي الفلاحية، ينتج عنه تفاقم الهجرة القروية، خاصة عندما يتم انتزاع الأراضي بمبرر المصلحة العامة من خلال تفعيل مسطرة نزع الملكية، التي لا تمنح التعويض المنصف لذوي الحقوق.

لذلك، لا بد من إرساء إطار قانوني وتقني صارم يحدد تسقيفاً للمساحات المسموح بها، بما يضمن عقلنة استغلال الوعاء العقاري وتفادي هدره. كما يفرض فتح نقاش عمومي حول سياسة المدينة، والعمل على تأطير مساحة “الأحياء الراقية” وتقنينها لضمان التوازن بين مختلف الفئات الاجتماعية، وتحويل الفائض العقاري نحو مشاريع ذات نفع عام تخدم التماسك الاجتماعي والعدالة المجالية، في أفق ترسيخ مشروع الدولة الاجتماعية التي تجد حلولاً منصفة للسكن، بدل إبعاد الفقراء والبسطاء إلى هوامش المدن.

تعليقات (0)
اضافة تعليق