بقلم: عبداللطيف عسيسو
سألني أحد الأصدقاء: “ لماذا تقرأ هذه القصيدة الطويلة؟” ففكرت كثيرا قبل ان اجيب عن سؤاله، لأنني كنت ابحث عن اجابات تقنعه وتترك في نفسيته أثرا ايجابيا، فقلت بل كتبت: هذه القصيدة وسيلة تواصل عريقة لدرجة أنها تبدو ضرورة تطورية – إلى العملية؛ القصيدة كجرعة إسبريسو – أسرع طريقة للحصول على دفعة من الطاقة الذهنية والروحية.
في هذه القصيدة الطويلة يمكننا أن نتحدث عن الشعر كحبل في عاصفة. الشعر كتعويذة متواصلة للصحة النفسية. الشعر كأكبر وأطول ورشة عمل في العالم حول كيفية الحب. الشعر كحوارعبرالزمن. الشعر كمنظف حمضي للابتذال.
يمكنني القول إن هذه القصيدة كاشفة للكذب. إنها طريقة للتفكير دون فقدان الإحساس. إنها طريقة للشعور دون أن تغمرنا المشاعر لدرجة تعيق التفكير السليم. إنها “أفضل الكلمات بأفضل ترتيب” (ب مفهوم كوليردج). إنها “تبقي القلب متيقظًا للحقيقة والجمال” (كوليردج مرة أخرى –. إنها تدخل: “القدرة على إحداث تغيير في الظروف القائمة”)بمفهوم (مورييل روكيسر).)
هذه القصيدة الطويلة/الملحمة ” موسيقى الحجارة “(MUSIQUE DE PIERRES ) للكاتب المغربي عبدالخالق جييد ،عمل شعري ضخم، بحجم كتاب، قصيدة شعرية تتكون من 72 صفحة.
فبعد عبداللطيف اللعبي الذي يميل إلى كتابة قصائد طويلة جدا و مفتوحة البناء (longs poèmes) ك قصيدة ” حكم الهمج” (le règne de barbarie)التي تعد من أشهر قصائده الملحمية الطويلة (30 صفحة) في الأدب المغربي الفرانكوفوني، وقصيدة اغادير (Agadir) وشمس العنكبوت(Soleil arachnide ) بين 15 / 30 صفحة ,لمحمد خير الدين ..يأتي عبدالخالق جييد بملحمته الأطول ” موسيقى الحجارة” ( Musiques de pierres ) ب( 72 صفحة ) ..في الأدب المغربي المكتوب باللغة الفرنسية ، لا يوجد تصنيف نقدي او اكاديمي رسمي يحدد أطول قصيدة بناءا على عدد الأبيات او الصفحات كمرجع مطلق ، نحن الآن بصدد البحث في هذا الموضوع.
استخدم الشاعر عبد الخالق جييد في قصيدة ” موسيقى الحجارة”، الشكل الممتد ليستكشف مواضيع وسرديات ووعي معقد، بدلاً من الاعتماد على إيجاز القصائد القصيرة، تخلق هذه القصيدة الطويلة/الملحمة، معناها من خلال التفاصيل المتراكمة، ووجهات النظر المتغيرة، والتجريب الشكلي، فتظهر كقصص ملحمية، أو تأملات فلسفية، أو سلاسل متتابعة. المساحة والنطاق واسع جدا، حيث يصبح الطول نفسه أداة جمالية. اما البنية والشكل فقد تم تنظيمهما حسب التطور السردي (مثل الملاحم) أو سلسلة من المقاطع، وغالباً ما تتضمن تقنيات شعرية متنوعة للحفاظ على الزخم. تحافظ قصيدة “موسيقى الحجارة” ل الشاعر عبد الخالق جييد على صوت متسق ووعي مركزي متطور يربط بين الأقسام المختلفة.
لقد انزاحت هذه القصيدة الطويلة عن السرد التقليدي، واستخدمت التجميع والقوائم والتكرار (الجناس) والاسطورة لخلق شكلًها الخاص بها، في قصيدة ” موسيقى الحجارة “، تمثل كل من الموسيقى والحجارة الاتحاد النهائي بين الزائل والأبدي، مما يتناقض بين العاطفة السائلة والثبات الذي لا يتزعزع. ترمز الموسيقى الى التدفق، والزمن، والروح، والمشاعر المتغيرة حيث توجد في اللحظة وتختفي بمجرد انتهاء النغمة. بينما يرمز الحجر الى الثبات، والكتلة، والمكان والخلود والصبر والصمت والذاكرة والثقل المادي للزمن أو الحزن…فهو صلب ويعبر عن التاريخ والجمال المادي.
● تجليات الاسطورة في قصيدة “موسيقى الحجارة“:
يستحضر عنوان القصيدة الطويلة /”الملحمة” موسيقى الحجارة ” للشاعر عبدالخالق جييد، بقوة أسطورة اورفيوس ، الذي كانت موسيقاه تتمتع بقوة خارقة لا تقاوم لدرجة ان ألحانه كانت تسحر الطيور ، وتهدئ الحيوانات المفترسة ، وتجعل الأشجار والصخور تتحرك من أماكنها، بل وتغير مجرى الأنهار.
ان الأسطورة والشعر في “موسيقى الحجارة” مرتبطان ارتباطاً وثيقاً؛ فهما يشتركان في هدف أساسي يتمثل في استخدام الاستعارة لترجمة التجربة الإنسانية غير الملموسة – مثل الحب والفقدان والهوية والتاريخ – إلى واقع ملموس وعاطفي.
استعان الشعراء، على مر التاريخ بالأساطير لإثراء أعمالهم، وتحدّي الروايات الثقافية السائدة، وخلق عوالم جديدة.
في ملحمة ” موسيقى الحجارة” تُقدّم الأساطير شخصيات وقصصًا نموذجية تُمكّن الشاعر من استكشاف قضايا إنسانية معقدة دون الاعتماد كليًا على اللغة اليومية المباشرة. فمن خلال التفاعل مع الأساطير المعروفة أو قلبها رأسًا على عقب، استطاع الشاعر عبدالخالق جييد تحقيق أقصى قدر من التوتر مع الكتابات الثقافية والاجتماعية السائدة. مما منحه القدرة على ابتكار أساطيره الشخصية أو المحلية (وهي ممارسة تُعرف باسم صناعة الأساطير) لربط الصراعات النفسية الداخلية بالعالم الأوسع.
منذ عصر النهضة، اعتمد شعراء مثل شكسبير (“أورفيوس“) على الأساطير اليونانية والرومانية لإضافة عمق وجمال شعري إلى أعمالهم. في القرن العشرين، استخدمت قصيدة إليوت “الأرض اليباب” الشهيرة رموزا أسطورية لإضفاء “شكل ومعنى” على عالم حديث فوضوي ومجزأ. قلب كل السرديات.
غالبًا ما يعيد الشعراء المعاصرون كتابة الأساطير الكلاسيكية من منظور شخصيات مهمشة أو غير مفهومة لتقديم نقد جذري للتاريخ. يستخدم عبدالخالق جييد ، على سبيل المثال، الشخصية الأسطورية ” ابوليوس”وذلكلاستكشاف المشاعر الشخصية العميقة جاء في قصيدة “موسيقى الحجارة” :
(خارج نطاق موضوعي ، اقوم بتاليف العمل على خطى ابوليوس تم تثبيت الحفار أسفل الدرج
اخطط لرحلة عبر أسرار الاسطورة المشتركة ..ص 14)
تتمحور “أسطورة أبوليوس”التي وظفها الديوان الملحمة ،حول رواية “الحمار الذهبي” (التحولات)، وهي الرواية الرومانية القديمة الوحيدة الكاملة المكتوبة باللاتينية التي وصلت إلينا. كتبها لوسيوس أبوليوس في القرن الثاني الميلادي، وتدور أحداثها حول رجل يتحول عن طريق الخطأ إلى حمار بعد تعويذة سحرية فاشلة، لينطلق في رحلة فلسفية مليئة بالفكاهة قبل أن تنقذه الربة إيزيس. أسطورة راءعة تمزج بين الخيال والفلسفة والأسطورة. كان أبوليوس(حوالي 125-185 ميلادي) فيلسوفًا وخطيبًا بربريًا رومانيًا من مدينة مادوروس، سافر كثيرًا، ودرس الأفلاطونية، وألقى خطابات عامة شهيرة في عدة اماكن. في عام 158 ميلادي، تزوج أبوليوس من أرملة ثرية تُدعى بودنتيلا. اتهمه أقاربها الحسودون باستخدام سحر الحب غير القانوني لكسب قلبها. قدّم أبوليوس دفاعًا بارعًا وذكيًا أمام الحاكم ابان محاكمته، عُرف باسم “أبولوجيا” أو “خطاب في السحر”. بُرِّئ، وأصبحت معرفته الواسعة بالسحر والعلوم الخفية أساسًا لمكانته الأسطورية. “الحمار الذهبي: الأسطورة والحبكة” تبقى هذه الرواية أشهر إسهاماته في الأدب العالمي، إذ أثرت في كتّاب لاحقين مثل بوكاتشيو، وشكسبير، وسيرفانتس، وكيتس. القصة الأساسية: يسافر بطل الرواية، لوسيوس – الذي يتشارك مع أبوليوس مسقط رأسه وحبه للعلوم الخفية – إلى ثيساليا، أرض الساحرات الأسطورية. مهووسًا بالسحر، يطلب من خادمة ساحرة محلية مساعدته على التحول إلى بومة. وبسبب خطأ ما، يتحول إلى حمار بدلًا من ذلك. بعد أن جُرِّد من هيئته البشرية، يتنقل لوسيوس بين مالكين مختلفين – من بينهم لصوص وكهنة ومُعاملون وحشيون. يُتيح هذا لأبوليوس تقديم رؤية ساخرة، أشبه بنظرة الحمار، للحياة الرومانية والمجتمع والحالة الإنسانية. بعد سلسلة من المغامرات الجامحة، والتي غالبًا ما تكون فاحشة، تشفق عليه الربة إيزيس ثم تُقدم له ورودًا سحرية ليأكلها، فتعيده إلى هيئته البشرية. بعد عودته، يمر لوسيوس بصحوة روحية ويصبح كاهنًا مُخلصًا لإيزيس. إنها واحدة من أشهر الأساطير في العصور الكلاسيكية القديمة، وقد أثرت بشكل عميق على الفن والأدب العالمي.. جاء في قصيدة ” موسيقى الحجارة”
(قلم حاد ….
لاسطورة اخرى
ابتكر الحياة في ومضة اندماج)
بالإضافة إلى أسطورة ابوليوس نجد أن القصيدة/ الملحمة ” موسيقى الحجارة “عمودها الفقري كله متمركز حول الأساطير وقد وظفها الشاعر توظيف الشعراء الكبار، يقول في موضع اخر :
(مثل ميثريداتس كنت اعرف كيف اغدي نفسي بالسموم .
للبقاء على قيد الحياة .ص 15.)
(ميترداتاس)، “ملك السموم” القديم في بونتوس. اشتهر بتناوله جرعات تدريجية من السموم لبناء مناعة، وطوّر ترياقًا عالميًا يُسمى ميثريدات، وخاض حروبًا طاحنة ضد الجمهورية الرومانية. وُلد حوالي عام 134 قبل الميلاد، وتقول الأساطير إن ولادته تزامنت مع ظهور مذنب شديد السطوع. في مواجهة محاولات اغتيال متواصلة – بما في ذلك شائعات بأن والدته سمّمت والده – فرّ ميثريداتس إلى البرية في سن المراهقة. أمضى سنوات يعيش في الغابات، يُنمّي قدرته على التحمّل البدني ويجوب مملكته لحشد القبائل المحلية. فن الميثريداتية: بسبب جنون العظمة السياسي الشديد في تلك الحقبة، بدأ ميثريداتس تجربة جذرية في علم السموم. تناول كميات غير قاتلة من سموم مختلفة على مدار حياته لبناء مناعة جسدية شاملة. يُنسب إليه ابتكار الميثريدات (أو ترياق الميثريدات)، وهو ترياق عالمي بالغ التعقيد يحتوي على عشرات المكونات الطبيعية، بما في ذلك النباتات والعسل، وأحيانًا كميات ضئيلة من سموم الحيوانات. تحولت صلابته الشهيرة إلى نقمة في نهاية حياته. فبعد هزيمته النهائية على يد القائد الروماني بومبي، وتعرضه لخيانة ابنه، حاول ميثريداتس الانتحار بالسم. وبسبب مناعته التي اكتسبها طوال حياته، لم يكن للسم أي تأثير عليه. وبسبب بقائه على قيد الحياة، اضطر إلى أن يطلب من حارسه الشخصي قتله بالسيف. أسرت حياته وذكاؤه وتجاربه النباتية المؤرخين والفنانين لقرون عديدة . توظيف اساطير المحاربة ميدوسا وميثريداتس في هذه القصيدة الطويلة “موسيقى الحجارة”جاء لاستكشاف مواضيع معقدة كالتحول ، والقوة الخطيرة ، والحصانة، والتحدي ضد السلطات المهيمنة ميتريداتس ( ملك السموم ) استخدم من قبل الشاعر كاستعارة للصمود والحفاظ على الذات ، وتحديدا اكتساب القدرة على تحمل المخاطر . فهذه القصيدة الملحمة التي نحن بصدد قراءتها الان تستقي من مخزون غني من الرموز الأسطورية وذلك لتظيف على القصيدة عمقا فكريا وتأثيراايجابيا،هذه الرموز الراسخة في الوعي الجمعي للبشرية ، تربط الماضي بالحاضر ، وتتيح للقارىءاستكشاف مواضيع خالدة وحقاءق عميقة .انها تتجاوز الحدود الثقافية ، وتتحدث عن جوانب عالمية من التجربة الإنسانية، وتستمد من نماذج أسطورية أصلية مشتركة توارثتها الاجيال ،لهذا السبب استطيع أن أجزم قاءلا إن اردت ان تقرا القصيدة الملحمة”موسيقى الحجارة ” عليك اولا بالتمكن من فهم واستيعاب الميتولوجيا ( الاساطير )وكل ما كتب عنها ..فالقصيدة هي ملحمة أسطورية نسجت خيوطها الأسطورية بدقة متناهية .جاء في القصيدة مرة أخرى::
(تم التطلع الى الهام نباتي أو حتى الى صبر العقرب الذي يشبه صبر المحارب ميدوسا وميثريداتس متشابكان ) ص 38.لقد ابدع الشاعر الكبير عبدالخالق جييد في استلهام هذا الإرث الانساني( الاساطير) ليعبر من خلاله عن قضايا الانسان. لقد أكد لنا ان الشعر لم يعد مجرد قول بل أصبح فعلا معرفيا ووجوديا يعيد للذات وللعالم واللغة معناها المفقود .
يقول الشاعر في ملحمة ” موسيقى الحجارة “:
(انا بنات دانوس والبرميل
الروح المتصدعة تواصل سعيها داخل الأجساد…) ص 23
استخدمت أسطورة دانوس في ملحمة ” موسيقى الحجارة” (وتحديدا فيما يتعلق ببنات دانوس) تقول الأسطورة ان 50 اختا هربن من الزواج القسري، فأقدمن على قتل ازواجهن. انتهت القصة بعقابهن الأبدي في العالم السفلي عبر ملىء إناء مخروم بالماء…تستخدم هذه الأسطورة في قصيدة ” موسيقى الحجارة ” للأغراض التالية: تجسيد المهام المستحيلة او المعقدة والتي لا تنتهي،تمثل أسطورة دانوس أو ملحمة دانوس الأساطير التأسيسية لارغوس حيث أصبح مصطلح ” الدانانيون“أحفاد دانوس مصطلحا عاما لليونانيين في التراث الهوميري، يفسر البعض مقتل أبناء ايجيبتوس على يد بناتدانوس على أنه تمثيل لجفاف الأنهار والينابيع في ارغوليسخلال فصل للصيف. في قصيدة موسيقى الحجارة وظفت هذه الأسطورة لإستحضار معان عالمية خالدة ترتبط بالتقاليد القديمة والمواقف الحديثة. جاء في ملحمة “موسيقى الحجارة “:
(النشوة العارمة للغضب
لكنها تعرف طعم المطر الرمادي والطين الذي يغرقها في قاع البئر
انا دانالنت البرميل
الروح المتصدعة تواصل سعيها داخل الأجساد.). وفيموضع اخر من القصيدة نقرأ ما يلي:
(أما الآخرون، ممن يمتلكون المهارة في هذه الحرفة، فكانوا يصنعون الرماح لتحقيق رغباتهم الدينية اوعلى خطى اوديسيوس_مفضلا الطريق الملتوي على فتور الحب.) ص31
تستعين قصيدة ” موسيقى الحجارة “مرة اخرى بأسطورة الأوديسة لأنها تُشكّل سردًا تأسيسيًا معترفًا به عالميًا، موفرةً إطارًا رمزيًا ثريًا لاستكشاف جوانب خالدة من التجربة الإنسانية. تُمكّن قصة أوديسيوس المبدعين من استكشاف مواضيع الترحال والهوية والصراع من أجل العودة إلى الوطن، لتكون بمثابة “مرآة” سهلة المنال للتأمل في الحقائق العاطفية العميقة. إليكم سبب عودة الشعراء والكتاب باستمرار إلى أسطورة الأوديسة: التجربة الإنسانية الرمزية: فهي تُمثّل “سعي الإنسان وراء المعنى”، مُتتبعةً أنماطًا مثل رحلة البطل، والإغراء، والفشل الناجم عن الإغراء، والبحث النهائي عن الاستقرار. كثيرًا ما يُفسَّر على أنه رمز لرحلة الروح نحو الفضيلة أو العقلانية. أوديسيوس شخصية متعددة المواهب، فهو “مُغيِّر شكله” أو “مُخادع ماكر”، مما يجعله شخصية مثالية ومرنة لاستكشاف جوانب إنسانية مختلفة عبر الثقافات والعصور. باعتباره حجر الزاوية في الأدب العالمي، فإنه يمكّن الفنانين والكتاب والشعراء من ربط أعمالهم بمواضيع قديمة كالبطولة والذكاء والمصير.
وللقارئ الكريم أقدم لكم مثالا آخر من استخدام الأسطورة عند عبد الخالق جييد حيث يقول في قصيدة المكونة من 72 صفحة:
((ارفع كلماتي الجريئة ضد الغضب الظالم الذي يقيدك من أجل الخلاص
تجمع الرسل الاوليغاركيون الطيبون خلف مسكنات الألم وتعاليم ملتوية ص 47 )
غالبًا ما تتمحور أسطورة رسل الأوليغارشية في الشعر حول موضوع الاتصالات الفاسدة، حيث يقوم رسل النخبة بنقل المعلومات أو تحريفها أو احتكارها لخدمة الحكام الأثرياء أو الأقوياء. يظهر هذا الموضوع بأشكال متنوعة، تتراوح بين الإشارات الملحمية القديمة والتعليقات الاجتماعية الحديثة على “حكم الشركات”، حيث تُصمَّم “الرسائل” لحماية الثروة الخاصة. في السرديات الشعرية، غالبًا ما يعمل الرسل جكأدوات للجشع، محولين رسائل السلام أو الحقيقة إلى دعوات للاستعباد. في بعض الفلسفات الشعرية، تُعتبر القصيدة نفسها الرسول، حاملةً “كلمات” الشاعر عبر الزمن لتحدي السردية السائدة. “رسول” الأوليغارشية في الشعر: غالبًا ما تُصوِّر الصور الشعرية الحديثة النخبة السياسية والشركاتية الحديثة (أو الأوليغارشية) كرسل لمصالحهم الخاصة، مستخدمين الدعاية “لإعماء” العامة. يصور الشعر أحيانًا السقوط الدرامي لهذه القيادة، مستخدمًا صورًا مثل الفيل الساقط في قصيدة كريستوفر أوكيغبو “هتاف للرعد”، الذي يمثل انهيار الجمهورية الأولى الفاسدة. غالبًا ما يستخدم الشعر الحديث مصطلح “الأوليغارشية” للإشارة إلى ثروة النخبة “السرقة” أو “لصوص البارونات“، ويستخدم الشعر لتحدي صورتهم “الخيرية”. “عقد الشيطان”: تصف بعض التفسيرات الشعرية هذا الموضوع ك “رسالة” هي “عقد” مع الشر، حيث تأخذ القلة المختارة (الأوليغارشية) “لآلئ” العالم ولا تترك للعامة سوى “التراب والرماد”. رسل الأوليغارشية في الشعر الحديث، غالبًا ما يستكشف هذا الموضوع كيف يتمكن الأقوياء من خلق “ديمقراطية اجتماعية” حيث يجب على “الجميع” اتباع القانون، بينما يكون الأقوياء أنفسهم فوق القانون، يوظف الشعراء أسطورة الاوليغارشية (حكم القلّة) كأداة فنية وبلاغية لتسليط الضوء على احتكار السلطة والثروة من قبل فئةصغيرة ،
وفي موضع اخر ينتقل الشاعر في ملحمته الى أسطورة اخرى قائلا:
(النفاث الذي ينبثق منه اول نفس
كانت الهيروغليفية مصنوعة من نفاثات من اللحم والكلمات
حديقة الهسبيرديس حيث تتفتح الثمار الذهبية.) ص 67
توظف القصيدة أسطورة يونانية
ستان هيرا في الأساطير اليونانية، يقع على الحافة الغربية للعالم، ويحتوي على أشجار تحمل تفاحًا ذهبيًا يمنح الخلود. كانت حديقة التفاح الذهبي، التي اعتنت بها الحوريات (الهسبريدس) والتنين لادون، وجهةً شهيرةً لهيركليز خلال مهمته الحادية عشرة لسرقة ثمارها. العناصر الأساسية للأسطورة: الأصل: كانت التفاحات الذهبية هدية زفاف من جايا (الأرض) إلى هيرا عندما تزوجت زيوس. الحراس: الهسبريدس – حوريات يُوصفن غالبًا بأنهن بنات أطلس أو إريبوس والليل – اعتنين بالأشجار، بمساعدة لادون، التنين الخالد ذو المائة رأس. الموقع: غالبًا ما تُوضع بالقرب من جبال الأطلس في شمال إفريقيا أو في جنوب إسبانيا، رمزًا لأقصى الغرب حيث تغرب الشمس. التفاح: لم تكن مجرد فاكهة، بل كانت أشياءً مقدسة تُمثل الخلود أو القوة الإلهية. هيركليز والمهمة الحادية عشرة: المهمة: كلف الملك يوريثيوس هيركليز بسرقة التفاحات الذهبية، وهو إنجاز أنجزه إما بقتل التنين لادون أو بخداع أطلس. الحيلة: عرض هيركليز أن يحمل السماء لأطلس إذا أحضر له التيتان التفاح. عندما عاد أطلس ورفض استعادة ثقل السماء، خدعه هرقل ليحمل العبء لفترة وجيزة، مما سمح له بالهروب بالثمار. العودة: أعادت الربة أثينا التفاح لاحقًا إلى الحديقة، لأنه لم يكن ينتمي إلى عالم البشر. الأهمية الثقافية: تفاحة الفتنة: الحديقة هي أيضًا المكان الذي حصلت فيه إيريس، ربة الفتنة، على التفاحة التي أشعلت حرب طروادة. الرمزية: تشبه القصة مفهوم الفردوس أو جنة عدن، حيث تمثل عالمًا إلهيًا مفقودًا. لقد كانت هذه الاسطورة موضوعًا شائعًا في الفن، بما في ذلك لوحات اللورد لايتون وإدوارد بيرن جونز، التي تسلط الضوء على الحوريات والتنين والمكان الذهبي المضاء بغروب الشمس.
استخدم الشاعر عبدالخالق جييد أسطورة الهسبريدسكرمز إلى المُثُل العليا التي يصعب بلوغها، وجمال العالم الطبيعي، وإغراءات المعرفة المحرمة أو الخلود. تُشكّل الحديقة خلفية أدبية ثرية لاستكشاف مواضيع مثل البطولة، وفقدان البراءة، ونهاية الرغبة الإنسانية. تُمثّل حديقة الهسبريدس يوتوبيا أسطورية مثالية على حافة العالم. غالبًا ما يستحضرها الشعراء لتمثيل عصر ذهبي مفقود، وحالة من البراءة النقية تُشبه جنة عدن. إنها بمثابة تجسيد مادي للرغبة – مكان بعيد ساحر يتوق إليه البشر. ترمز التفاحات الذهبية التي تحرسها الحوريات والثعبان لادون إلى المكافآت النهائية (مثل الحياة الأبدية أو الحكمة العميقة) التي تأتي مع مخاطر جسيمة.
في الأدب، يرمز قطف التفاح إلى سعي البشرية نحو القوة الإلهية، وإلى المخاطر الكامنة في الجشع والطموح.
استخدم الشاعر اسطورة الهيسبيرديس كرمز مكثف للبحث عن الخلود، والجمال، والمعرفة المحرمة، والهوية المفقودة.. تمثل الحدائق ملاذا للجمال بينما يمثل التنين لادون حارس التفاح والبطل هرقل الذي سرق التفاح الصراع البشري ضد القوى التي تحاول سلب مقدرات الأوطان وحريتهم،لقد وفرت هذه الاسطورة للشاعر فضاءا تخييليا يهرب به من التعبير المباشر، ليطرح قضايا سياسية واجتماعيةوانسانية عميقة بقالب رمزي يثير خيال المتلقي.
حين استخدم الشاعر عبد الخالق جييد في ملحمته “موسيقى الحجارة” الأسطورة، فإنه لم ينقلها حرفياً؛ بل فككها واستدعي رموزها وجعلها “قناعاً” يعبر من خلاله عن قضايا الحاضر، محولاً إياها من مجرد “حكاية قديمة” إلى رؤية فنية وإنسانية جديدة، يدمج فيها الذات بالواقع الجمعي.
القصيدة / الملحمة تحمل بعدا حضاريا عميقا، فهي لا تكتفي باستدعاء الماضي التاريخي فحسب، بل تحوله الى مرآة لفهم حاضر الانسان المعاصر، كما لو ان الشاعر يُسائلنا عن علاقتنا بالجدور والحضارات. القصيدة تجمع بين البلاغة والاسطورة والعمق النفسي، وتؤسس لرؤية الانسان مشدودا بين التاريخ والجسد والروح، يمكن القول ان القصيدة تستحق القراءة المتعمقة على مستويات عدة:سيميائية، اسطورية، نفسية، جمالية وبنيوية وتاريخية. القصيدة تقدم نموذجا للشاعر المعاصر الذي يجمع بين الموروث الثقافي وعمق التجربة الانسانية ، وبين الشعر والبلاغة والفلسفة.
عبدالطيف عسيسو
امستردام / ابوظبي
● المراجع:
* MUSIQUE DE PIERRES, AbdelkhaleqJayed, L Harmattan edition .
.* قوة الأسطورة- دار الكلمة للطباعة – جوزيف كامبل