بقلم: مراد مجاهد
ليس أخطر على الأوطان من لحظة تفقد فيها المؤسسات هيبتها الرمزية قبل أن تفقد صلاحياتها، وحين يتحول البرلمان، الذي يفترض أنه عقل الدولة ولسان المجتمع وفضاء التشريع والرقابة، إلى مسرح للتصنيفات العقائدية والنعوت المجانية والتراشق الذي يهبط بالكلمة من مستوى المسؤولية إلى مستوى الغضب البدائي، فإن الأزمة لا تعود أزمة حزب مع حزب، ولا أغلبية ضد معارضة، بل تصبح أزمة ثقة عميقة بين المجتمع والسياسة، بين الشباب والعمل العام، بين المواطن وفكرة المؤسسة نفسها، لأن الناس قد تختلف حول البرامج والمرجعيات والتوجهات، وقد تعارض هذا الحزب أو ذاك، وقد تسخر من السياسيين جميعًا، لكن حين تصل الأمور داخل قبة دستورية إلى تبادل أوصاف من قبيل “شيعة” و“شيوعيين” واتهامات تمس الانتماء الرمزي والعقدي للأطراف السياسية، فإن السؤال يصبح أكبر من الواقعة نفسها: هل هذا فعلًا هو المستوى الذي يراد للأجيال الجديدة أن تحترمه وتؤمن به وتنخرط فيه؟
ثم بأي وجه سيخرج السياسيون بعد ذلك للحديث عن “إعادة الثقة في السياسة” و“تشبيب الأحزاب” و“إدماج الشباب” و“المشاركة المواطنة”، بينما الشاب المغربي الذي يتابع جلسات البرلمان لا يرى نقاشًا عموميًا راقيًا حول التعليم والصحة والبطالة والكرامة والعدالة الاجتماعية، بل يرى مشادات، وصراخًا، ومزايدات، وتوظيفًا للهوية والمذهب والانتماء الفكري كأن البلاد في حلبة صراع هوياتي لا في مؤسسة تشريعية يفترض أنها تمثل كل المغاربة؟ كيف سيقتنع شاب يكدح يوميًا وسط الإحباط بأن السياسة أداة بناء لا أداة تصفية حسابات، وهو يرى من يفترض أنهم “نخب الأمة” يتبادلون أوصافًا لو صدرت في مقهى شعبي لقيل إنها نتيجة انفعال عابر أو جهل سياسي؟
المشكلة ليست في الاختلاف، فالاختلاف روح السياسة، ولا في حدة النقاش، فكل برلمانات العالم تعرف سجالات عنيفة، بل حتى الشتائم أحيانًا، لكن هناك فرقًا بين برلمان يغضب دفاعًا عن مصالح الناس وبرلمان ينحدر إلى العبث الرمزي واستدعاء القاموس المذهبي لتصفية الخصومات السياسية، لأن اللعب بالدين والهويات داخل المؤسسات أخطر من اللعب بالنار، ولأن تحويل الانتماءات العقدية إلى أدوات للسخرية أو التحقير يضرب في العمق فكرة التعايش السياسي نفسها، خصوصًا في بلد له ثوابته الدينية الواضحة وتاريخه الخاص وحساسيته تجاه كل ما يمكن أن يزرع الفتنة الرمزية بين أبنائه.
ثم أي رسالة تُرسل للمغاربة حين يصبح رئيس جلسة، المفروض فيه أن يكون حارسًا لهيبة المؤسسة وضابطًا لإيقاعها، طرفًا في التراشق بدل أن يكون فوقه؟ وأي صورة تبقى للمؤسسة حين يتحول من يفترض فيه أن يطفئ التوتر إلى جزء منه؟ هنا تحديدًا يبدأ الانهيار الصامت لهيبة السياسة، ليس حين يختلف الناس، بل حين تفقد المؤسسات قدرتها على إنتاج الاحترام حتى وسط الاختلاف.
صحيح أن الحصانة البرلمانية وُجدت لحماية حرية التعبير، لكن الحصانة ليست رخصة للانفلات، وليست تفويضًا أخلاقيًا لتحويل القبة التشريعية إلى مساحة للتنابز والتلميحات العقائدية، وإلا فما الفرق بين مؤسسة دستورية وبين أي ساحة صراخ مفتوحة؟ فالديمقراطية ليست فقط صناديق اقتراع ونقلًا مباشرًا للجلسات، الديمقراطية أيضًا أخلاق خطاب، وانضباط لغة، واحترام لذكاء الناس، لأن الكلمة حين تنحط داخل المؤسسات، تنحط السياسة كلها معها.
والأخطر من الواقعة نفسها هو الاعتياد عليها، ذلك التصفيق البارد لهذا الانحدار، وذلك التبرير الكسول الذي يختبئ وراء عبارة “السياسة فيها هكذا”، كأن الرداءة قدر، وكأن على المواطن أن يتعايش مع العبث، وكأن الشباب مطالب بأن يحلم بالمشاركة داخل فضاء يقتل الحلم فيه على الهواء مباشرة، لأن الشباب لا ينفر من السياسة فقط بسبب الفقر أو البطالة، بل ينفر أيضًا حين يشعر أن السياسة فقدت معناها الأخلاقي وتحولت إلى مباراة في الضجيج والاستعراض والانفعال.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لبلد ليس أن تختلف أحزابه، بل أن تسقط هيبة الكلمة داخله، لأن الأمم لا تبنى فقط بالقوانين، بل أيضًا باللغة التي تُدار بها خلافاتها، وحين تصبح اللغة السياسية فقيرة، غاضبة، مستهترة، فإنها تنتج بالتدريج مواطنًا فاقد الثقة، وشبابًا ساخرًا من كل شيء، ومجتمعًا يرى في المؤسسات مجرد مسرح كبير لا أكثر، وعندها لا يعود السؤال: من ربح السجال؟ بل: ماذا بقي من صورة السياسة أصلًا؟