تتجه الأقاليم الجنوبية للمملكة نحو تعزيز حضور الشباب في الحياة السياسية والمؤسسات المنتخبة، في سياق دينامية تنموية ومجالية متواصلة وإصلاحات تشريعية وانتخابية تروم تجديد النخب وتمكين هذه الفئة من أدوار أكبر في اقتراح السياسات العمومية والمساهمة في صناعة القرار.
ويرى فاعلون وباحثون في الشأن السياسي والتنموي أن الرهان لم يعد مقتصراً على رفع مستوى مشاركة الشباب في الاستحقاقات الانتخابية، وإنما يتجاوز ذلك إلى تحويل هذه المشاركة إلى تمثيلية مؤسساتية مؤثرة، تتيح للشباب الإسهام في تدبير الشأن العام والترافع عن قضايا مناطقهم على المستويات المحلية والجهوية والوطنية.
وفي هذا الصدد، أوضح بوبكر حمداني، رئيس مركز التفكير الاستراتيجي والدفاع عن الديمقراطية بالعيون، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة أصبحوا يحظون بمكانة متقدمة ضمن المنظومة التشريعية الجديدة، التي تهدف إلى تسهيل ولوجهم إلى المؤسسات التمثيلية، سواء عبر الأحزاب السياسية أو من خلال الترشح بصفة غير منتمٍ.
وأشار حمداني إلى أن المشرع أقر تحفيزات مالية مهمة لفائدة هذه الفئة، تتيح للدولة تغطية ما يصل إلى 75 في المائة من مصاريف الحملة الانتخابية للشباب، وفق الضوابط القانونية المعمول بها، معتبراً أن هذه المقتضيات توفر شروطاً أكثر ملاءمة أمام الراغبين في خوض غمار الاستحقاقات الانتخابية.
وتكتسي هذه التدابير، بحسب المتحدث، أهمية خاصة في الأقاليم الجنوبية، بالنظر إلى مستويات المشاركة المسجلة بها خلال انتخابات 28 شتنبر 2021، حيث بلغت نسبة المشاركة بجهة العيون الساقية الحمراء 66.94 في المائة، مقابل 58.30 في المائة بجهة الداخلة وادي الذهب.
واعتبر حمداني أن هذه الأرقام تعكس وجود رصيد مهم من المشاركة الانتخابية يمكن البناء عليه، غير أن التحدي المطروح أمام الشباب يتمثل في الانتقال من مجرد الحضور في العملية الانتخابية إلى تحقيق تمثيلية مؤسساتية فعلية، وإنتاج قوة اقتراحية قادرة على الترافع بفعالية والمساهمة في بلورة القرار على مختلف المستويات.
ويرى رئيس مركز التفكير الاستراتيجي والدفاع عن الديمقراطية بالعيون أن الإصلاحات التشريعية الجديدة تضع الأحزاب السياسية بدورها أمام مسؤوليات أكبر، بعدما لم يعد دعم ولوج الشباب إلى الانتخابات مقتصراً على التحفيزات المالية، بل امتد إلى الحياة التنظيمية للأحزاب، من خلال اشتراط ألا تقل نسبة الأعضاء المؤسسين الذين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة عن خمس مجموع الأعضاء في التنظيمات الحزبية الجديدة.
وأضاف أن تبسيط شروط تقديم لوائح الشباب غير المنتمين من شأنه أن يوسع هامش مشاركتهم، لكنه شدد في المقابل على أن نجاح هذه المقتضيات يظل مرتبطاً بانفتاح حزبي فعلي على الطاقات الشابة، والبحث عن الكفاءات وتأهيلها ومنحها تزكيات حقيقية، على أساس النزاهة والكفاءة والقدرة على الإسهام في التنمية الترابية.
وفي السياق ذاته، أكد الباحث المهتم بالشأن السياسي والتنموي بالأقاليم الجنوبية، الطالب بويا زايدنا ماء العينين، أن تعزيز انخراط الشباب في الحياة السياسية يتطلب ابتكار آليات عملية تضمن مشاركتهم الفعلية في صياغة السياسات العمومية، بما يسهم في إعادة بناء الثقة بينهم وبين المؤسسات المنتخبة.
وشدد ماء العينين على أن الاستجابة لتطلعات الشباب تقتضي جعل المؤسسات المنتخبة أكثر انفتاحاً على انتظاراتهم، خصوصاً في مجالات التشغيل والتعليم والثقافة والرياضة، إلى جانب دعم ريادة الأعمال ومشاريع التنمية المستدامة، باعتبارها مجالات ترتبط بشكل مباشر بانتظارات هذه الفئة ودورها في الدينامية التنموية.
ودعا الباحث إلى مأسسة المشاركة الشبابية في مواقع القرار ومجالات التدبير اليومي، من خلال التأهيل والتأطير المستمرين، وإعادة بناء جسور الثقة في العمل الحزبي والسياسي عبر تشجيع الانخراط الميداني الفعلي، بما يسمح بانتقال الشباب من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل في تدبير الشأن العام.
كما اعتبر أن إشراك شباب الأقاليم الجنوبية يقتضي تمكينهم من الاضطلاع بأدوار وازنة داخل المجالس المنتخبة، بما يتيح لهم المساهمة المباشرة في إعداد السياسات العمومية وتتبعها وتقييمها، فضلاً عن إبداء الرأي وتقديم المقترحات بشأن تدبير المالية الترابية.
وأكد، في السياق نفسه، أهمية إشراك الشباب وهيئات المجتمع المدني، بشكل شفاف وفعّال، في آليات التشاور والحوار التابعة للجماعات الترابية، بما يعزز مساهمتهم في إعداد برامج التنمية المحلية والجهوية وتتبع تنفيذها، وفق مبادئ الحكامة الرشيدة والديمقراطية التشاركية.
وتتجه آفاق المشاركة السياسية للشباب في الأقاليم الجنوبية، وفق هذه الرؤية، نحو مقاربة أكثر شمولاً تجمع بين الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية، بما فيها القوانين المنظمة للأحزاب وآليات الدعم المالي، والتمكين الترابي من خلال ورش الجهوية المتقدمة والمجالس المنتخبة، إلى جانب التكوين السياسي والمدني، وتعزيز أدوار المجتمع المدني، والاستثمار في الوسائط الرقمية باعتبارها إحدى الرافعات الجديدة للمشاركة والتواصل السياسي.