من البنبوية إلى لذة النص “رحلة رولان بارت في تقويض المفاهيم النقدية الكلاسيكية”

بقلم : عبداللطيف عسيسو

توفي الناقد والفيلسوف الفرنسي الشهير رولان بارت في 26 مارس 1980 , إثر حادثة سير، ومن المفارقات المأساوية للقدر أن حياته انتهت على الطريق بسبب تلك الوسيلة الساحرة للنقل —السيارة— التي كان قد شبّهها ذات مرة بكاتدرائية قوطية، باعتبارها منتجاً رمزياً لثقافة القرن العشرين. لم يكن بارت يندرج تحت فئة “كاثوليكي، متزوج، وحاصل على شهادات علمية مرموقة” (catholique, marié et bien diplômé)؛ وهي المواصفات التي كانت تليق -كما أشار هو نفسه بتهكم- بالبرجوازي المحترم. بل على العكس تماماً ،فقد وضع نفسه باستمرار -أيديولوجياً ونفسياً- على الهامش، وتحديداً في صفوف اليسار. ولم يحظَ بالتكريم الرسمي إلا في عام 1977، حين شُغل كرسياً في علم العلامات (السيميولوجيا) في “كوليج دو فرانس” (Collège de France) المرموق. 

لقد ترك نبأ وفاة بارت أثراً عميقاً في عالم النقد الأدبي؛ وهو أمر مبرر تماماً، إذ ظل بارت لسنوات عديدة شخصية لا يمكن تجاهلها، سواء داخل الحياة الفكرية الفرنسية أو خارج حدودها. وبصفته متأثراً بأفكار بريخت وماركس ودي سوسير وفرويد، فقد ترك بصمته على النقد الأدبي والمشهد الفكري في حقبة الستينيات من خلال دراساته البنيوية والسيميائية العديدة. بدأت هذه المسيرة مع كتاب *درجة الصفر في الكتابة* (*Le degré zéro de l’écriture*، 1953، الذي يظهر فيه بوضوح تأثير ماركس وسارتر وبريخت —إذ كانت عروض فرقة “برلينر أنسامبل” في باريس بمثابة صدمة كاشفة ومُلهمة لبارت—؛ فبالنسبة له، تُعد الكتابة نشاطاً سياسياً؛ إنه نتاج تاريخ محدد ومشحون أيديولوجياً؛ كما أن تطور الأدب والأساليب الأدبية المتنوعة محكوم بعوامل اجتماعية واقتصادية. وقد ظل هذا المنظور الماركسي-البنيوي يشكّل، إلى حد كبير، أعمال بارت اللاحقة. وينصبّ التركيز مراراً وتكراراً على الطبيعة المصطنعة لجميع أنظمة العلامات —بما في ذلك اللغة— وعلى الكيفية التي تعمل بها العلامات داخل المجتمع لا من منظور المحاكاة، بل من منظور سيميائي. ويبرز شعار “تقويض طبيعية العلامة” (battre en brèche la naturalité du signe) كخيط ناظم يربط بين عدد من دراساته الثقافية والفلسفية: بدءاً من مساهماته العديدة في مجلة *Tel Quel* التي كانت رائدة ومجددة في ذلك الحين، ووصولاً إلى مجموعته الصادرة عام 1957 بعنوان*Mythologies* (أساطير معاصرة)، التي تناول فيها بوضوح وجلاء مظاهرَ شتى من ثقافتنا —مثل السيارة (!)، والتنجيم، والرياضة، وما إلى ذلك

تم تحليلها؛ وأخيراً، هناك كتابا *عناصر السيميولوجيا* (1965) و*نظام الموضة* (1967)، اللذان يُكشف فيهما النقاب عن الأيديولوجيا الطبقية الكامنة في مجلات النساء.

ومن ناحية أخرى، يبدو تأثير فرويد جلياً بشكل خاص في دراساته النقدية الأدبية، وإن كان لا يختلف في جوهره كثيراً عن نقده للأيديولوجيا. ويبدو أن بارت -الذي فقد والده في سن مبكرة جداً- كان يبحث عن “أبٍ” آخر يحدد هويته في مواجهته ومعارضته؛ إذ ينطبق هنا مبدأ “يجب قتل الأب”. وقد أطلق بارت لاحقاً اسماً على هذه الشخصية: *الدوكسا* (doxa)؛ وهي مجموع الأفكار الراسخة والموروثة والجامدة والجاهزة التي تشكّل حياة المواطن البرجوازي بوصفها حقائق بديهية، مما يخلق نوعاً من “عبادة” لما يُعتبر “أمراً مفهوماً ضمنياً” أو “مسلّمة لا تحتاج إلى بيان”. وعند قراءة سيرته الذاتية *رولان بارت بقلم رولان بارت* (التي نُشرت عام 1975 عن دار “سوي” ضمن سلسلة “كتّاب خالدون“)التي تناولتها من قبل ، قد يتكون لدى القارئ انطباع بأن هذا الموقف المناهض للأفكار السائدة (أو المناهض للدوكسا) قد تحول هو نفسه إلى نوع جديد من *الدوكسا* بالنسبة لبارت.

يظهر التأثير الفرويدي بوضوح لأول مرة في دراسته المهمة -وإن كانت أقل شهرة- بعنوان *ميشليه بقلمه* (1954)؛ وهو عمل يطبّق ببراعة منهج النقد التحليلي النفسي المرتبط بالمدرسة الفرنسية في تلك الحقبة (باشلار، ومورون، وريشار). وبالنسبة للناقد المهتم، تظل هذه الدراسة نموذجاً رائعاً للتحليل الموضوعاتي (أو الثيماتي) لمجمل أعمال الكاتب، حيث يُنظر إلى هذه الأعمال بوصفها شبكة منظمة من الهواجس.

ومع ذلك، ظل اسم “بارت” مرتبطاً في المقام الأول بنسخة معاصرة من “سجال القدماء والمحدثين” الذي دار في ستينيات القرن العشرين. قد يبدو ذلك اليوم أمراً مضى عليه زمن طويل وانتهى… ولكن عند التأمل فيه بعمق أكبر —وهو ما يحدث عادةً بعد انقضاء الحدث— يتضح أن هذه القضية لا تزال ذات صلة مدهشة بالواقع الراهن. فما كان جوهر ذلك السجال؟ لقد تمحور حول راسين، وحول المؤسسة الجامعية، وحول نمطين من النقد الأدبي.

بدأ النقاش مع كتاب “عن راسين” (Sur Racine) الصادر عام 1963: لم يكن مجرد دراسة أكاديمية مطولة أخرى من النمط الجامعي التقليدي، بل مجموعة من المقالات المشحونة أيديولوجياً تتناول —من بين أمور أخرى— موضوعات مثل “راسين الانسان” و”التاريخ أم الأدب؟”. وكان ذلك كافياً لدفع ريمون بيكار —الباحث والأستاذ الجامعي المرموق بجامعة السوريون المتخصص في أعمال راسين— إلى التصدي للأمر دفاعاً عما اعتبره “مقدس المقدسات”. وقد ضمن الهجوم المباشر الذي شنه بيكار (في كتابه “نقد جديد أم خدعة جديدة”، 1965) ورد بارت عليه (في كتابه “النقد والحقيقة”، 1966) أن يصبح الأخير معروفاً لدى جمهور أوسع. انقسم النقاد بين مدافع عن النقد الأكاديمي ومعارض له، أو بين مؤيد للنقد التفسيري ومناهض له؛ ففي حين يدعو البعض —على نهج بيكار— إلى ما يُعرف بالمنهج الموضوعي في مقاربة العمل الأدبي، يرى آخرون —في محيط بارت— أن مهمة الناقد تكمن في تفسير العمل الأدبي وتقييمه انطلاقاً من وجهة نظر سياسية وفلسفية معلنة وصريحة (مثل الماركسية أو الفرويدية…).

تحالف بارت مع شخصيات متنوعة مثل سارتر (سان جينيه)، وغولدمان (الإله المختبئ)، وش. مورون (اللاوعي في أعمال وحياة راسين)، وباشلار، وجان فيليب ريتشارد (الأدب والإحساس). على أي أساس؟ على أساس أنهم، كلٌّ على طريقته، لم يدّعوا تحليلًا موضوعيًا محايدًا باردًا علميًا، بل على العكس، صرّحوا بمواقفهم بوضوح ولم يسمحوا لأنفسهم بالانقياد للحقيقة البديهية (الرأي السائد) القائلة بأن الأدب هو تعبير عن مشاعر وأفكار الكاتب (سيرة ذاتية من نوع لانسون). لم يكتفِ بارت بهذه “الأدلة”. بل سعى إلى بنى أعمق، مشحونة أيديولوجيًا، تجعل الأنماط المعقدة للعمل الأدبي مفهومة وبصيرة. ومن ثم، فقد أُطلق على نقده التفسيري صفة “البنيوي” (راجع مقالاته الشهيرةL’activité Structureiste، 1963، و“Introduction à l’analyse Structurele des récits، 1966). ولم يصمت المنظرون. كتب دوبروفسكي كتابه «من أجل النقد الجديد؟» (1966)، بعنوان فرعي مهم «النقد والموضوعية». ساعد بيير دايكس بارت بدراسته الماركسية «النقد الجديد والفن الحديث» (1968)، وانتهت «الكريل» في الندوة السيئة السمعة في سيريسي لا سال بنشر كتاب «المناهج الفعلية للنقد» (1968)، الذي حرره جورج بوليه. وبذلك تم وضع نهاية لفصل مضطرب من أعمال بارت.

يبدو أن أحداث مايو 1968 قد أحدثت، في نهاية المطاف، تحولًا في مسار أعماله. لم يكن الأمر يتعلق بانتصار نقدٍ رائجٍ آنذاك للأيديولوجيا. فلو انساق بارت مع التيار، لما كان هو بارت. بل كان محاولةً لوضع الخيال في موقع القوة في مواجهة العمل الأدبي. مفاهيم مثل “النص المتعدد” و”القراءة المتعددة” تتبلور الآن بشكل أوضح. وتجد هذه المفاهيم تطبيقها في دراسةٍ بارعةٍ بعنوان “S/Z” (1970) حول رواية بلزاك القصيرة “ساراسين“. هنا، يقدم بارت للقارئ مثالًا رائعًا، وإن كان للأسف فريدًا من نوعه، على الطرق التي تتجلى بها الخفايا

تتكشف معاني النص أثناء عملية القراءة، تتابعاً تلو الآخر. إنها ليست عملية “شرح للنص” (explication de texte) تقليدية تقوم على فكرة أن للنص معنىً مركزياً واحداً يجب على الناقد محاولة استخلاصه للقارئ؛ ففي نظر بارت -وهنا يستند مجدداً إلى اللسانيات السوسيرية– لا وجود لمثل هذا “المعنى الحقيقي”. إذ لا يوجد “مدلول” (signifié) نهائي يكمن خلف “الدوال” (signifiants) المتعددة للنص. بل يستمد النص قيمته ومعناه من الفرصة التي يتيحها للقارئ لإعادة كتابته بنفسه. ووفقاً لبارت، فإن أفضل النصوص هي تلك التي يمكن إعادة كتابتها مراراً وتكراراً، إلى ما لا نهاية.

هذا فيما يتعلق بالجانب النظري. أما من الناحية العملية، فالأمر يختلف نوعاً ما. فالشفرات الخمس التي حاول بارت -بمشاركة الحاضرين في حلقته الدراسية- استخدامها لفك رموز نص بلزاك (وهي نسخة بنيوية لسلسلة الأسئلة البلاغية القديمة: *Quis, cur, quomodo*…؟)

في قصة “ساراسينلبلزاك، يوظّف رولان بارت أسئلة “من” (quis) و”لماذا” (cur) و”كيف” (quomodo) لاستكشاف شغف النحّات القاتل بالمغني المخصي “زامبينيلا“؛ إذ يعمل هذا المنهج على تفكيك الحبكة للكشف عن الصراع بين السعي وراء المثال الفني والواقع الخادع.

غالباً ما تشكل عقبةً مستعصيةً (أو “مربط الفرس” الشائك) بدلاً من أن تكون مفتاحاً للحل بالنسبة للناقد الأدبي الذي لا يتمتع ببراعة فائقة. ونتيجة لذلك، فإن الجاذبية التي يمارسها عمل مثل *S/Z* تتناسب -إن جاز التعبير- تناسباً عكسياً مع قابلية تطبيق “منهج” بارت؛ ذلك المسار الشخصي العميق الذي يُسلك حول النص واستجابةً له.

واصل بارت السير في هذا المسار الشخصي، فأنتج نصوصاً مجزأةً ومتقنةً لا تُضاهى، مستوحاةً من أعمال أخرى، مثل: *Sade, Fourier, Loyola* (1971)؛ و*Le Plaisir du texte* (1973) –الذي يُعد بمثابة “كاماسوترا” أدبية، إن صح التعبير-؛ وأخيراً، كتاب*Fragments d’un discours amoureux* (1977) الذي رُتّبت نصوصه أبجدياً -ولمَ لا؟-. إنها نصوص لا ينبغي تشريحها، بل قراءتها وتذوّقها والاستمتاع بها.

لا شك أن رولان بارت كان منظِّراً ثقافياً مرموقاً وناقداً أدبياً مُلهِماً؛ لكنه كان، قبل كل شيء، بارعاً في تطويع اللغة وقارئاً موهوباً؛ قارئاً ينهل من تراث ثقافي غني، وفي الوقت نفسه يقرأ بقلبه وبكل ذرة من كيانه، ويستمد “المتعة” من تلك القراءة. ولذا، فإنني أقبل بكل سرور ما يصاحب ذلك وما صدر منه من “مصطلحات تخصصية“.

عملت الرحلة الفكرية لرولان بارت على تفكيك العقائد الجامدة من خلال كشف كيف تُلبِس الثقافةُ واللغةُ والأدبُ البُنى الاجتماعية التاريخيةَ ثوبَ الحقائق الطبيعية الثابتة. وفي انتقاله من السيميائية البنيوية إلى رحابة ما بعد البنيوية، استبدل بارت -بشكل منهجي- السلطة المطلقة للمؤلف بتعددية تأويلات القارئ الفاعل. حيث كشف أساطير الحياة اليومية: وفضح الأيديولوجيا؛ إذ بيّن كيف تحوّل العلامات اليومية -في مجالات كالإعلانات والمصارعة والصحافة- قيمَ الطبقة الوسطى إلى بديهيات عالمية. وتفكيك التاريخ؛ حيث أثبت أن الأساطير الثقافية تجرّد الأحداث التاريخية من سياقها السياسي الحقيقي لتُضفي على الوضع الراهن طابع الديمومة والحصانة ضد المساءلة. ثم عمل على الانتقال من “العمل” إلى “النص”:”موتالمؤلف”؛ حيث جادل بأن النص لا يحمل معنىً واحداً صحيحاً وضعه مبدعه. واحتفى ب”ميلاد القارئ”؛ إذ لا يولد المعنى إلا حين يتفاعل القارئ مع الفضاء المتعدد الأبعاد للغة ذاتها. والتعددية؛ حيث لا يمكن حصر النص أو فك شفرته بالكامل عبر أي منهج نقدي واحد ،ثم انتقل الى احتضان متعة النص و متعة القراءة؛ إذ ركّز في مرحلة متأخرة من مسيرته على المتعة الجسدية والعاطفية التي يمنحها النص (le plaisir du texte). ورفض الحسم النهائي؛ إذ قدّر وفضل الانطباعات غير المستقرة والمجزّأة والمتغيرة أكثر من الأحكام الأكاديمية الجافة والنهائية.

تعليقات (0)
اضافة تعليق