وسط حضور جماهيري غفير “ربيع المسرح بتارودانت” يسدل الستار على دورته الرابعة

الطاهر الطويل

تحت سقف الإبداع، التقى في مدينة تارودانت على مدى خمسة أيام، ثلّة من الفنانين المسرحيين والباحثين والنقاد والإعلاميين، من أجل الاحتفاء بأبي الفنون وكذا بمكرّمي الدورة الرابعة من مهرجان “ربيع المسرح”، وعلى رأسهم قيدوم المسرحيين، الفنان الكبير محمد التسولي، تقديرًا لمساره الحافل، رفقة الإعلامي القدير، ابن مدينة تارودانت البار، أحمد أكليكم المدير السابق لمحطة “عين الشق” الإذاعية والتلفزيونية الجهوية. وتواصل التكريم عبر لقاء مفتوح مع الكاتب علي الداه، وتجددت ثقافة الاعتراف في حفل اختتام المهرجان بتكريم الفنان الروداني المبدع الخطاط والرسام أحمد المعتصم.

فرجات متنوعة

ما بين حفلي الافتتاح والاختتام، كان الموعد مع فرجات من التراث المغربي، من فن الدقة الرودانية والكريحة إلى ايقاعات كناوة، مرورًا برقصات أحواش و تاسكوين، حيث لوحظ الحضور القوي لمواهب شباب الإقليم وحرصهم على استمرار الفنون الأصيلة جيلا بعد جيل. وقد ساهم وجود الفنان عبد الله ديدان والفنانة السعدية لاديب اللذين توليا تقديم فقرات حفلي الافتتاح والاختتام، في إضفاء تميز خاص على هذه التظاهرة الفنية التي حضرها مسؤولون بارزون من الإقليم، ونجوم الخشبة فضلاً عن العديد من أبناء مدينة تارودانت.
وامتلأت القاعة الكبرى للمركز الثقافي لمدينة تارودانت بالجمهور من مختلف الأعمار، ذكورًا وإناثًا، الذي تفاعل كثيرًا مع العروض المسرحية بإعجاب كبير، ويتعلق الأمر بمسرحية “قطيب الخيزران”، التي تعيد بعث أسطورة حب وصراع خلال فترة الاحتلال الفرنسي. من خلال حكاية تقوم على ثنائية التوتر بين الطموح الفردي والاستبداد الأبوي، وهي من إخراج الفنان عبد الله ديدان، حيث يقدم العمل رؤية فنية تستند إلى خبرة مخرجها الطويلة في التمثيل والإخراج، وتستثمر الإمكانات التعبيرية للخشبة ولثلة من الممثلين المحترفين في بناء فرجة مسرحية تستهدف مختلف فئات الجمهور.
كما قُدّمت مسرحية “مايد إن موروكو” لفرقة الشهاب المسرحية، من إخراج سعد التسولي. ويعد هذا العرض من الأعمال التي تراهن على مساءلة الواقع المغربي من خلال قصة مواطنين مغربيين بكل معنى الكلمة، تم اعتقالهما بسجون مرتزقة البوليساريو بتهمة أنهما مغربيان فقط. بأساليب فنية تجمع بين السخرية والنقد الاجتماعي، مستثمرةً طاقات الأداء الجماعي والبعد الفرجوي الذي اشتهرت به الفرقة.
وعُرضت كذلك مسرحية “عظم السما”، من إخراج يونس رونا، مقدمة مقاربة جمالية وفنية خاصة تراهن على لغات العرض المختلفة، من أجل الغوص في قضايا الإنسان والوجود بأسلوب إخراج معاصر. حيث تتشابك الخلافاتُ العائليةُ مع صراع السلطة والعاطفة وضغط الزمن الذي لا يرحم، تتحول ليالي الاحتفال إلى اختبارٍ حقيقي للكرامة، للحب، ولإرادة الجماعة في مواجهة الخوف.

تحديات جسام

وشكّلت الكلمة التي ألقاها الفنان محمد حمزة، مدير المهرجان ورئيس مؤسسة “مسرح الأفق”، خلال افتتاح الدورة، مناسبةً لإبراز مكاسب هذه التظاهرة الفنية، وكذا للوقوف عند بعض إكراهاتها، حيث قال: “إن بلوغنا هذه المرحلة لم يكن يسيرًا، فقد واجهنا وما زلنا نواجه تحديات جسيمة لضمان هذه الاستمرارية. واليوم، ونحن بصدد تحويل هذه التظاهرة إلى مشروع ثقافي مستدام يتوج حصيلة أنشطتنا السنوية، نجدد العزم على مواصلة مسار العمل الثقافي الجاد. وهو مسار يرتكز على الإنتاج، والترويج، والتكوين، وصولاً إلى ترسيخ حقيقي لمفهوم الصناعة الإبداعية عبر منظومة أنشطة متكاملة، يشكل مهرجان “ربيع المسرح” ركناً أساسياً من أركانها.”
وأوضح محمد حمزة أنه “في خضم هذا المسار الاستراتيجي، تظلّ رؤيتنا متجذرة بعمق في بيئتنا الحاضنة”، وتابع: “إننا نولي اهتمامًا بالغًا الطاقات المحلية، إيمانًا منّا بأن أيّ إشعاع وطني لا يستقيم إلا بتثمين كفاءاتنا المحلية. ويتجلى هذا التوجه بوضوح من خلال احتضاننا ودعمنا للمسرح المدرسي ومسرح الشباب، وحرصنا المستمر على تكريم رواد الإبداع الروداني، فضلاً عن سعينا الدؤوب لاستحضار غنى التراث المحلي وإدماجه كرافد أصيل يغذي هويتنا الفنية.”
واستطرد قائلا: “إن بوصلتنا في كل ما ننجزه هي النية الخالصة والشفافية المطلقة. نحن نؤمن إيماناً راسخاً بأن التدبير المالي للمشروع الثقافي هو أمانة أخلاقية وتكليف مسؤول قبل أن يكون مجرد التزام إداري؛ لذا نحرص، بكل حكامة ونزاهة، على التنزيل الأمثل لمواردنا، جاعلين من كل دعم أثراً ملموساً يخدم الفعل المسرحي بصدق، ومؤسسين لثقافة المحاسبة الذاتية الصارمة قبل المحاسبة المؤسساتية. غايتنا الفضلى هي تحقيق الجودة وبلوغ الأهداف المتوخاة، بمنأى عن أي تجاذبات أو مزايدات.”

تكريس ثقافة الاعتراف

وتكريسًا لثقافة الاعتراف التي دأب عليها المهرجان منذ تأسيسه، شهدت الدورة الرابعة تكريم الإعلامي أحمد اكليكم، ابن مدينة تارودانت، كالتفاتة لاسم استطاع أن يشكل حلقة وصل استراتيجية بين التوثيق الإعلامي والفعل المسرحي والفني، من خلال دعمه الميداني للإنتاجات الدرامية، وتأمين المواكبة الإعلامية للتظاهرات الكبرى، كمسؤول سابق عن إدارة المحطة الجهوية للإذاعة والتلفزية بالدار البيضاء فضلاً عن مشاركته كعضو فاعل في لجان تحكيم مهرجانات وطنية وعربية متخصصة.
كما جرى تكريم الفنان المسرحي القيدوم محمد التسولي الذي جمع طيلة مساره الفني الذي يناهز الستين عاما، بين التأليف والإخراج والتمثيل، مثلما أكدت ذلك الشهادة التي ألقيت في حقه من طرف المخرج والباحث المسرحي عبد المجيد فنيش.
وتواصل الاحتفاء بمحمد التسولي، من خلال المائدة المستديرة التي أقيمت في الكلية متعددة التخصصات لتارودانت، حول تجربة فرقة الشهاب المسرحية. وعرف اللقاء الذي أداره الفنان عمر الجدلي، مشاركة الكاتب المسرحي المسكيني الصغير والباحث عبد السلام الحيابي، حيث أمكن الغوص في خصوصيات مسار المحتفى به وإبراز مزاوجته بين الاقتباس والتأليف في الكتابة المسرحية، كما توقف المتحدثون عند جهوده النضالية في المسرح ضمن النقابة الوطنية لمهنيي الفنون الدرامية.
ضمن الأجواء التكريمية نفسها، أُقيمَ لقاءٌ مفتوح مع السيناريست والكاتب المسرحي علي الداه، أداره الإعلامي والأديب الطاهر الطويل، حيث قدّم الباحث البشير إركي ورقة حول رواية “طابا جون” بالنيابة عن الكاتب والفنان إبراهيم الهنائي، وأبرزت مداخلات الحاضرين ما يتسم به مسار علي الداه من تحديات للصعاب وكذا ما يميّز نصوصه الإبداعية من جرأة في تناول قضايا الهامش.
وتضمن برنامج حفل اختتام المهرجان تكريم الخطاط والتشكيلي أحمد المعتصم، حيث ألقى الفنان محمد حمزة شهادة عنه، سلط فيها الضوء على تميز تجربته في الرسم والزخرفة والخط العربي وإعادة تشكيل جماليات الخط المغربي وعكوفه على إنجاز بحث تكاملي يربط بين علم اللون والفن الجمالي وعلم النفس التحليلي.

المسرح الأمازيغي

واستمرارًا للنقاش الفكري الذي يتيحه “ربيع المسرح بتارودانت”، التأمت ندوة حول “المسرح الأمازيغي” أدارها الباحث الأكاديمي الدكتور محمد جلال أعراب، وشارك فيها الباحثون: الدكتور عز الدين بونيت والدكتور عمر إدثنين والأستاذ محمد بلقايد، حيث توقف بونيت عند إشكالية التسمية المرتبطة بالمسرح الأمازيغي والتي اعتبرها في حاجة إلى إعادة تمحيص، ليشدد على ضرورة النظر إلى المسرح المغربي كونه ينمو في إطار تربة ثقافية تتسم بتنوع ثقافي غض، وأن المسرح الأمازيغي جزء من هذا التنوع. أما إدثنين فقدم تشخيصا وقراءة في حصيلة تجربة المسرح الامازيغي بسوس، منطلقا من الفرجات الشعبية المحلية، لينتقل إلى إبراز جهود عدد من الجمعيات الثقافية في هذا المجال. وتمحورت مداخلة بلقايد حول موضوع “من فرجة إمعشار الى العرض المسرحي المعاصر”، حيث اقترح مجموعة من الإجراءات المتعلقة بالممثل والجسد وإمكانياته التعبيرية، فضلاً عن الكتابة المسرحية.

براعم الأفق

في لحظة فنية مفعمة بالبراءة والصدق، عاش جمهور المهرجان تجربة مسرحية استثنائية مع أطفالنا الموهوبين “براعم الأفق”، من خلال تقديمهم لعرضهم الركحي العميق “محاكمة افتراضية”. من تأليف مصطفى سعيدي
تحت اشراف الفنان الأستاذ بشير إركي، أبان هؤلاء الأطفال عن طاقات أدائية مبهرة، وشغف حقيقي يسكن أرواحهم، وحب خالص لـ”أبي الفنون”، محوّلين خشبة المسرح إلى فضاء ينبض بالحياة والوعي المبكر.
واختتمت اجواء العرض بلحظات اعتراف مؤثرة؛ حيث عبّر الأطفال بكلمات عفوية وصادقة عن امتنانهم العميق لمؤطرهم، ولـ “مؤسسة مسرح الأفق”، ولفضاء المهرجان الذي احتضن أحلامهم ومنحهم مساحة للتعبير عن ذواتهم. ثم اكتملت هذه اللوحة الإنسانية بشهادات الآباء والأمهات الذين غمرتهم مشاعر الفخر والاعتزاز برؤية فلذات أكبادهم يتألقون بثقة على الخشبة، إلى جانب كلمات الإشادة والتشجيع التي قدمها أساتذتهم في المؤسسات التعليمية، والذين أكدوا على الأثر التربوي والنفسي البالغ الذي يتركه المسرح في صقل شخصية الطفل وتنمية مداركه.

مسابقة المسرح المدرسي

وفي أجواء مفعمة بالحماس والإبداع، أقيمت في المركز الثقافي بتارودانت فعاليات مسابقة المسرح المدرسي، التي تشكل أحد أبرز محطات الدورة الرابعة لمهرجان ربيع المسرح. وقد أثبتت عروض المسابقة التي شارك فيها تلامذة ينتمون إلى مؤسسات تعليمية عمومية وخاصة، أن المدرسة هي المشتل الحقيقي للفن الرصين، حيث قدم الصغار لوحات ركحية لامست قضايا مجتمعية بوعي فني ناضج، مؤكدين أن المسرح ليس مجرد خشبة، بل هو مرآة تعكس أحلام الأجيال الصاعدة.
وقد تألقت الثانوية الإعدادية الزراوي من خلال فوزها بجائزة الدورة عن مسرحية “قضية ظل الحمار” من تأطير الأستاذ محمد الزرزور، الذي أكد على أن الدورة قد شكلت من مهرجان ربيع المسرح فرصة متميزة لتبادل الخبرات وصقل مواهب التلميذات والتلاميذ. وكان لاستلام الجائزة من الرائد محمد الجم رسالة نقل المشعل من جيل لجيل.
وكانت لجنة تحكيم المسابقة مُشَكّلة من الأساتذة الفنانين: نور الدين التوامي وإدريس كرم ومصطفى مقداد.

ورشة تدريبية

وربطًا للممارسة المسرحية بالتكوين، احتضنت الدورة الرابعة من المهرجان ورشة تدريبية حول فن “الغروتيسك”، أشرف عليها الفنان والباحث الدكتور محمد جلال أعراب وشارك فيها عدد من الفنانين والشباب عشاق أبي الفنون. وقد سعت الورشة إلى تأهيل جسد الممثل لاستيعاب وأداء شخوص مركّبة ومغايرة للمألوف سواء كانت شخوصاً فانتازية، أو ذواتاً حاملة لعيوب جسدية، أو كائنات متحولة، أو شخصيات مسكونة بأفكار خرافية وأسطورية. واعتمدت المنهجية التطبيقية للمختبر على سلسلة من التمارين الرياضية والجسدية المكثفة، الرامية إلى عكس الأحاسيس الغريبة وتجسيدها حركيًا بطرق تكسّر أفق انتظار المتلقي، مرتكزة على ثالوث: المفاجأة، والدهشة والصدمة، وذلك من أجل تطويع الجسد على ممارسة المسخ والغرابة.
والجدير بالذكر أن الدورة الرابعة من “ربيع المسرح بتارودانت” نظمتها مؤسسة مسرح الأفق، خلال الفترة الممتدة من 2 إلى 6 يونيو 2026، بشراكة مع عدد من المؤسسات والهيئات المحلية والوطنية، من بينها: وزارة الشباب والثقافة والتواصل ـ قطاع الثقافة، وعمالة إقليم تارودانت، والمجلس الإقليمي لتارودانت، وجماعة تارودانت، وبتنسيق مع الكلية متعددة التخصصات بتارودانت والمديرية الاقليمية للتربية الوطنية، وبدعم من تعاونيات بلادنا “كوباك” بصفتها الراعي الذهبي للتظاهرة.

تعليقات (0)
اضافة تعليق