أخطبوط الجمع بين المناصب واغتصاب الشفافية بمجلس جهة سوس ماسة

بالواضح – مونية تازارني

تجاوزت العملية الانتخابية في كثير من الدوائر مسارها الديمقراطي الطبيعي القائم على التنافس الإيجابي حول البرامج التنموية، لتستحيل إلى استثمار مالي تجاري محتدم يُدفع فيه الغالي والنفيس؛ حيث يُضخ الملايين لشراء الأصوات وبناء شبكات النفوذ للوصول إلى الكراسي. هذا التهافت الشرس والمكلف لا يجد تفسيره في الرغبة في خدمة الصالح العام، بل في معادلة ريعية مرعبة تقوم على استرجاع تلك الأموال ومضاعفتها أضعافاً مضاعفة عبر وضع اليد على الصفقات العمومية.

وتتجلى خطورة هذا الواقع في ظاهرة الجمع بين الصفات وتعدد القبعات داخل المؤسسات التمثيلية، حيث تجد الفاعل السياسي نفسه يترأس الجماعة، ويتمتع بعضوية نافذة بالمجلس الجهوي أو الإقليمي، ويجلس في الوقت ذاته تحت قبة البرلمان. هذا الامتداد الأخطبوطي يمنح هؤلاء قدرة فائقة على ممارسة الضغط والمساومة على القطاعات الحكومية والمجالس الجهوية لجلب اعتمادات وميزانيات ضخمة باسم التنمية، ليتحول الفاعل بقدرة قادر من جالب للتمويلات إلى الآمر بالصرف (عبر موظفي الإدارة) والمتحكم المطلق في مسارات تلك الميزانيات بعد وصولها إلى خزينة الجهة.

​وفي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون مسطرة طلبات العروض هي الضامن القانوني والأخلاقي لتكافؤ الفرص والشفافية بين المقاولات، يُضرب هذا المبدأ بعرض الحائط عبر هندسة مسطرية خبيثة تحول المرفق العام إلى أداة للاغتناء غير المشروع، إذ يتم التلاعب بدفاتر الشروط وتفصيلها على مقاس شركات بعينها، إما لأنها تدور في فلك ذوي النفوذ أو ترتبط معهم بمصالح وتفاهمات خلفية، مع تسريب التقديرات المالية وإقصاء باقي المنافسين الشرفاء والمقاولات الصغرى والشابة عبر شروط تعجيزية.

هذا السلوك الريعي ينتهي بتمرير صفقات بمبالغ ضخمة لجهات محظوظة مقابل عمولات ومنافع متبادلة، مما يجهز على جودة البنيات التحتية ويُهدر المال العام في مشاريع صورية لا طائل منها، لتكتمل بذلك الدورة المفرغة لفساد الممارسة السياسية؛ حيث تُستغل السياسة كوسيلة سريعة للاغتناء وتجاوز القوانين المنظمة للمنافسة، وتُدفع عائدات هذه الصفقات المشبوهة مجدداً في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة لإعادة إنتاج السيطرة وتخليد النفوذ.

إن قطع دابر هذه الدوافع النفعية بات يتطلب حزماً صارماً يبدأ من تفعيل التنافي الحقيقي لمنع تضارب المصالح الناتج عن تراكم الصفات، وينتهي بالتدقيق الصارم للمجلس الأعلى للحسابات في مساطر الصفقات وسندات الطلب، ليكون المبدأ الناظم هو ربط المسؤولية بالمحاسبة وحماية المال العام من جشع تجار السياسة.

اترك رد