إن أكثر ما تعاني منه الأسرة اليوم هو أن الحديث عنها كثر من مختلف المجالات وأصبح التطرق إليها من كثرة الزوايا والحيثيات، منه ما اقترنت به الأسرة بالتحولات الإجتماعية، أو ما اقترنت به من الناحية الإقتصادية أو السياسية، ومرة من الناحية الأنثروبولوجية والسيكولوجية إلى غير ذلك، جيد، لكن ليس كل هذا الكلام عن الأسرة إيجابي ونافع، أو بمعنى آخر هل نحن نستفيد من دراسة ماهية الأسرة كبنية من خلال كل هذا في الجانب الذي تغيب فيه خصوصية الأسرة ووظائفها المهمة. فالمشكل أولا هو غياب النظرة التكاملية من منطلق الأصول والمرجعيات، فالأمر هو انحراف عن الأصل، وانقلاب في الوضع، وانفلات عن العامل الأساسي الذي لزم الأصول وأحكم الأوضاع، وهو النظر إلى الفقه السليم لمعالمها التي تتجلى في المكونات والسبب والمقصد والغاية، وليس تأسيس القيمة الجزئية على القيمة الكلية، بمعنى التركيز على مطاردة المواضيع التي لا تتبث على حال وتتغير بتغير الظروف والوقائع. وإهمال المبدأ الذي يكونها من ناحية التعيين والتمكين والإختيار السديد.
مفهوم الأسرة:
إن مفهوم الأسرة هو المعنى الذي يجب إدراكه على مستوى الحياة التي يسيرها منطلق الأسرة، وهي أنها أولا تتميز بتحقيق التوازن والإنسجام، إنها وبكل بساطة تأتي وتتكون من أثر إنسان اكتسب وضعا منسجما في ذاته لينسجم مع غيره، آمنا إلى نفسه يأمن إليه غيره، فيصنع على مثال نفسه عشا مما اكتسب ويبنيه ممّا أفاء الله عليه، فعقل الإنسان وعقيدته وحسّه المادي وعواطفه الغريزية كلها متجانسة متعاونة على تكوين هذه النواة. وصورتها هي الزوجة، ومركزيتها هي الأنثى.
الكيان الأنثوي:
أن يكون الرجل سيّدا على أسرته هذا لا يعني إقصاؤها من هذا الباب، فللأنثى خصوصية متزنة في إعادة النظر في كل شيء وفي كل المشاكل التي تحصل داخل الأسرة، فهي يمكن أن تمثل طوق النجاة لها، والأنثى هي التي تكونها،لأنها المتخصصة في صناعة الإنسان وبنائه، خصوصا إذا كان أصل وجود الموقع الطبيعي لها هو الداخل ـ بالبيت ـ الذي هو مركزية هذه النواة، هذا لا يعني عدم خروجها إذا استلزم الأمر، لكن المقصود هنا هو الأخذ بزمام المركزية الرئيسية وإدارتها. لأن الكيان الأنثوي هو المسؤول عن السكن والهدوء، إليه تسكن النفس وتهدأ، وهو الصفة الجمالية المرتبطة بالطمأنينة التي يركن إليها البيت، فذلك الكيان هو التمكين والتخطيط والتنظيم والإنجاز.
إذا كانت الطاقة الداخلية التي يكتسبها الإنسان تؤثر على شكله وعلى مشاعره وعلى جسده وعلى واقعه، فالمرأة إذا أقبلت على أشياء لها طاقة ذكورية كالسيطرة والتحكم والمراقبة والإنتقاد يضيع كيانها وسط كل هذا ويمكن أن تفقد البؤرة والأساس التي هي التأثير والتحصين.
فالأسرة إذا أخذناها من المعنى الإصطلاحي نجد أنها من الشدة والصلابة والقوة، وتطلق الأسرة على أسرة الرجل يعني عشيرته الذين هم تحت مسؤوليته وحمايته، فهو بهم يتقوى، ويملك الحماية عليهم، أما موطن تلك القوة وأصلها فيأتي من الداخل ليعمل بها الرجل في الخارج، وهذه تمنحها الأنثى له من منطلق الرعاية، فهي فقط ترعى ولا تحمي، فالرعاية في الداخل والحماية في الخارج، فالمختص بالباطن يساعد المختص بالظاهر، والمختص بالظاهر يحمي ظهر المختص بالباطن، فكيان الأنثى هو طاقة استقبال وليس إرسال، يعني استيعاب وتفهم واحتواء لخصوصية أفرادها.
الخطاب الأنثوي:
إن محاولة البحث عن مقوّمات السعادة وتحقيقها مفقود دون وجود عنصر الأنثى فكيف يكون هذا العنصر حاضرا في الحياة اليومية للزوج والزوجة؟ ولقد فصَلتُ الزوجة عن الأنثى لأن ليست كل زوجة تقوم بدورها كأنثى، المهم إن الخطاب الأسري هو خطاب أنثوي بطبعه، فالأسرة تقوم في إدارتها وتسييرها بالأساس على الخطاب المتمركز حول الأنثى بالدرجة الأولى.
وبما أن خطابها الخاص صيغة إنسانية فيها، فيمكنها من خلاله أن تسعى إلى إعادة اكتشاف العالم الداخلي الذي تُشرف عليه، في إطار من الوضوح والعمق الذي يبلور حقيقة علاقتها بزوجها وبأبنائها.
فالأنثى لها سطلة على كلمتها داخل الأسرة أكثر من الرجل، فهي التي تبني الكلمة الطيبة الجميلة التي تساهم في تهذيب الذوق وتربيته، والتي تحسن استعمال هذه الواسطة تستطيع جمع أفراد أسرتها للفكرة التي تريد زرعها في القلوب والأرواح، إنها قادرة على صنع أدبية الخطاب، لأن من ناحية جنسها يكون خطابها لغويا يختلف كثيرا عن اللغة التي توظف في الخطاب العادي، فالكلام الذي نريد إيصاله للقلوب لا تصنعه التقنية بقدر مايصنعه عنصر الموهبة والمَلكة التي تحسن توظيف ذلك، والله تعالى أودع ذلك في الأنثى، وتلك الملكة التي تفتح القلوب والأرواح هي في متناولها، فاستخدام دورها الحقيقي من خلال الخطاب هو أرضية فكرية ونفسية وروحية تتوقف عليها الأسرة جميعها، خصوصا الرجل فهذه الأرضية أولا تعصمه في دوره الخارجي من الإنحطاط في دائرة الكائنات غير الإنسانية، ويكون فكرها ثانيا أي ــ الأنثى ــ سمات أساسية في نسيجه السلوكي والإبداعي، ومجموع العناصر والصفات التي يمكن أن يتميز بها إبداعه.
وفي الختام إن أغلب الصراع الذي يعيشه أفراد المجتمع نابع في الأصل من الصراع داخل أفراد الأسرة، فقد غدت هذه الخلية الإجتماعية الأولى مسرحا لصراعات متعددة، إن النواة الأولى هي التي خارت وضعفت بضياع وتباين الأدوار بين الذكر والأنثى، فأصبحت أوضاع وتصرفات الأفراد سواء داخل الأسرة أو في المجتمع تصدر على غير طبيعتها، وإصلاح هذه البؤرة بالمقومات السليمة والصحيحة يجعل الفرد متقبلا لحياته العملية، مطمئنا إلى واقعها من جهة، ويعطي فيها من جهة أخرى عندما يصبح لديه المبدأ الأسري والواقع العملي شيئين متلائمين وليس متباينين.