(البعيدون) قـراءة مـخـتـلـفـة أو درجـة الـغـفـلـة فـي الـقـراءة الجزء 4 من الفصل 3

بقلم: أحـمـد الـطَّـوْد

  وكما زعم إدريس أن انطلاق القطار من مدريد قد غيب عنه ملامح بيلار إلى الأبد دون أن يكون صادقا ، ها هو يزعم مجددا أن ذلك ما حصل من قبل عندما ودعته كريستيان في محطة أمستردام :
   [ ما أن أقلع القطار عائدا إلى مدريد حتى فك أسري (كذا) ، استوت عاطفتي فصارت كريستيان ضمن الكائنات الجميلة التي راقت بصري ] (ص94) .
   ولمن قد يسأله : لماذا ؟ ، فجوابه على طرف لسانه :
   [ ذلك هو طبعي وتلك شيمتي ، إنها الحقيقة ، المرأة بالنسبة إليّ لعبة جميلة تنبض بالحياة أتسلى معها أو أتسلى بها ، لكن ما أن تختفي عن بصري حتى تغيب عن باقي حواسي وعاطفتي وأعود للبحث عن لعبة جديدة ] (ص94) .
   وكأن استرجاع ذكرياته مع كريستيان ومع غيرها ليس تناقضا سافرا بين قوله وفعله ، أي ليس كذبا على نفسه وعلى قراء الغفلة الذين صدقوا كل ما جاء في (مذكراته) .

   سيتأكد كذب إدريس باستمرارِ تواصلِه مع بيلار وكريستيان ، وستنهار تلك المزاعم سريعا مع شعوره بالفراغ عند وصوله إلى لندن .. فيوم مغادرته حقل تشغيل الطلبة صحبة أنخل وصديقهما الجديد أرماندو بسبب قسوة الحياة فيه ، ولجوئهم إلى محطة القطار المأوى المثالي للغرباء وخاصة الذين أوشك ما في جيوبهم على النفاد ، شرع لملء ذلك الفراغ وهو في المقهى القريب من المحطة في [ كتابة رسالتين ، واحدة إلى بيلار في مدريد ، ملأتُها بأشواقي وهيامي وحنيني ، وأعطيتها عنوان المقهى نفسه بعد أن استأذنت صاحبها (كذا) ، ثم ترجمتُ نفس الرسالة إلى كريستيان آيسن في أمستردام ، من غير أن ينتابني أدنى إحساس بأني أخدع إحداهن (كذا) ، فبيلار لا تقل منزلة عن كريستيان في قلبي ، لكنني ختمت رسالة كريستيان بميثاقنا المشترك ] (ص104) . وهو بهذه الرسالة التي سندعوها ( رسالة المقهى ) لا يدَّعي أن الله قد جعل له قلبين في جوفه ، لكنه يؤكد أنه اتخذ لـبـيلار – منذ عودته من هولاندا قبل عامين ، إلى جانب ضرتها الأولى الإسبانية ماري كارمن – ضرَّةً ثانيةً في السر هي الهولاندية كريستيان ، فقلبه كما وصفه سابقا [ بحيرة تسع لعشر من بيلار …] (ص52) . كما أنه بهذا الاعتراف لم يتناقض مع نفسه في ادعائه أن المرأة حين تختفي عن بصره تغيب عن باقي حواسه وعاطفته ، ولم يقصد إهانة نفسه بأنه لا يملك ضميراً يؤنبه على التلاعب بعواطف المرأة وإفراغها من إنسانيتها واتخاذها لعبة للتسلية ، والتلذذ بعذابها ودموعها ، وجعلها وعاءً يُفرغ فيه صديد أورامِ نفسه المريضة .. بالتأكيد لم يقصد ذلك لسبب بسيط هو أنه لم يشعر به ولم يخطر بباله .

 سيتوصل عن رسالة المقهى تلك بجواب من كريستيان مؤرخ في 15 . 9 – مع إغفال مقصود من صاحب (البعيدون) للسنة التي هي سنة آخر دستور في عهد الجينرال فرنكو : 1968 – وفيه أشارت إلى البطاقة البريدية التي بعث بها إليها يوم وصل إلى باريس .. ورددت تأكيدا لحبها في ما يشبه النكتة الباردة عبارتها القديمة [ ها قد جئتك لأكفيك مشقة البحث عني ] . ثم طلبت منه القدوم إليها ليتزوجا في أمستردام . لكن أهم ما جاء جوابها هو استنكارُها قرارَه [ وقف الدراسة والهجرة للعمل ] .

   قدم جوابَ كريستيان إلى صديقيه أنخل وأرماندو ليرفع – كما توهم – من شأنه أمامهما. سأله أرماندو : أتحبها ؟ فأجابه : لا أعرف . ورغم أنه لا يعرف فقد اعتصر ذاكرته وسطَّر لها دون حياء بعض الكليشيهات المحفوظة مثل : [ أليس الحب أجمل ما في الحياة ؟ .. أية قيمة للإنسان بدونه ؟ الحب قادر على تغيير اتجاهنا من طريق النار إلى طريق الجنة … ] ، وكأنه عاشق حقا وليس مدعيا محتالا متلاعبا بعواطفها . لكن أهم ما كتبه إليها هو أنه حتى تاريخ رده عليها (22 . 9 . 1968) لا يعمل ولا يدرس ولا يعرف أين سيكون مضجعه ، فما يزال ضائعا مع صديقيه أنخل وأرماندو يعانون قساوة الغربة وندرة المال . كما أعلن لها أنه لا يرغب أن يكون زواجه منها فرجا مؤقتا لهموم الغربة (ص113).

   أما بيلار ..
   فقد أرَّختْ جوابها عن رسالة المقهى في 30 . 9 ، وفيه اقتصرت على استعراض بعض ذكرياتها مع إدريس في عام علاقتهما الأول ، حيث ذكَّرته بلحظة تعارفهما وتحدثهما لأول مرة في مقصف الكلية (ص124) – وهذا يخالف ما أخبرنا به هو مِن أن تعارفهما وتحدثهما لأول مرة كان في يوم شات بعد مغادرتهما ترام الكلية حيث تناول من يدها مظلتها وسارا … (ص37) – ، كما تأسفت لبكائها الذي ظنت أنه سبَّب له غما يوم سفره … لكن أهم ما في جواب بيلار وأخطره هو تناقضها السافر بين يقينها أن إدريس [ راحل في عطلة قصيرة ] وسكوتها التام عن قراره [ وقف الدراسة والهجرة للعمل ] .

   لابد هنا من وقفة لنسأل صاحب البعيدون : إذا كانت الرسالة التي كتبها إدريس في المقهى القريب من محطة القطار بلندن ، والتي سميناها رسالة المقهى ، هي ذاتها الرسالة التي ترجمها إلى كريستيان كما جاء في تصريحه (ص104) الذي أشرنا إليه آنفا ، فهذا يعني أنه قد أخبر بيلار بقراره [ وقف الدراسة والهجرة إلى العمل ] . فكيف ببيلار لا تستنكر في جوابها هذا القرار الذي استنكرته كريستيان في جوابها ؟ .. ألم يخبرنا إدريس أنه في آخر جلسة له مع بيلار بمقهى مانيلا في مدريد لم يقو على مصارحتها بأنه لن يعود إلى إسبانيا أبدا خوف أن تـنهار أو تتهمه بالجنون ؟ (ص52) . فكيف تجاسر في رسالته إليها على إخبارها ؟ وكيف بها تتقبل قراره بدم بارد جدا دون أن تُبرقَ وترعد وترغيَ وتزبد وتستشيط غيظا ، ودون أن تريق دمعة واحدة من دموعها التي أراقتها عليه يوم وداعه بمحطة القطار في مدريد ؟ .. كيف بها تتجاهل قراره الخطير في جوابها وكأنه لم يخبرها به ولم تعلم به قط ؟ بل تقول له حرفيا : [ يوم سفرك رجوتني أن أنتظرك ، أنا فعلا سأنتظرك ولكن ليس لأنك رجوتني ، وإنما لرغبتي في انتظارك ، لرغبتي في الهواء وفي الحياة … ] (ص125) ، وتعتبره أملَها .. مستقبلها .. ومبرر وجودها اعتقادا منها أنه إنما رحل في عطلة قصيرة ؟ .

   الظاهر الجلي هو أن جواب بيلار في حقيقته ليس سوى رسالة قديمة عثر عليها صاحب (البعيدون) بين متلاشياته ، فلفق لها تاريخا وأقحمها في النص إقحاما دون أن يحسن اختيار مكانها المناسب في السياق ، فكانت نشازا فاضحا هشاشة الرواية . ونحن لا نطالب صاحب (البعيدون) بتبرير ذلك الإقحام ، ولا نسأله تعليل ذلك التأخر الفادح في الجواب من عاشقتين تهيمان ببطله إدريس الذي شغفهما حبا ، وتتقطع أمعاء قلب كل واحدة منهما ألما لبعده عنها ، فليس ضروريا أن يعلل لنا ذلك التأخر الذي قارب الشهرين بالنسبة إلى كريستيان ، وتجاوزهما بالنسبة إلى بيلار ، فهذا التأخر ليس سوى زلة سردية إلى جانب غيرها من زلات كثيرة اقترفها كاتب مترام على فن لا يتقنه .
   لكن .. من الضروري أن يوضح لنا صاحب (البعيدون) هذه الأمور المستعصية على الفهم التي لم نستطع استمراءها كما فعل قراء الغفلة الكرام :

   1) كيف استطاع الأصدقاء الثلاثة أن يتدبروا متطلبات استمرار إقامتهم وتلبية حاجاتهم الملحة كالأكل والتدخين والتنقل … في مدينة كبيرة جدا ومكلفة جدا كلندن ؟ ، لقد قال إدريس عند مغادرتهم حقل تشغيل الطلبة :
   [ أما أنا فأملك بالكاد ما يوصلني إلى لندن ، وهو كاف ليحجب عني شبح هذا المعتقل … ] (ص100) .
   ومع اشتداد الأزمة ردد في نفسه :
   [ يطاردني شبح معسكر تشغيل الطلبة في مقاطعة كامبريدج ، فقد كنت أفكر جادا في العودة إليه لأعمل في جني التفاح أو البطاطس أو كل ما من شأنه أن يمنحني استقرارا أو يوفر لي ثمن تذكرة سفر أرحل بها بعيدا ] (ص 105– 106) .
   ولما زادت الأزمة استفحالا [ أخذت النقود تتبخر كرائحة العطر الثمين فصارت لورقة جنيه معزة ألف جنيه ] (ص106) …
    كيف إذاً واجهوا متطلبات حياتهم وهم يتسكعون في شوارع لندن عاطلين طيلة ما يزيد عن شهرين ، إذ لم يتوفقوا في العثور على عمل إلا في الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر الواقع بين تاريخ رسالة كريستيان ( 22 . 9 . 1968) وتاريخ رسالة بيلار (30 . 9 . 1968) ، وبالتحديد في اليوم الذي سقط فيه إدريس مغمى عليه .

   2) وعلى ذكر حادث الإغماء لا بأس أن نتأمله قليلا :
   أثناء استقبال صاحب معمل الخمور للأصدقاء الثلاثة وقبوله إياهم مستخدمين في معمله ، كان إدريس يعاني حمى شديدة ، وعند خروجهم من المعمل سقط مغمى عليه في الشارع ، فنقله رفيقاه إلى داخل المقهى المقابل للمعمل ، وبدلا من استدعاء سيارة الإسعاف لنقله إلى أقرب مستشفى ، فوجئنا بسيناريو آخر ، حيث تم نقله إلى شقة صاحب المقهى بأحد طوابق العمارة التي يقع المقهى أسفلها . فكيف يعقل أن يأويَ الإنجليزي صاحبُ المقهى شخصا غريبا أشعث أغبر مغمى عليه في غرفة نومه وعلى السرير الذي ينام فيه مع زوجته عارضة الأزياء الفاتنة !!؟؟ .. كيف به لم يفكر في ما قد يترتب عن حال الإغماء من أعراض ، وفي مسؤوليته أمام القضاء إذا تدهورت تلك الحال إلى الأسوأ ؟ ثم كيف اجتمعت [ القوة الخائرة ] و [ الشهوة العارمة ] في إدريس وهو يتحدث إلى صاحبة الشقة جين برايز ؟ . إن حادثا مفتعلا كهذا لا يمكن أن يخطر إلا على بال أحد مخرجي الأفلام الهندية أو على صاحب (البعيدون) .

   3) أما الأمر الثالث وهو الأهم والأخطر فيتعلق باللغة التي ترجم إدريس إليها ( رسالة المقهى ) وبلغة الحوار بينه وبين كريستيان آيسن الهولاندية خلال إقامته في أمستردام ثلاثة أشهر كاملة صيف 1966 .

   منطقيا لا يمكن أن تكون لغة تواصلهما هي العربية ولا الهولاندية لجهل كل واحد منهما لغة الآخر جهلا تاما . ولا يمكن أن تكون هي الإسبانية وإلا لما اضطر إدريس إلى ترجمة ( رسالة المقهى ) إلى هذه اللغة التي نبحث عنها . ولا يمكن أن تكون هي الإنجليزية لأن هذه اللغة لم تكن مقررة في البرامج التعليمية في ستينيات القرن العشرين بشمال المغرب الذي ينحدر إدريس من إحدى مدنه : القصر الكبير . ولدينا أكثر من دليل قاطع على أنه عندما غادر مدريد صحبة أنخِل نحو لندن لم يكن يعرف الإنجليزية : فحين وطِئت قدماه أرض محطة فيكتوريا بلندن أول مرة أواسط يوليوز 1968 أخبرنا عن نفسه قائلا :
   [ سحنات البشر وأصواتهم كانت غريبة عن عيني وأذني … ] (ص85) .
   وكدليل آخر على جهله اللغة الإنجليزية ، نورد هذا الحوار الذي جرى بينه وبين رفيقيه :

   [ قلت لأرماندو : ومتى سنبدأ في تعلم اللغة ؟ . أجابني وكأن الأمر مألوفا (كذا) : بعد شهر نقضيه في جني التفاح سنكون قد ادخرنا بعض المال … لنلتحق بأحد المعاهـد المنتشرة في فرايدي بريدج أو إحدى القرى القريبة . … وعلق أنخل بنفس الامتعاض : استمارات القدوم إلى هذه المؤسسة لا تشير إلى أننا سنصبح عملة للفلاحين الإنجليز ، بل تقول بوضوح إن المؤسسة توفر للطالب الشغل ليتمكن من تعلم اللغة ، أليست هذه خدعة ؟ ] (ص100) .
   هي فعلا خدعة .. بل هي أكبر خدعة نصبها صاحب (البعيدون) دون وعي منه لبطله إدريس الذي أوقع فيها بدوره قراء الغفلة فمروا غير شاعرين بها . فإذا كان إدريس ورفيقاه بعد مغادرتهم حقل تشغيل الطلبة ، أي بعد أربعة أيام من وصولهم إلى لندن ما يزالون يتداولون بينهم أمر انتسابهم إلى أحد معاهد تعليم الإنجليزية ، فهذا دليل على أنها لم تكن لغة حوار إدريس مع كريستيان آيسن قبل عامين في أمستردام . وهذا يفرض علينا أن نطرح مجددا السؤال : ما هي اللغة التي تحدث إدريس بها مع كريستيان وجادلها بها حول شيكسبير وأوقعها بها في غرامه ، ورددا بها (ميثاقهما المشترك) ، وتراسلا بها بعد مغادرته أمستردام ، وإليها ترجم رسالة المقهى ؟ وبأية لغة حاور عارضة الأزياء وهو على سرير غرفة نومها في حادث الإغماء المفتعل ؟
   لنترك صاحب (البعيدون) يفكر في تلفيق جواب دامغ يفحمنا به ..
   ولنواصل :

  بعد اشتغال الأصدقاء الثلاثة ، سكنوا في مبنى الطلبة الأجانب ، ولا ندري كيف حصلوا من إحدى كليات جامعة لندن على الوثائق التي تثبت لإدارة المبنى أنهم طلبة جامعيون بينما هم مستخدمون في معمل لإعداد الخمور . المهم أنهم انتحلوا صفة طلاب وحصلوا على السكنى . ولكي يُفتَح لهم باب المبنى عند عودتهم من سهراتهم متأخرين بعد منتصف الليل ، اتفقوا على سرقة قنينات مختلف أنواع الخمور من المعمل وتقديمها رشوة للحارس جورج . كانت سهراتهم الليلية متنوعة انتقاما من البؤس الذي لازمهم ولا أحد يعرف كيف واجهوه طيلة ما يزيد عن شهرين متتابعين . ولا بأس أن نكرر في هذا السياق ما كنا أثبتناه في الفصل الذي خصصناه للزمن في (البعيدون) من أن حضورهم [ سهرة غنائية للمطرب المصري الشهير في قاعة رويال ألبرت هول ] (ص129) قد أثار استغرابنا الشديد .. فالثابت أن المطرب المصري الشهير الوحيد الذي أحيى حفلا في تلك القاعة في ستينيات القرن العشرين هو المرحوم عبد الحليم حافظ ، وكان حفله بالتحديد يوم 17 . 11 . 1967 ، وليس في سنة 1968 التي هاجر إدريس في منتصف يوليوز منها إلى لندن . نسجل هذا ونحن – كما قلنا سابقا – مدركون أن من حق صاحب (البعيدون) أن يتخيل ما يشاء ، لكن ليس من حقه أن يجعل بطله إدريس يكذب علينا كما يشاء .

   ستنتهي إحدى سهرات الأصدقاء الثلاثة نهاية غير سعيدة بتعرضهم لهجوم بعض الشبان الإنجليز عليهم، برره إدريس باستمالتهم بعض فتيات الملهى الليلي وبتأزم الوضع – على افتراض أنه كان يفهم ما يتلفظ به المهاجمون – بين حزب العمال البريطاني وحكومة فرنكو.
   رحل الصديقان أنخل وأرماندو دون أن نعرف المدة التي استغرقها اشتغالهما في المعمل قبل عودتهما إلى بلدهما إسبانيا.. أما إدريس الذي قال لنا في (ص127): [أنا مستخدم بئيس في معمل لإعداد الخمور، أنتحل صفة طالب جامعي في مبنى الطلبة الأجانب حيث أقيم]، فقد نسي هذا الكلام وأخبرنا بعد سطور قليلة في الصفحة الموالية (128) أن رئيس مبنى الطلبة الراهب الكاتوليكي الأب توماس قال له بعد رحيل صديقيه : [إن العمل في مصنع للخمور لا يليق بشاب يرغب في التعلم ، لذا فسأبحث لك عن عمل مفيد لمستقبلك] . وبهذا التناقض في كلامه جعلنا في حيرة : أنصدقه في أنه انتحل صفة طالب للحصول على السكنى، أم نصدقه في أن الراهب الكاتوليكي الأب توماس أخل بواجبه فسمح لعامل في معمل الخمور أن يحتل مكان طالب في المبنى الذي يرأسه والمخصص للطلبة الأجانب وليس للعمال؟ .. وعلى أية حال .. استمرت إقامة إدريس في ذلك المبنى … وستمر سنوات على إقامته في لندن قبل أن يحظى بمقابلة المستر ج . كورت في مكتبه بمجلة ” فواصل ” بناء على توصية بعثها إليه الأب توماس وأرفقها بـمقالات نُشرت لإدريس في مطبوعات مختلفة (ص132) .. دامت المقابلة أقل من نصف ساعة تخللتها أسئلة عادية .. لكن غير العادي المثير للاستغراب هو الدعوة التي تلقاها إدريس بعد ثلاثة أيام لتناول الشاي مع المستر كورت في بيته ، إذ كيف يعقل أن يحظى كاتب بسيط مغمور بهذه الدعوة من مدير (أكبر مجلة سكسونية) كما وصفها هو ؟ . ومن أجوبة إدريس سنعرف أن مدة إقامته في لندن بلغت ست سنوات ، تنقل خلالها بمساعدة الأب توماس من العمل في معمل الخمور إلى مساعد في تثبيت الديكور في أحد مسارح لندن ، ثم عمل مع إحدى الفرق المسرحية – دون تحديد طبيعة العمل – فحفظ [ نصوصا وحوارات بأكملها ] ؟!!! ، كما عمل مساعدا للمستشرق السير كوربيت في (ترتيب أبحاثه) . ورغم أنه لم ينتسب إلى إحدى الكليات ولا يتوفر على أية شهادة مهنية من أحد المعاهد العليا للصحافة ، ولم يخبرنا متى وأين وكيف تعلم اللغة الإنجليزية وأتقنها حتى صار بها كاتبا ، فقد استطاع – حسب زعمه – أن يجعل أسارير المستر كورت تنبسط من أجوبته حتى بدا له [ وكأنه أبو حنيفة يمد رجليه ليستريح ] .. هكذا وهو لا يدري حجم الإهانة التي تلطخ بها وهو يُنزل نفسه منزلة ذلك الوافد الذي جعل أبا حنيفة يقول – بعد أن وجد فخامة مظهره تتنافى مع تفاهة مخبره – قولته الشهيرة : ” آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه ” . كما استطاع – حسب زعمه أيضا – أن ينتزع من المستر كورت قوله : [ لغتك الإنجليزية ذكية وسليمة ] . وبعد نقاش بينهما – سنتطرق إليه لاحقا – انتهت المقابلة بقبول إدريس مترجما في مجلة (فواصل) التي تعنى بالاستشراق . وعرض عليه أن يستفيد من كتب عيَّنها له في مكتبة بيته الفخمة ، كما أتاح له نشر مقالات تساير تخصص المجلة .

   غادر إدريس بيت المستر كورت ، وسار فرحا مزهوا بعمله الجديد ، صعد السلالم إلى بيته في الطابق الخامس وفي يده رسالتان وجدهما في انتظاره .
   الأولى من كريستيان آيسن بأمستردام تخبره بأنها تعتزم زيارته في لندن في فاتح ماي المقبل .
    والثانية من صديقه أنْخِل بمدريد أرخها في 25 مارس ، وترك لنا أن نستنتج سنتها من خلال إخبار إدريس بأن الرأي العام الإسباني منشغل بمن سيخلف الجينرال فرنكو [ فالرجل الحديدي أربكه المرض والشيخوخة ولم تعد له إرادة التحكم في أبسط الأشياء كما يشاع ] (ص140). وإنما اضطررنا إلى ذكر هذه الرسالة للتنبيه أولا : إلى أن سنة كتابتها هي 1975 سنة المرض الأخير للجينرال فرنكو المؤدي إلى وفاته. وثانيا: إلى مرور سبع سنوات على إقامة إدريس في لندن بعد هجرته إليها (منتصف يوليوز 1968). وليس ست سنوات كما قال بلسانه أثناء مقابلته للمستر كورت. ( نرجو بإلحاح من قراء هذه السطور أن يتذكروا جيدا أن تاريخ رسالة أنخل هو 25. مارس 1975، وأن زيارة كريستيان لإدريس في لندن هو 1 . 5 . 1975). أما موضوع رسالة أنخل فهو أن بيلار رغم مرور تلك السنوات ما تزال تحب إدريس. قال أنخل إنه كان معجبا بـ (نظرية) إدريس حول قتل الزمن للحب، لكنه غير رأيه فيها يوم التقى بيلار صحبة زوجها الأنيق في حدائق ريتيرو ، فهي ترى أن الزمن مجرد وهم أمام العاطفة الصادقة، لأنه [ يزيد عواطفنا تأججا، ويحيطها بإطار فولاذي يقيها التلف والاندثار] (ص140) . ولمن يملكون عقولا سلمها الله من الغفلة أن يتأملوا كلام السيدة بيلار التي ترى الزمن (وهْما)، وأن يسألوها : كيف لعاطفة أن تستمر متأججة داخل الإطار الفولاذي الذي هو مجرد وهم ؟. وقبل أن تتلعثم بجواب ما ، لابد من سؤالها أيضا: ماذا يعني خُلُقيا أن تنطقي بهذا الكلام في حضرة رجل تزوجته زواجا كاتوليكيا وأمام طفل هو ثمرة ذلك الزواج ؟ . وإن كانت عواطفك ماتزال متأججة حقا ، فلماذا آثرت أن ترتبطي برجل ليس له مكان في قلبك بدل أن تنتظري حبيبك الهارب منك ؟ … وطبعا لا يمكن لصاحب (البعيدون) أن يعترف أنه أقحم رسالة أنخل هذه قاصدا فضح عاشقة بطله إدريس عقليا وخلقيا ، أو أن يقنع قراء (مذكراته) أنه أحد كتاب اللهو والعبث والتفاهة.

   حضرت كريستيان آيسن في الموعد الذي حددته في رسالتها (1 . 5 . 1975) .. استقبلها إدريس في محطة القطار فيكتوريا ، أسمعها (ميثاقهما المشترك) وهما يرقيان السلالم إلى الطابق الخامس في العمارة التي يبدو أنها بنيت في القرن السابق لاختراع المصاعد الكهربائية . أعدت برنامج مشاهداتها في لندن : منزل ديكنز ، باربيكان هال لحضور حفل فرقة ” البيتلز ” التي لا يعرف أحد كيف التأم شمل أعضائها وقد تفرقوا شذر مذر منذ 1970. وفي إحدى حانات حي هامستد حيث عاش ديكنز وشيلي ، مل حديث كريستيان عن الثقافة الإنجليزية ، فاتهمها بأن [ دراستها للأدب الإنجليزي جعل (كذا) منها إنسانة مستلبة ضائعة في ثقافة هؤلاء القوم (ص149) ] .. تحدثا عن الاستلاب والالتزام ، ثرثرت على مسمعه كلاما حول الالتزام فردد في نفسه : [ أذهلني تحليلها ، أوقعني في حيرة من أمري أنا الذي أنبذ كل أدب غير ملتزم تقوم هذه المخلوقة القادمة من الريف الهولندي فتخلط أوراقي ، تربك أفكاري ، تشككني في عصارة ما توصلت إليه بعد سنين من الدراسة والبحث ] (ص 151) . طلب المزيد من الشراب ليستجمع أفكاره ( ويا لعقله الذي لا يفكر إلا وهو سكران ) ، لكنها عقدتْ لسانَه بهذه النتيجة : [ الالتزام لا محل له في العمل الإبداعي إلا إذا كانت الغاية منه هي الفن ] (ص152) . وبهذا الهراء الذي هو عصارة أفكارها سجنت الالتزام في زنزانة الفن للفن . فإذا به أمام انتفاخ نرجسيته القعساء وفراغ جعبته الثقافية الجوفاء ، لم يملك سوى أن يتمتم بينه وبين نفسه – دون أن تسمعه طبعا – : [ كيف لي أن أتقبل الهزيمة وأنا المثقف المحرر في أشهر مجلة سكسونية ؟! ] ، ولم يجد للانتقام منها سوى أن ينعتها – بينه وبين نفسه أيضا – بـ [ بدوية من أوتريخت ] ناسيا أنه قال عنها يوم قدمها له الطالب الهولاندي أريي تال في مقهى أميريكان بأنها : [ تقيم مع عائلتها في مدينة أوتريخت ] (ص76) . وإذ أحس بتضاؤله أمامها ، ولم يعثر في حصيلته الثقافية – وهو الدارس الباحث كما وصف نفسه آنفا – على ما يدحض به كلامها ، بدأ يخطط في ذهنه للرد عليها .. بماذا ؟ بالهروب إلى موضوع آخر:
   [ ماذا لو قلت لها بأنه في الوقت الذي يسعى العلماء إلى كشف الغموض وتوضيحه ، يسعى الأدباء إلى تشكيل (كذا) ما هو بسيط وتعقيده … كدت أقول لها ذلك لكنني رأيتها تتطلع إلى ساعتها معلنة بحركة من عينيها عن تأخرنا ] (ص153).
   هكذا جاءت ” كدتُ ” بالفرج . ” كدت ” التي تكررت كثيرا في (البعيدون) هي القوة السحرية التي يستخدمها إدريس للهروب من المواجهات والابتعاد المريح عن الصراع ، والنجاة من المآزق ؛ ففيها تختبئ القناعة من الغنيمة بالإياب كما قال الشاعر القديم.
   وحين وقف على رجليه في تلك الحانة [ تأكد لي أن كؤوس النبيذ قد لعبت برأسي وأني قد أسقط إن لم أستعن بوضع ذراعي على كتفيها . ووضعت كل ما أملك على كل ما تملك ] وهذه فلتة لسان تبين لنا بجلاء أنه لم يكن يملك عقلا ولا شجاعة ، وحتى (فحولته) المزعومة التي توحي بها عبارته المأزومة لم تكن في عمقها سوى قناع لستر عِـنَّـةٍ ثقافية فظيعة شنيعة عظيمة.

   عادت كريستيان إلى أمستردام وكتبت إليه رسالة مؤرخة في 21 . 5 . 1975 تخبره أن زميلا لها في التدريس طلب يدها للزواج ، وختمت رسالتها قائلة :
   [ سأنتظرك قدر استطاعتي ، فإن بقيت مصرا على فلسفتك فلا داعي للمزيد من شرحها وسوف أتزوج . لكنك رغـم أنفي سـتظل مشعا في وجداني وعواطفي وعقلي أيضا ] (ص156) . ولم لا تكون نهايتها معه كنهاية بيلار ؟ أليس هو قمر المكان الساطع في كل زمان ؟ وكانت كريستيان بتلك الرسالة قد أدت آخر دور لها قبل أن تنسحب نهائيا لتفسح المجال لليهودية إيستر.

( يتبع )

اترك رد