الموضوع: الديمقراطية المفقودة (حالة المغرب)

……………………………………………………………………………………………..
بقلم: كريم زكطة*
انبثق في السنوات الأخيرة في المغرب و في العالم العربي عموما، إبّان ما عرف بالربيع العربي و ما بعد تحولات سياسية و وعي جديد لدى الجماهير العربية ، و في المغرب بسبب القهر، و انتشار التشاؤم و الإحباط، رغبة ملحة في التغيير و الديمقراطية و العدالة الإجتماعية و الحرية و كرامة المواطن، و عليه لم يكن المغرب في منأى عن هذا التغيير و عن مطلب الديمقراطية، ممّا أفرز احتجاجات قوية خاصّة مع حركة 20 فبراير، التي استطاعت أن تجمع أطيافا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، برفع شعار التغيير، و إن كانت نيّة بعض الأطياف منها الركوب على هذه المطالب النبيلة و المشروعة لاحتلال مراتب أولى في الانتخابات، هذه الفئة سيتّضح أنّها ستؤثر حقّا على استمرارية الحركة، و ما ميّز حركة 20 فبراير هي الحضور القوي و الفعّال للشباب بعدم رضاهم للوضع القائم و نضالهم من أجل ديمقراطية حقيقية في البلد . الشيء الذي يجعلنا و من باب الوطنية أن نتساءل بعيدين عن لغة الوهم و الشعارات الفارغة و الإجترار السياسي المستهلك، ما هي معيقات الديمقراطية في المغرب؟ و ما هي الآليات الأساسية لإمكان بناء ديمقراطية حقيقية بالمغرب بعيدا عن هذه الديمقراطية المعلّقة التي تستهلك يوميا؟
“إنّ الخاصية الأساسية للديمقراطية تكمن في استجابة نظام الحكم بكيفية مستمرّة لخيارات المواطنين، باعتبارهم متساويين سياسيا، و بناء الحكم الديمقراطي يقوم على مبدأي المنافسة العامّة و الحق في المشاركة، و هذين المبدأين أساسيين لقياس دمقرطة المجتمعات، و يفترض في نفس الوقت استحالة أي نظام سياسي في العالم من الوصول إلى المجتمع الديمقراطي المثالي، الذي يتمثل في أقصى درجات المنافسة السياسية و المشاركة الجماهيرية” يبدو أنّ روبرت دال غير متفائل بالوصول إلى الديمقراطية المثالية، و هو الذي يعيش في مجتمع عصري و تعوّد على الحد الأدنى من الديمقراطية لقرون من الزمن . فكيف لبلد مثل المغرب استقلّ عن الإستعمار قبل ستين سنة؟ و كيف لبلد كان و لازال لحدّ اليوم تتحكّم في دواليبه الإقتصادية و السياسية بعض العائلات ؟و كيف لبلد ضيّع على نفسه انطلاقا من الستينات و السبعينات من القرن الماضي ركوب قاطرة الديمقراطيات الناشئة و التي لم تكن أفضل حال من المغرب؟ “كتركيا، و كوريا الشمالية و البرازيل…بسبب المعارضة الشرسة للنظام آنذاك و استعمال الدولة لكل الوسائل للحفاظ على الإستمرارية من آلية الضبط و المراقبة و العقاب…و نسيت الدولة التركيز بالاستثمار في أساس التنمية و الديمقراطية ألا و هو الإنسان و المواطن”.
إنّ الديمقراطية التي تجتر بشكل دائم عندنا يجب أن نعي جيّدا أنّها لم تترسّخ في الدول المتقدّمة بين عشيّة و ضحاها؛ و إنّما بعد كفاح طويل و عسير، يجمع بين إرث فكري و فلسفي ثقيل بتلازم مع القاعدة القانونية، فمنذ دعوة صولون حكيم اليونان إلى احترام إرادة الشعب، و كما نادى روسو بضرورة احترام الإرادة العامّة، و غير ذلك تبقى الديمقراطية سرابا، و ارتبطت الديمقراطية بتبصّر مفكرين و شجاعة شعوب، و قيادات سياسية ناضلت و ضحّت لتكريس مفهوم الإرادة العامّة، التي لم تسلم بادئ الأمر من عيوب و نواقص، كإقصاء العبيد و النساء زمانا في المدرسة الأولى للديمقراطية أثينا، و في أمريكا نشأت ديمقراطيتها بإقصاء السود، و الأحداث التي عرفتها فرنسا زمان الثورة و ما بعدها خاصّة فيما عرف بدماء باريس ،1831 و ما عانته اسبانيا تحت حكم فرانكو لسنين…
و بالموازاة مع هذا الوعي ، عمل الغرب على نشر التعليم و المعرفة لجميع فئات المجتمع، انتقال العمال و الحرفيون و الفلاحون و النساء من الجهل إلى المعرفة، كما عمل الغرب في ديمقراطيته على مبدأ فصل السلط، و هو ما أبدعه مونتسكيو في روح القوانين يقول 2“السلطة بطبيعتها تغري بالإنحراف، و أن تجميع السلطات في يد واحدة، يضاعف من خطر الاستبداد، و الوسيلة المثلى لمنع ذلك هي توزيع السلطات بين هيئات مختلفة” إذا هو مشروع هيّأه الغرب فكريا و اجتماعيا و سياسيا و ثقافيا لترسيخ على الأقل الحد الأدنى من الديمقراطية ، فهذه الأخيرة ليست بالقدّيسة أو العذراء، فهي كذلك تعتورها عيوب و نواقص، لكن تبقى كما عبّر عنها بروعة الداهية تشرشل 3“الديمقراطية أيضا نظام سيّء لكنها أقلّ الأنظمة سوءا”فهل لنا كلّ هذه الشروط في بلد مثل المغرب للديمقراطية؟
إن المغرب كما وصفه مفكر مغربي “حصيف” 4“يتميز بالهشاشة السياسية” الشيء الذي يؤثر في كل محاولة قيام نهضة ديمقراطية،صحيح أنّ المغرب في العهد الجديد عمل على إدخال مصطلحات مغايرة و حديثة إلى قاموسه السياسي، 5“كالمفهوم الجديد للسلطة، الجهوية الموسعة، الملكية المواطنة و في المجال الاقتصادي، الأوراش الكبرى المهيكلة، إصلاحات مختلفة، أقطاب رائدة… و الإجتماع “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية…” تفعيل أكثر لمؤسسة محمد الخامس للتضامن ، و من دون أن ننسى في هذا المقام المجال الحقوقي مع العهد الجديد ، بالعفو على العديد من المنفيين خارج الوطن ، و تجربة هيئة الإنصاف و المصالحة ؛ كتجربة فريدة أكّدت من خلالها الدولة عن عهد جديد بالتصالح مع ماضيها ، لكن كل هذا رغم أهمّيته لم يكن كافيا للإقلاع، باستمرار إشكاليات عويصة تعيق المسار خاصّة “التعليم” الهدر المدرسي و ارتفاع الأمّية، و تبرّم الدولة من الاهتمام بالمشاريع الثقافية، و من جانب آخر فالانتخابات و الاقتراع كأقوى آلية للديمقراطية في المغرب ما زال لا يعبّر عن الإرادة العامّة ؛ بانخفاض معدّل المسجلين للتصويت أو المشاركة السياسية، لنتساءل ما أهمّية الانتخابات إذا لم تعبّر عن أغلبية المواطنين؟ و ما جدواها إذا لم يشارك الشباب و المرأة في الاختيار السياسي؟ و هنا لا نفسّر ذلك بغياب الوعي السياسي و الديمقراطي لهذه الفئة كما يذهب البعض، و إنّما نتيجة سياسة التهميش و ارتفاع معدّل البطالة لدى الشباب خاصّة أصحاب الشواهد العليا، غياب روح التواصل مع مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى غياب نخب سياسية و فاعلين سياسيين و مجتمع مدني قوي و فعال قادر على لعب دور الوساطة و التأطير، فالأحزاب التي لها الدور الأكبر في ترسيخ ثقافة الديمقراطية، أصبحت أحزاب الانتخابات و التحالفات البراغماتية ، و هذا ما أكّده في نقد مباشر ملك البلاد في خطاب العرش الأخير، قس على ذلك أنّ الحكومة التي جاءت بعد دستور 2011 لم تستطع استثمار مكاسب هذا الأخير ، الذي جاء بتقدّم نسبي في كثير من مبادئه أهمّها المناصفة، و ربط المسؤولية بالمحاسبة و منح صلاحيات أوفر و أكثر لرئيس الحكومة ، هذه الأخيرة لم تعمل بأهداف منظمة و مسطرة و معقلنة لخدمة المواطن و الصالح العام، علاوة على ذلك ماذا عندما تتجاوز الأقلية دورها و صلاحياتها في المراقبة ؟ إلى التحكّم في الأغلبية وإرباكها سياسيا ، وهو ما لاحظناه فيما عرف بالبلوكاج الحكومي، نتج عنه إعفاء رئيس الحكومة لفشله في تشكيل الحكومة ، ليتمّ تعيين رئيس ثاني من نفس الحزب من طرف ملك البلاد . الشيء الذي يجعلنا أمام معيقات حقيقية لانبعات ديمقراطية، و هو ما يؤكّده المفكر المغربي عبد الله العروي في حوار أجراه سابقا مع أحد الجرائد المغربية بقوله 6“للذين يطالبون بالديمقراطية لا يريدونها فعلا و بأنّه لا يظن بإقامة نظام ديمقراطي، لأنّ هناك معيقات اجتماعية و اقتصادية و نفسية و ثقافية و عائلية كثيرة جدّا”.
و لعل المتتبّع لأعمال مفكر كبير مثل عبد الله العروي، سيلاحَظ رفضه التام لتبيئة الديمقراطية في بلد مثل المغرب، لأنّه لازالت لا تتوفر فيه الشروط التاريخية لذلك، بالمقابل يقدّم العروي آليات غاية في الأهمّية لتجاوز ما يسمّيه “بالتآخر التاريخي” كتعميم ثقافة عصرية حديثة من خلال التعليم، تحرير المجتمع من تكلّسه التقليدي، و تأهيل المرأة…
و بناءا على ما تقدّم، نبسط فيما يلي، أهمّ الخلاصات التي وجدناها ضرورية من أجل مد الجسور بالديمقراطية و ألياتها الفاعلة:
- تجنّب إقحام المال و الدين في الديمقراطية.
- دور إيجابي و فعّال للإعلام.
- ضرورة الرفع من مستوى التواصل للدولة و مؤسساتها كدعامة للديمقراطية.
- ترسيخ قيم الإستحقاق و الإبداع عوض الغش و الإتّكال.
- المبادرة الفردية و الجماعية عوض الإعتماد على الآخر.
- رفع وتيرة الرقابة و حل مشكل التمثيلية.
- تجديد المشهد السياسي.
- إبعاد النخب الفاسدة عن المجال السياسي.
- انتقاء النخب المحلية.
- مقاومة الانتهازية و الوصولية، و تجنّب منطق القرابة و العشيرة و العائلة و “ابن الإبن”.
- وجوب احترام التعدّدية المجتمعية و حقوق الأقلّيات.
- احترام حق التعبير و الاحتجاج و التظاهر.
- مبدأ سيادة القانون.
- صرامة المسؤولية و المحاسبة.
- ضرورة خلق حيوية سياسية عن طريق نخب و أطر شابّة، و منح دور أكثر للمرأة في المجال العام.
- تكوين و تأطير مواطنين لهم القدرة على البحث بأنفسهم لحلول لقضاياهم “نموذج المجتمع المدني”.
- ترسيخ العدالة الإجتماعية و حل مشكل البطالة و التفاوت الطبقي.
- غرس بذور مجتمع المعرفة.
- ضرورو تجريب ما يسمّى “بالديمقراطية الرقمية” التصويت عن طريق المواقع الإلكتونية و البطائق الذكية.
- توازن الجهات.
- زرع ثقافة الإعتراف.
- فتح نقاش جدّي و عاقل حول إمكانية تطبيق الملكية البرلمانية.
لا يمثّل كل ما قدّمناه فرصة لجلد الذات أو تنكيء الجراح، و ليست خلاصات غائية و أخيرة لتجاوز هذه الأزمة، و إنّما مقترحات وبقدر من الوطنية ، وجدناها ممهّدة لترصيص أرضية صلبة و واقعية، يمكن الإنطلاق منها نحو أفق المعاصرة السياسية و الإجتماعية، و هو الأفق الذي يتميز بالتأكيد على الديمقراطية و حقوق الإنسان.
*كاتب وأستاذ باحث