الهوية بين العلمانية والعولمة؟ الحلقة الثالثة

بقلم: د. محمد وراضي

شهد إذن فولتير– وهو مسيحي الهوية – وشهد القرآن قبله، أن كل ما ادعاه سدنة الكنائس من خرافات وخزعبلات أو معجزات أسندوها لسيدنا عيسى، وأن كل ما نسبوه إلى الإنجيل على اعتبار أنه ضمن مضامينه مجرد أكاذيب ومبتدعات. ومتى افترض أنه عاد إلى الحياة، فماذا سيقول “في عادات أولئك الذين يصرحون بأنهم ممثلوه في الأرض؟ فالمسيح استنكر التفاوت في الدرجات بين الكهنة. ولكن الكنيسة تقوم على التسلسل الكهنوتي: البابا والمطارنة، ورؤساء الأديرة. يأمرون وينهون على هواهم، وصغار الكهنة لا يملكون سوى حق الارتجاف والطاعة. والمسيح استنكر الغنى وأشاد بالفقر. ولكن البابا والمطارنة ورؤساء الأديرة يرفلون في بحبوحة من العيش. باستثناء صغار الكهنة الذين يحيون حياة بائسة ويموتون جوعا. والمسيح جعل الخشوع والندامة أم الفضائل. ولكن البذخ والأبهة يتراءيان في عربات كبار الإكليروس ولباسهم ومواكبهم. والمسيح امتدح صفاء القلب وأطرى سلامة الفكر، ولكن كهنته يقطعون على أنفسهم عهدا بالعفة لا يستطيعون التمسك به، ويتحاكون في تقنيات لاهوتية مخيبة وغير مجدية. ولقد ابتدعوا فن حل مشاكل الذمة الذي يسمح بارتكاب كل الجرائم ضمن بعض الشروط. بل يوصى بها في بعض الحالات. والمسيح أعلن أن السعادة لمحبي السلام، وبارك روح المحبة والغفران. ولكن الكنيسة اخترعت التعصب وخلقت معه الحروب: حرب المنشقين، حرب ضد الهراطقة، حرب ضد البروتستانت، حرب ضد الجانسينيين، وحرب ضد كل من تسول له نفسه بأن يكون محمديا أو يهوديا أو مفكرا حرا (وهل هذه أحوال المسيحيين في عصرنا الحالي؟). ويقدر فولتير عدد الأشخاص الذين ذهبوا ضحية الكنيسة بعشرة ملايين نسمة على الأقل. فأين هي الروح الإنجيلية في هذا كله؟ يا لهم من ممثلين فريدين ليسوع المسيح؟ هؤلاء الممثلون الذين يخالفون بكل حركة من حركاتهم ما جاء في تعاليمه ووصاياه”؟
فرواد النهضة الأوربية إذن ينتقدون ما اعتقد رجال الدين أنه من مضامين الإنجيل. بينما هو ابتداع الأساقفة الذين يشرحون الأناجيل اعتمادا على ما تمليه عليهم نفوسهم. وكان من جملة ما ابتدعوه أن الله ثالث ثلاثة. وأن عيسى هو ابن الله عند بعضهم. وأنه الله نفسه عند البعض الآخر. وباسم البابوية المبتدعة، تم فرض معتقدات زائفة على الشعوب الأوربية. فأصبح الدين المسيحي أداة للتخلف والاستغلال السياسي بدلا من أن يظل وسيلة للتقدم والرقي.
فقد ظهرت الأديرة في المشرق. وبالتحديد في مصر. وكان أن عرفت نشر الفضائل الأخلاقية التي تنسب إلى السيد المسيح. وعندما انتقلت الأديرة إلى الغرب الأوربي، عرف منها نوعان: نوع يميل إلى الزهد الذي كان عدم الزواج من ضمنه ومن نتائجه، تعلق الأمر بالرجال أو تعلق بالنساء. ونوع آخر نشهده في المبادئ التي ينادى بها. إنه يميل إلى ما هو دنيوي أكثر مما يميل إلى ما هو أخروي.
ثم كان أن تداخلت الأديرة وتكاثفت وظهر زعماء منها هنا وهناك، وأخذت بالتدريج تفرض نفسها على الأنظمة العلمانية في صورتها القديمة، إلى أن تحولت إلى الكنائس الكبرى من جهة، وإلى شخصيات متفاوتة المعرفة بالدين من جهة ثانية. وتفاوت المعرفة أوجدت البابوية، هذه التي نسبت في البداية إلى البابا. فكان أن ظهر الفرق في عبارة جريجوري السابع حيث قال: “إن قوى الملوك مستمدة من كبرياء البشر. وقوة رجال الدين مستمدة من رحمة الله”. أما الإرادة البابوية التي هي مجموعة آراء البابا الخاصة بعظمة الوظيفة البابوية وسموها وسلطانها الروحي فتلخصها هذه الأوامر والمواد:
1- البابا وحده هو الذي يتمتع بسلطة عالمية.
2- والبابا وحده يمتلك سلطة تعيين الأساقفة أو عزلهم.
3- وجميع الأمراء العلمانيين يجب أن يقبلوا قدمي البابا وحده.
4- وللبابا وحده الحق في عزل الأباطرة.
5- لا يجوز عقد أي مجمع ديني عام إلا بأمر البابا؟
6- ليس لأي فرد أن يلغي قرارا بابويا. في حين أنه من حق البابا أن يلغي قرارات بقية الناس؟
7- لا يسأل البابا عما يفعل ولا يحاكم على تصرفاته؟
8- للبابا أن يجيز لرعايا أي حاكم علماني التحلل من العهود وإيمان الولاء التي أقسموها كحاكمهم؟
وهكذا يبدو من الآراء السابقة أن جريجوري السابع آمن إيمانا قويا بأن البابا له السلطة العليا فيحكم المجتمع المسيحي. وأنه يعزل الملوك والأباطرة بوصفه نائبا عن القديس بطرس. فإذا امتنع حاكم علماني من تنفيذ تعاليم الكنيسة فإن لها أن تحاربه بالأسلحة الروحية والمادية. وبعبارة أخرى، فإن جريجوري السابع قرر في مجمع روما الديني عام 1075م، أن الطريق الوحيد لإصلاح العالم وتخليصه من الفوضى والشرور، هو إخضاعه للكنيسة، وإخضاع الكنيسة للبابوية.

اترك رد