بين التنمية والتشويش: عندما تتحول النقاشات إلى رسائل مشفرة

بين الصورة البارزة والعنوان

خلال الدورة الأخيرة لمجلس جهة الشرق، التي كان من المفترض أن تكون محطة مؤسساتية مهمة لمناقشة قضايا التنمية ومستقبل الساكنة، طُرحت على جدول الأعمال خمسون نقطة تمس بشكل مباشر مختلف المجالات المرتبطة بحياة المواطنين. كانت فرصة للنقاش الجاد حول المشاريع، والبرامج التنموية، والقرارات التي من شأنها تحسين واقع المنطقة وتعزيز آفاقها الاقتصادية والاجتماعية.

غير أن ما كان يفترض أن يكون فضاءً للنقاش المسؤول وتبادل الرؤى حول سبل خدمة الصالح العام، تحول في بعض الزوايا إلى مشهد مختلف تماماً. فبينما انخرط عدد كبير من الأعضاء في مناقشة الملفات المطروحة بجدية، اختار البعض دوراً مغايراً، دور المتابع من خلف الستار، الذي لا يرى في النقاشات إلا فرصاً لإرسال “رسائل مشفرة” إلى جهات إعلامية تتربص بالمجلس ورئيسه، لاعتبارات قد تكون سياسية أو شخصية لا يعلم تفاصيلها إلا أصحابها.

لقد لاحظ العديد من الحاضرين، وفق ما راج في كواليس الدورة، أن بعض الأفراد لم يكونوا منشغلين بمتابعة مضامين النقاش أو المساهمة في تجويد القرارات، بقدر ما كانوا مهتمين بنقل تفاصيل مجتزأة أو تأويلات انتقائية لما يجري داخل القاعة. وهو سلوك يطرح أكثر من علامة استفهام حول مفهوم المسؤولية السياسية لدى من يفترض أنهم يمثلون الساكنة ويحملون أمانة الدفاع عن مصالحها.

فالعمل داخل المجالس المنتخبة ليس مجرد حضور شكلي أو منصة لتصفية الحسابات، بل هو التزام أخلاقي ومؤسساتي تجاه المواطنين الذين وضعوا ثقتهم في ممثليهم. وعندما يتحول بعض الفاعلين إلى ما يشبه “المراسل السري” لجهات تبحث عن الإثارة أو الاصطياد في الماء العكر، فإن ذلك لا يسيء فقط إلى صورة المجلس، بل يضعف أيضاً مناخ الثقة الذي يفترض أن يحيط بالعمل المؤسساتي.

إن المشهد الذي يتكرر في مثل هذه الحالات يبعث على شيء من الأسف. فمن كان يُنتظر منه أن يكون صوتاً للإقليم ومدافعاً عن قضاياه، يجد نفسه في موقع مختلف تماماً: مصدر لتسريبات، أو وقود لحملات إعلامية مموهة لا هدف لها سوى التشويش على مسار العمل الجماعي. وغالباً ما تكون هذه الحملات مبنية على تأويلات أو سرديات غير مكتملة، يتم تضخيمها وتقديمها للرأي العام وكأنها حقائق مطلقة.

وفي المقابل، تستمر عجلة العمل داخل المجلس رغم الضجيج المحيط بها. فالتنمية لا تُبنى بالصدفة، ولا تتحقق عبر الشعارات أو الرسائل المبطنة، بل عبر قرارات مدروسة، ومشاريع واضحة، وإرادة سياسية حقيقية قادرة على مواجهة التحديات. كما أن المؤسسات، بطبيعتها، مطالبة بأن تكون أكبر من الصراعات الصغيرة التي قد تنشأ داخلها.

ولعل الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من هذا المشهد هي أن العمل السياسي، قبل أن يكون صراعاً على المواقع أو الأدوار، هو منظومة من القيم والأخلاق. فالاختلاف في الرأي أمر طبيعي داخل أي مؤسسة ديمقراطية، بل إنه ضروري لإغناء النقاش. غير أن تحويل الخلاف إلى حملات تشويش أو محاولات للتأثير من خلف الستار، لا يخدم سوى منطق الفوضى ويضر بصورة العمل العام.

كما أن التجارب السياسية أثبتت أن المشاريع التنموية الحقيقية لا تقف طويلاً عند مثل هذه المناوشات. فالمبادرات الجادة، القائمة على التخطيط والعمل الميداني، تفرض نفسها في النهاية، بينما تتلاشى الضوضاء التي تحاول عرقلتها مع مرور الوقت.

وفي هذا السياق، يبدو واضحاً أن مستقبل جهة الشرق لن يُرسم عبر “الرسائل المشفرة” ولا عبر التسريبات والهمسات في أروقة الإعلام، بل عبر العمل المؤسساتي الشفاف، والتعاون بين مختلف الفاعلين، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.

إن من يسعى فعلاً لخدمة الجهة وساكنتها، عليه أن يختار موقعه بوضوح: إما داخل النقاش الجاد والمسؤول الذي ينتج الحلول، أو خارج المشهد حيث تبقى الضوضاء مجرد صدى عابر لا يصنع تنمية ولا يبني مستقبلاً.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة: الجهات لا تُبنى بالصدف، ولا بالمؤامرات، بل بالإرادة والعمل والالتزام. أما من ينسى أن السياسة أخلاق قبل كل شيء، فإنه غالباً ما يجد نفسه يسقط، ليس بسبب الآخرين، بل بسبب اختياراته هو.

اترك رد