تحولات السلفية من المرجعية العلمية إلى التوظيف الجهادي: قراءة في أطروحة محمد بوشيخي

بقلم: عبدالفتاح الحيداوي

تقديم

نتناول في هذه المقالة بالتحليل والنقد كتاب الدكتور محمد بوشيخي الصادر حديثًابعنوان: «تفكيك السلفية: تحولاتها وتحوراتها من مجالس العلم إلى جبهات القتال»[1]، الذي يمثل إضافة نوعية للدراسات العربية المعاصرة حول ظاهرة السلفية، يتبنيه آلية “التفكيك” للظاهرة موضوع الدراسة باعتبارها؛ أي السلفية ليس كيانًا عقديًا ثابتًاإنما بنية متحولة تتشكل بفعل تفاعلها مع النص والسلطة والواقع.

وقد سلك تحليلنا لأطروحة الكتاب مسارين؛ ينطلق الأول من تطور “السلفية الحديثية”ونسقها العقدي، والثاني من نشأة “السلفية الجهادية” ومنطقها المنهجي بوصفها نتاجا لعملية “تهجين مرجعي” معقدة بين “السلفية الحديثية” و”القطبية الحركية”.

1- السلفية كبنية متحولة: تجاوز الجوهر المتخيل

شهدت دراسات الحركات الإسلامية والسلفية على وجه الخصوص تحولاً نوعيًا في العقود الأخيرة، متجاوزة الأطر التوصيفية التقليدية إلى مقاربات تحليلية تسعى لتفكيك البنى الفكرية والوظيفية لهذه الظواهر. وفي هذا السياق، يبرز كتاب الباحث المغربي الدكتور محمد بوشيخي، «تفكيك السلفية: تحولاتها وتحوراتها من مجالس العلم إلى جبهات القتال»، كإسهام محوري في فهم المسارات المعقدة التي قطعتها السلفية من فضاءات التأصيل العلمي إلى حقول الصراع المسلح.

يأتي هذا العمل البحثي الضخم ليسائل الفرضية الشائعة التي تتعامل مع السلفية كمنظومة فكرية جامدة ذات جوهر واحد، مقدمًا تحليلاً تاريخيًا وفكريًا دقيقًا يؤكد أن السلفية بناء متحول تشكَّل عبر تفاعله مع النص والسلطة والواقع الاجتماعي.

وقد انطلق الباحثمن إشكالية مركزية مفادها أن فهم السلفية لا يمكن أن يتم بمعزل عن سياقاتها الزمنية والوظيفية، فبدلاً من البحث عن “جوهر” متخيل للسلفية، يقترح المؤلف مقاربة تفكيكية ترصد تحولاتها وتحوراتها عبر التاريخ. هذه المقاربة تتيح تتبع المسارات المعرفية التي انتقلت بالسلفية من مجالس العلم للمحدثين الأوائل إلى فضاءات التعبئة السياسية إبان القرون الأولى للإسلام وما رافق ذلك من صراعات في الحقل الديني اتخذت من الجدل الكلامي والفقهي غطاءً للعزل ولإقصاء، وذلك قبل أن تقتحم السلفية في زمننا المعاصر جبهات القتال المسلح باسم الجهاد المقدس.

وهذا ما يعد نقلة نوعية في مسار السلفية، عالجها الكتاب بتفكيك العلاقة بين أربعمكونات أساسية في المتن السلفي: الفقيه والمجاهد والنص والواقع. مُظهرًا كيف أن كل مرحلة من مراحل التحول تتضمن إعادة تعريف لهذه العلاقات، مما يُنتج أنماطًا جديدة من الفاعلين والمرجعيات.

2- مسارات التحول والتهجين المرجعي

يقوم الكتاب على خطة تحليلية وفق مسارين رئيسيين، يعكسان منطق التداخل والتحول في الظاهرة السلفية:

الحديثية الإحيائية: السلفية الألبانية وإشكالية المنهج

يتناول القسم الأول تطور الرؤية الحديثية التي تبناها المحدثون الأوائل في تعاملهم مع السياسة وإكراهاتها مُمهدًا لذلك بمحنة ابن حنبل الذي بلور مقاربة في مخاطبة السلطة تقوم على “الازدواجية”، كآلية سلوكية تتيح للمحدثين الظهور في مظهر الرافض للاستبداد من جهة ومن جهة أخرى ترفض الخروج اتقاء للفتنة، وهي المقاربة التي جاءت كرد فعل على فشل التوجُّهالانقلابي للمحدثين بزعامة أحمد بن نصر.

وأمام هكذا وضع، سوف يُسجل المد الحديثي تراجعه في مركز الخلافة العباسية ومؤسساتها العلمية، قبل أن يُعاود الانطلاق من هامش “دار الإسلام” وبالضبط من بلاد الهند التي كانت تشهد ازدهارًا مضطردًا لمدرسة أهل الحديث. بل سوف تعود هذه المدرسة لتستوطن قلب العالم الإسلامي في مهد الإسلام الأول، بفعل قيام الدولة السعودية على مقولات الدعوة النجدية التي تبنَّت السردية الحديثية على المستوى العقدي واعتنقت قاعدة “إذا صح الحديث فهو مذهبي” على المستوى الفقهي، الشيء الذي سيتيح أول فرصة للتهجين بينها وبين المحدثين الهنود وهو ما تُوِّج بميلاد “الحديثية الإحيائية” في زمن محمد الدهلوي مؤسس دار الحديث بالمدينة المنورة.

ومن الحديثية الإحيائية سوف تنسل”الألبانية” نسبة إلى الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، والتي على الرغم من تصنيفها في الغالب على أنها “سلفية دعوية” تنأى عن السياسة، فإن بوشيخي يُبرز تفاعلها مع هموم السياسة الشيء الذي جعلها تتماهى مع شعارات “الإسلام السياسي”، بلصار لها منهج خاص في السياسة أسسه الألباني على عبارة “التصفية والتربية” ما أدى إلى إعادة صياغة السلفية على مستوى الهوية كما على مستوى آليات العمل التغييري. فانتهى بها المطاف من حيث لا تريد إلى استعارة مفاهيم سيد قطب بشأن الجاهلية والحاكمية والمفاصلة وإعادة صياغتها بمسحة حديثية بعد تطويقها بشروط التقييد والتعليم والهجر. التقييد بالنسبة للجاهلية التي طالها التعميم، والتعليم بالنسبة للحاكمية التي استغرقها التسييس، ثم الهجر بالنسبة للمفاصلة التي تلبَّسها البراء.

السلفية الجهادية: التهجين المرجعي والتحول الوظيفي

يمثل هذا القسم الأطروحة الأبرز في الكتاب، حيث يرى بوشيخي أن السلفية الجهادية لم تنشأ من رحم السلفية العقدية وحدها، ولا من القطبية الحركية (نسبة إلى سيد قطب) منفردة، بل من عملية تهجين مُعقدة بين المرجعيتين.

 يمثل التهجين الجهادي ظاهرة مركبة في المشهد الإسلامي المعاصر، حيث لا يمكن فهم جذوره ونسقه بمعزل عن تزاوج مرجعيتين أساسيتين، هما السلفية الحديثية والقطبية الحركية. إذ شكل هذا التزاوج غير المتوقع بين تيارين مختلفين في المنشأ والتركيز، الأساس النظري والعملي الذي مكن الحركات الجهادية الحديثة من تجاوز المؤسسات الدينية التقليدية والانطلاق في مشروعها الثوري العالمي.

مارست السلفية الحديثية دورًاطليعيًافي هذه المعادلة، فبتركيزها الشديد على النص والتأصيل، ورفضها المطلق للمذهبية والتقليد، أضعفت السلطة الفقهية التقليدية التي كانت تمثل صمام الأمان التاريخي ضد التطرف. إذ بدعوتها المباشرة إلى الكتاب والسنة همَّشت دور الفقيه والمؤسسة الدينية الوسطية، ووفرتإطارًا عقديًا ومنهجيًاأفضى إلى “تفكيك” سلطة المرجع التقليدي. وبهذا، نسفت”السلفية الحديثية”البناء المعرفي الذي كان يحول دون القراءة الحرفية والتوظيف المباشر للنصوص في سياقات الصراع السياسي والعسكري.

في المقابل، ملأت”القطبية الحركية” الفراغ المعرفي الذي أحدثته السلفية الحديثية. فمن خلال مفاهيمها المحورية كالحاكمية والجاهلية، والتي ترى في المجتمعات المعاصرة ارتدادًا عن الإسلام يستوجب التكفير، قدمت القطبية التي تؤكد على ضرورة الحركة والمواجهة،الإطار الأيديولوجي الضروري لـ “توظيف” النص في منطق الصراع. فحولت النص من مادة مغلقة، حسب الفهم السلفي باعتباره صالحًا للتوجيه والتطبيق، إلى مادة للتنظير الحركي والتغيير الثوري. وبذلك، لم يعد النص مجرد دليل إرشادي، بل أصبح أداة وظيفية لتبرير العنف وتأطير الصراع ضد العدوين القريب والبعيد.

إن عملية التهجين الجهادي الأساسيةتتجسد في هذا الالتقاء القدري؛ حيث تولت”السلفية الحديثية” مهمة تجريد النص من سلطة التفسير التقليدية، بينما تولت”القطبية” مهمة تزويده بسلطة التفسير الحركية. والنتيجة ظهور فاعل جهادي يمتلك “صلابة” عقدية ومنهجية مستمدة من السلفيةو”حيوية” حركيةوثورية مستمد من القطبية، مما يجعله قادرا على تبرير أقصى درجات العنف باسم تأصيلاته الشرعية من جهة ومقاصده الميدانية من جهة أخرى. وهذا التوليف هو ما منح الحركات الجهادية الحديثة، مثل تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية، قدرتها على التجنيد والتمدد، مستفيدة من إضعاف المرجعية الدينية التقليدية وتطوير مباحثها الفقهية الخاصة بالمواجهة الشاملة. وبهذا أصبح التهجين الجهادي، في جوهره، استراتيجية أيديولوجية تضمن الاستمرارية الثورية عبر دمج نقاء العقيدة المزعوم بضرورة العمل المسلح.

وقد أنتج هذا التهجين، حسب بوشيخيديناميات جديدة ممثلة أساسًا في”مجاهد”يتجاوز الفقه و”نص”منزوع من سياقه، ليتم إعادة توظيف كل منهما “المجاهد” و”النص” في منطق الصراع الجهادي. وبالتالي صارت الجهادية تنطوي في جوهرها على إعادة ترتيب معرفي ومنهجي لعلاقة النص بالواقع، وليست مجرد انحراف سلوكي أو قراءة متشددة للنصوص.

3- قراءات نقدية وأسئلة مفتوحة

من أهم الأفكار التحليلية التي يقدمها الكتاب هي الظاهرة المعبر عنها بفكرة “الجهادي فقيه نفسه”. وهي ظاهرة تشير إلى تفكك الوساطة العلمية التقليدية وانهيار المرجعية الفقهية المؤسسية. ففي ظل غياب الفقيه التقليدي الذي يمثل سلطة التأويل والفتوى، يصعد “الفرد” على شاكلة “الذئب المنفرد”بوصفه أهلاًلتأويل النصوص وتطبيقها بمقتضى حاجته الميدانية دون الرجوع إلى أي سلطة دينية.

هذا التفكك هو نتيجة مباشرة لعملية التهجين، حيث استمد الجهاديون من السلفية الحديثية أدوات نقد المرجعية التقليدية، ومن القطبية الحركية الدافع الحركي والسياسي، ليصبح النص في أيديهم أداة صراع مباشرة لا مادة علمية للتأصيل.

وعلى الرغم من القيمة العلمية الكبيرة للكتاب وإضافته النوعية، فإنه يثير تساؤلات منهجية مشروعة، لا تنتقص من قيمة العمل، بل تؤكد على كونه نصًا مفتوحًا وقابلًا لإنتاج حوار أكاديمي أوسع، وهي ملاحظات نوجزها في نقطتين:

  • إهمال العوامل الاجتماعية والاقتصادية: إذ أن التركيز المكثف على التحولات الفكرية (الحديثية، الألبانية، القطبية…) قد أهمل نسبيا العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي أسهمت في إعادة تشكيل الحضور السلفي في المجال العام ونمط إعادة تشكل الوعي بالنص وعلاقته بالفقه والسلطة، وهو مايُفسر جاذبية الخطاب الجهادي في بيئات معينة.
  • الحاجة إلى تمييز “مذهبي”أوسع: وذلك على مستوى التباينات المذهبية بين التيارات السلفية العاملة في حقول الدعوة والتأصيل والتي ترفض العنف، وبين تلك التي انخرطت فيه. فهذا التمييز ضروري حتى لا يُعمم الربط بين السلفية الحديثية والجهادية أو تُحمَّلالسلفية، بكل حساسياتها، مسؤولية المسار الجهادي ومآلاته،وبالتالي تقديم الجهادية بوصفهانتاجًا لتفاعل وتهجين مرجعي ومنهجيفي سياق معين وظروف معينة.

الخلاصة

يعتبر كتاب «تفكيك السلفية» للدكتور محمد بوشيخي مرجعا مهما للباحثين في الإسلام السياسي والحركات الجهادية. إنه ليس مجرد توصيف لمسار السلفية، بل محاولة لفهم كيف تتحول الأفكار حين تنتقل من حقل العلم إلى حقل الصراع، وكيف يُعاد إنتاج النص حين يصبح أداة في معركة الهوية والسلطة.

إن جرأة الأطروحات ودقة التحليل التي يتميز بها الكتاب تجعله نقطة انطلاق أساسية لأي دراسة مستقبلية تسعى إلى فهم آليات التفكيك والتهجين التي أدت إلى صعود السلفية الجهادية، وتأثير ذلك على مفهوم المرجعية الدينية ودورها في مستقبل السلم العالمي.

المراجع

[1] بوشيخي، محمد. تفكيك السلفية: تحوّلاتها وتحوراتها من مجالس العلم إلى جبهات القتال. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية(2025)

اترك رد