لوموند أمام مغرب واثق: حين تنتهي الوصاية وتبدأ الرواية الذاتية

بالواضح – سعد ناصر

مرة أخرى، اختارت صحيفة لوموند الفرنسية العودة إلى خطابها التقليدي تجاه المغرب، بنشر مقال يحاول تصوير “أجواء نهاية حكم”، في وقت تشهد فيه العلاقات المغربية الفرنسية دفئًا غير مسبوق بعد إعلان باريس دعمها لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء. المفارقة أن المقال لم يأتِ بجديد، بل أعاد تدوير عناوين قديمة حول الوضع الصحي للملك، وصراعات النخبة، وملف أصدقاء القصر، في أسلوب أقرب إلى الإثارة الرخيصة منه إلى الصحافة المهنية.

إن ضعف هذا الخطاب يتجلى في كونه يتجاهل حقائق ماثلة أمام الجميع: مؤسسة ملكية قوية أثبتت قدرتها على قيادة بلد وسط محيط مضطرب، إصلاحات سياسية وتنموية متواصلة، ومغرب يشق طريقه بثبات نحو موقع إقليمي ودولي وازن. في المقابل، لم يجد المقال سوى العودة إلى قوالب مشروخة لم تعد تقنع حتى القارئ الفرنسي، الذي يدرك أن هذه الأساليب لم تعد قادرة على تقديم قراءة موضوعية ولا حتى مؤثرة.

بل إن المقال يضرب نفسه بنفسه، حين يشير إلى أن الملك ظهر مرهقًا خلال مناسبة عيد الأضحى، قبل أن يفنّد نفسه بنفسه ويعترف بظهوره لاحقًا وهو يقود دراجة مائية “جيت سكي” بنفسه على شواطئ الشمال، ويبادل تحايا المواطنين بابتسامته المعهودة. أليس هذا التناقض أبلغ دليل على أن الغاية ليست البحث عن الحقيقة، بل صناعة رواية مثيرة للاستهلاك فقط؟

وما يزيد ارتباك لوموند وضَعف خطابها أنها، في أسلوب الطرح ومستوى النقاش، بدت هذه المرة مفتقدة للمادة الإعلامية الهادفة والمعززة بالمعطيات الخاصة، وهو ما يضعها بعيدًا عن الشروط المهنية التي تميز كبريات المنابر الإعلامية العالمية. لقد انزلقت الصحيفة إلى خطاب عام، متناقض ومبتور، لا يرقى إلى ما ينتظره القارئ المعاصر من وسيلة إعلام تدّعي المرجعية والجدية.

غير أن السؤال الجوهري يفرض نفسه: في عصرنا الحالي، حيث تقاس قيمة الإعلام بقدرته على الفهم العميق والتحليل المسؤول، هل ما زالت العقلية القديمة التي تحرك بعض الأقلام تدرك أنها لن تقدّم ولن تؤخر في مسار بلد مثل المغرب؟ وهل تظن لوموند أن مقالات من هذا النوع ستوقف دينامية داخلية أثبتت نجاعتها، أو ستؤثر في صورة دولة تشهد إشادة متزايدة من شركائها في إفريقيا وأوروبا والعالم؟

بل الأهم من ذلك: من هي لوموند اليوم، ومن يحركها؟ هل ما تزال صحيفة مستقلة تنشد الحقيقة كما تدّعي، أم أنها تحولت إلى أداة ضمن أدوات التأثير الناعمة لدوائر القرار في باريس؟ وهل تكتب دائمًا تحت سقف الأجندة الرسمية، أم أنها أحيانًا تعزف خارج السرب الفرنسي وتتحرك وفق حسابات غامضة لا يعرف مصدرها؟ هذه التساؤلات باتت مشروعة أمام منبر يفترض فيه أن يكون مرجعًا للرأي العام، فإذا به ينزلق إلى لعبة التلميحات والتهويل.

إن المقال الأخير ليس سوى محاولة يائسة لإحياء سرديات فقدت قيمتها، في وقت تتغير فيه موازين القوى لصالح مغرب واثق من اختياراته ومتمسك بسيادته. وما على لوموند إلا أن تدرك أن زمن الوصاية الإعلامية على صورة المغرب قد ولى، وأن القارئ المعاصر أذكى من أن تنطلي عليه محاولات الإثارة الفارغة.

اترك رد