ما وراء صمت أردوغان

بين الصورة البارزة والعنوان

بقلم: د. عبد اللطيف محمد علي راكز (*)

جميع مثقفي الوطن العربي ورواد الفكر التحرري في العالم الذين إشمأزت قلوبهم لما وقع للصحافي جمال خاشقجي من اغتيال وتنكيل بجثته، حيث كنا نتوقع أن ينطق الزعيم أردوغان ويتحدث بصدق حديثه عن تفاصيل المؤامرة ضد الصحافي السعودي المعارض . لكن حين أصبح الثلاثاء 23/10/2018 موعد الحقيقة وكشف ملابسات حادث اغتيال الصحافي المذكور سالف، وجدنا وجها آخر لأردوغان من سماته اتضح للجميع أن هذا الزعيم أجل النطق بالحقيقة فسمات وجهه نلمس فيها نوعا من الرعشة والارتياب؛ أدركنا بحسنا الصحافي وحدسنا الاستخباراتي السابق أن الرئيس التركي تعرض لضغوط دولية حالت دون نطقه للحقيقة ولما لا؟

فتركيا بلد مجاور لسوريا، ولها يد كبيرة في مجريات الأحداث هناك، فهي تحارب الأكراد على حدودها، الذين تدعمهم أمريكا والنظام الوهابي السعودي بأسلحتها وأموالها لخوض حرب ضد الأسد على الأرض نيابة عنهم: أي الأمريكان وآل سعود والخليجيون الذين يرن في بشار العلوي حليفا استراتيجيا لإيران، وبقاؤه يشكل خطرا على السنة وعليهم، ولتركيا اتفاقات مؤكدة مع أمريكا في إدلب وفي الحد من التمدد الكردي في سوريا وعلى حدود تركيا، ولذلك لن يضحي النظام التركي بمصالحه من أجل فضح ملابسات مقتل الصحافي السعودي على أرضه.

إلى جانب ذلك هناك مصالح تركيا مع آل سعود رغم أن السعوديين والاماراتيين لهم علاقة وطيدة بتدبير الانقلاب الأخير ضد أردوغان. ورغم العداء الواضح بينهما فإن تركيا تأمل في التخلص من هذا العداء وإذابة جدار الثلج والبرودة في علاقتهما خصوصا بعد حصار قطر.

ويظن الباحثون في مجال السياسة والمتخصصون في التحليل الاستراتيجي مثلنا، أن وراء صمت أردوغان صفقة، يكون بموجبها رفع الحصار عن قطر على المدى القريب، وإعادة تنشيط دواليب الاقتصاد التركي والاستثمارات، بما يعيد القوة لاقتصاد هذا البلد كسالف وضعه قبل احتدام الصراع الأمريكي السعودي التركي على ضوء اغتيال الصحافي السعودي، إلى جانب إيقاف الدعم الأمريكي والسعودي لأكراد سوريا الذين يشكلون خطورة على الأتراك على مستوى الخط الحدودي التركي السوري، وكذلك عودة تركيا إلى صفوف المنتظم الدولي كدولة ديموقراطية تحترم حقوق الإنسان وترغب في خلق مكانة لها في أوروبا متميزة تسمح لها بالحصول على مقعد في الاتحاد الأوروبي كما تحلم منذ زمن.

فلا ننسى أن لتركيا وجه علماني أتاتوركي إلى جانب الوجه الإسلامي الأردوغاني، الصفقة، وراء صمت أردوغان ورجل بحنكة أردوغان السياسيته لا يمكن أن يترك فرصة كهذه لخلط الأوراق وتعزيز مكانته السياسية دوليا، وتقوية اقتصاد بلده أن تضيع منه، فالصحافي مات والحقيقة كشفها أردوغان على مدى ثلاثة أسابيع إعلاميا، حين سلط الضوء على كافة مراحل القضية وعلى تورط النظام السعودي في عملية الاغتيال مع أنظمة دول أخرى كالامارات ومصر… وسبب إحراجا دوليا لنظام السعودي طيلة فترة التحقيقات.

لكن قبل يوم الثلاثاء تلقى أردوغان اتصالا من العاهل السعودي مباشرة، فقد دخل الملك على الخط السياسي، واتضح للجميع أن ترامب أخذ ثمن صمته عن اغتيال الصحفي السعودي ذي اللجوء السياسي الأمريكي، حين زار وزير خارجيته ولي العهد السعودي.

ونعرف أن محمد بن سلمان من النوع الذي سيدفع أموال السعودية كلها لحفظ دم وجهه دوليا ومحليا، وهذا أمر طبيعي من لدن فصيلة آل سعود، إلى جانب زيارة مديرة المخابرات الأمريكية صبيحة يوم الثلاثاء لأردوغان، حيث تمت إزالة نقاط التحفظ من خطاب الرئيس التركي، وتم حثه على تأجيل ملابسات الحقيقة إلى ما بعد إزالة محمد بن سلمان من ولاية العهد.

أخيرا لم ينطق أردوغان وكمم فاه لمصلحة البلاد التركية ولترميم وضعه على المستوى الدولي، لكن الأيام القادمة ستكشف خفايا مريبة في هذا الملف.

وتبدو من معالم المشهد السياسي الدولي أن الطبخة قد تمت، وأن رحيل محمد بن سلمان بات على الأبواب مؤكدا، ولعل ذلك واضح من خلال تصريحات الأوروبيين وطلبات الأمريكيين بإقالته من الحكم، فالمخابرات الألمانية تقول إنه كيف يحكم دولة كبيرة شاب معتوه عقليا عولج لفترات في مستشفى الأعصاب، والصحف البريطانية تنعته بالشاب المعتوه عقليا، والأحمق، أما داخل السعودية لم يعد هناك مكان لمحمد بن سلمان، وخارجها لا مركن له هناك لكن النفط السعودي يغسل عار كل أمرائه، إلى جانب والعطايا والهبات للملوك والقادة، قد تجعل لهذا الأمير مكانا بينهم، ولكن التاريخ لا يمحي عار الفاسدين مثله، فرحم الله جمال الذي كان عمودا صحافيا منه في صحيفته الأمريكية، يهز عرش بن سلمان لأسابيع حتى فكر في تصفيته.

(*) كاتب وصحفي وباحث في الشأن الدولي

اترك رد