مفهوم المشاركة السياسية في زمن شبكات التواصل الاجتماعي
بقلم: ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ ﺍﺣﺪﻳﺪﻭ(*)
تشكل المشاركة السياسية معيارا أساسيا لمستوى دمقرطة أي مجتمع, مما يجعل جميع الدول تبذل قصارى جهودها للنهوض بها. لكن الملاحظ في السنوات الأخيرة أن مفهوم المشاركة السياسية عرف تطورا كبيرا مع بروز شبكات التواصل الاجتماعي. فإذا كان هذا المفهوم يحيل في الماضي إلى المشاركة في الانتخابات بالتصويت لاختيار ممثلين عن الشعب لتدبير الشؤون العامة فانه اليوم أصبح, بفضل الثورة الرقمية, يتخذ أبعادا و أشكالا متعددة.
لقد أثبتت العديد من الدراسات و الأبحاث أن اتساع استعمال الوسائط الجديدة أدى إلى اتساع نطاق الفضاء العام. ومن الواضح أن هذا السياق الجديد مرده إلى تزايد فرص و فضاءات التعبير و الفعل السياسيين. إذ أن مواقع التواصل الاجتماعي و على رأسها فيسبوك, تويتر و يوتوب أتاحت لجميع منخرطيها إمكانية نشر, تقاسم و مناقشة الآراء و المواقف, كما مكنت مبحري الشبكة العنكبوتية من خلق مجموعات افتراضية للتداول في موضوعات تهم الشأن العام قد تفضي في بعض الأحيان إلى أشكال احتجاجية و تعبيرية خارج العالم الافتراضي كالتجمعات , المظاهرات, المسيرات أو الاعتصامات.
علاوة على هذا, فإن ما يروج على هذه المنصات الرقمية كثيرا ما يكون له وقع و صدى على مستوى الإعلام البصري, السمعي و المكتوب, مما يزيد من سرعة و كثافة تأثيره على الرأي العام. كل هذا يجعل الدولة في بعض الأحيان ملزمة بالتفاعل و الرد بإصدار بلاغات قصد التوضيح أو التكذيب في حالة الإشاعات التي من كثرة تداولها و تقاسمها قد تساهم في تضليل الرأي العام. الأكثر من هذا, قد تعمد الدولة إلى فتح تحقيقات و أبحاث قضائية أو إدارية لتجميع المعلومات و المعطيات قبل اتخاذ القرارات.
إذا كان مفهوم المشاركة السياسية يشمل كل الأفعال التي تروم التأثير بشكل مباشر أو غير مباشر على القرار السياسي, فمن الواضح أن شبكات التواصل لاجتماعي جعلت هذا المفهوم أكثر اتساعا و تنوعا. إذ طفت إلى السطح في السنوات الأخيرة أنماط جديدة للاحتجاج و التعبير السياسي. والأدهى من هذا شكلت هذه الفضاءات الافتراضية ملاذا للعديد من المواطنين, في الغالب عازفين عن المشاركة السياسية بمفهومها التقليدي المتمثل في المشاركة في الانتخابات, للتعبير عن آراءهم و محاولة إقناع الآخرين بها. ورغم أن بعض الدراسات أثبتت أن المستفيد الأكبر من هذه الشبكات الافتراضية هم الذين يملكون من قبل رصيدا من التجربة و المعرفة السياسيتين في العالم الواقعي فلا يمكن إنكار بروز فئات جديدة من الفاعلين السياسيين عرفت كيف توظف الإمكانيات التي تتيحها هذه الشبكات سواء في النشر, التفاعل أو التجنيد. و عموما يمكن القول أن هناك ثلاث عوامل أدت إلى تطور و إعادة تشكل مفهوم المشاركة السياسية.
الأول, ضعف المؤسسات التقليدية للوساطة كالأحزاب و النقابات في تأطير و احتواء المواطنين, و خاصة الشباب منهم, و كذا عجزها عن مواكبة التطورات المتسارعة في سلوكيات الاستعلام و الفعل السياسيين. فحتى و إن تواجدت هذه المؤسسات في العالم الافتراضي فهي تتعامل بنفس منطق الوسائط التقليدية.
الثاني, جاذبية و فعالية الوظائف المتاحة على شبكات التواصل الاجتماعي. إذ تبقى الصورة سواء القارة أو المتحركة من أهم أشكال التعبير السياسي على هذه الشبكات نضرا لسهولة إنتاجها, نشرها, التعليق عليها و تقاسمها في كل زمان و مكان.
الثالث, كون الفضاء الافتراضي سهل الولوج وبأي هوية وكذا تمثله من لدن المبحرين كفضاء حر بعيد عن الرقابة, القيود و الاكراهات التي تطبع العالم الواقعي, يجعل المنخرطين في شبكات التواصل الاجتماعي أكثر تعبيرا و مشاركة في الشأن السياسي.
و ختاما, يبقى التحدي اليوم هو كيف نجعل من هذا الفضاء الافتراضي أداة رقابية و منبعا للأفكار, مما قد يساهم في تجويد الفعل السياسي في بلادنا و التأسيس لديمقراطية تشاركية حقيقية.
ﺑﺎﺣﺚ ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝ ﺍﻟﺘﻮﺍﺻﻞ
ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﻭﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺎﺕ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ
ﻟﻼﺗﺼﺎﻝ(*)