من أزمة الماء إلى أزمة التدبير: وزارة التجهيز في قفص النقد

بين الصورة البارزة والعنوان

بالواضح – خالد مسرور

رغم الشعارات المعلنة والاستراتيجيات المتعددة، يواجه قطاع الماء في المغرب واحدة من أكبر أزماته الهيكلية، حيث لم تنجح وزارة التجهيز والماء، إلى حدود الساعة، في إقناع الرأي العام والمراقبين بقدرتها على مواكبة حجم التحديات المائية المتفاقمة. فالأزمة لم تعد فقط في ضعف الموارد، بل في طريقة تدبيرها، وتداخل المسؤوليات، وتأخر الإصلاحات الحيوية التي ظلت معلّقة رغم استعجال الوضع.

وإذا كانت الوزارة قد أطلقت برامج كبرى، على رأسها “البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2020–2027”، فإن تقارير رقابية رسمية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات، رصدت اختلالات واضحة في مسار الإنجاز، من أبرزها تأخر الربط بين الأحواض المائية (مثل سبو–أبي رقراق–أم الربيع)، وهو ما حرم مناطق واسعة في الشمال والوسط من دعم مائي فعّال، رغم اعتبار هذا المشروع ضمن الأولويات الاستراتيجية.

وعلى مستوى العالم القروي، يظل غياب الربط الشامل للمناطق الداخلية بمحطات التحلية إحدى أبرز النقاط السوداء، حيث ورغم الإعلان عن إطلاق عدة مشاريع تحلية (الدار البيضاء، أكادير، الداخلة)، فإن بطء الإنجاز وتشتت الرؤية حول سياسة التوزيع حال دون تحسين العدالة المائية في الأقاليم الأكثر هشاشة. كما أن التحول نحو الري الموضعي لم يتحقق بالوتيرة المطلوبة، ما أدى إلى استمرار الضغط الكبير على الفرشات الجوفية، في وقت تشكو فيه البلاد من شحّ مائي غير مسبوق.

هذه التأخيرات لا تنفصل عن ملاحظات أخرى وردت في تقارير المؤسسات الرقابية، والتي تحدثت عن بطء إخراج النصوص التطبيقية لقانون الماء 36.15، وتشتت المسؤوليات بين المصالح المركزية والجهوية، وغياب تقييم موحد للبرامج، الأمر الذي يُضعف الفعالية ويكرّس العشوائية في اتخاذ القرار.

أما من حيث التواصل مع الرأي العام، فقد ظلت الوزارة في موقع دفاعي، تقدم معطيات مجزّأة وموسمية، دون إشراك فعلي للمواطنين أو المختصين في رسم أولويات التدبير، ودون تقديم حصائل واضحة حول نسب الإنجاز، أو مدى نجاعة الحلول المتبناة.

وفي خضم هذه الصعوبات، تراهن الحكومة على مغربة التدبير المفوض عبر إحداث شركات جهوية متعددة الخدمات، عوض شركات التدبير الأجنبية، لكن هذا الورش بدوره يُطرح عليه سؤال الحكامة، ومدى قدرته على تفادي أخطاء النموذج السابق، خاصة في ما يتعلق بالشفافية ومراقبة الكلفة وجودة الخدمات.

إن أزمة الماء في المغرب لم تعد مرتبطة فقط بندرة الموارد، بل أضحت مرتبطة بشكل مباشر بأزمة في الحكامة، والتخطيط، والنجاعة التنفيذية. ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس فقط تسريع الأشغال أو بناء محطات، بل إعادة النظر في النموذج التدبيري برمته، بما يضمن الاستباق، والعدالة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بعيدًا عن الخطابات التطمينية التي لم تعد تقنع أحدًا في ظل تسارع وتيرة العجز المائي.

اترك رد