من المستفيد من همجية العنصرية بإسبانيا؟
بقلم: الحسن لهمك
على إثر الأحداث التي شهدتها بلدة طوري باتشيكو بإقليم مورسيا الإسبانية، والمتمثلة في اعتداء ثلاثة شبان مجهولي الجنسية والهوية على شخص مسن من جنسية إسبانية، اندلعت شرارة الكراهية، لتُشعل نيران التوتر، في مشهد يوحي بأن وراء الأكمة ما وراءها.
فقد سارعت بعض الجهات إلى الركوب على الحادث، ونسبت الاعتداء إلى شبان من أصول مغربية، في سلوك يُفصح عن نوايا دفينة، تروم تأجيج المجتمع المحلي وتعبئته لخدمة أجندات خبيثة، ولو على حساب المصالح العامة لإسبانيا، وتشويه صورة المهاجرين، الذين يشكّلون قوة عاملة تُسهم في إنتاج الثروة الوطنية.
هذا الحادث، الذي يبقى ـ بغض النظر عن مرتكبيه ـ فعلًا معزولًا يستوجب المتابعة والعقاب في إطار القانون، استُغل بشكل مقيت من أطراف تجيد إشعال الفتن، ولا تؤمن بالمساواة أمام القانون، بل تتغذى على أوهام العرق وتمجيد الذات، وتسير في أودية البغضاء والحقد.
هؤلاء، بانزلاقهم الأخلاقي، يزجون بالمجتمع الإسباني في متاهات “الهمجية الجديدة” لما بعد الحداثة، ويقوّضون صورة الدولة المنفتحة، الديمقراطية، المتشبعة بقيم الحق والقانون، والفاعلة على الصعيد الدولي.
تحريف الحدث وتزوير الحقائق، وتضليل الرأي العام بفبركات إعلامية مدروسة، ليس سوى تعبير عن إفلاس سياسي عميق. فأولئك الذين فشلوا في كسب ثقة المجتمع عبر الأدوات الديمقراطية، لم يتبقّ لهم سوى سلاح الفتنة والعنصرية لاستمالة مشاعر الغضب وتوجيهها وفق حساباتهم الضيقة.
وربما يغيب عن هؤلاء أن الاعتداء على فرد هو شأن يخص السلطة القضائية وحدها، في إطار احترام مبدأ فصل السلط. لكنهم، بغشاوة الكراهية، فقدوا بوصلتهم، واختلطت عليهم مفاهيم الدولة الحديثة.
ولعلّ مقولة غوستاف لوبون تختصر هذا المنطق ببلاغة حين قال:
“لكي نقنع الجماهير ينبغي أولاً أن نفهم العواطف الجياشة في صدورها، وأن نتظاهر بأننا نشاطرها إياها، ثم نحاول بعدئذٍ أن نغيرها عن طريق إثارة بعض الصور المحرّضة بواسطة الربط غير المنطقي بين الأشياء.”
إنها آليات المهزوم، الذي يسعى لتحقيق “مجد زائف” بالتزوير والتضليل.
وفي خضم هذا التوتر المفتعل، يتعين على جميع مكونات المجتمع المدني التحلي بالحكمة، وتفادي خطابات التأجيج والعنف، والامتناع عن السقوط في فخ العنف المضاد، لأن مثل هذه الردود لا تُسهم سوى في تغذية الأجندات المتطرفة.
فالمشاكل لا تُحل بإرادة فردية، وإنما ضمن مساطر الدولة وسلطاتها الشرعية. وأي ردة فعل غير محسوبة، ستكون مجرد وقود إضافي لمشروع الفتنة.
وعليه، فإن الحذر واليقظة ضروريان. ولا بد من التساؤل في الختام:
هل يملك المجتمع الإسباني، بتقاليده العريقة، مناعة كافية لمواجهة هذه “الطفيليات” الفكرية؟
وهل تمتلك الجهات العنصرية شجاعة تطهير خطابها بما يخدم صورة إسبانيا، ويعزز مكانتها الحقوقية والاقتصادية عالميًا؟