هل يتم الوئام المغربي الجزائري.. قراءة استيضاحية

بين الصورة البارزة والعنوان

بقلم: عبداللطيف محمد علي راكز (*)

يعتبر خطاب محمد السادس في المسيرة هذه السنة خطابا متميزا وجريئا واضحا، لأنه دعوة لرأب الصدع الحاصل بين الجزائر و المغرب، وطي خلاف عميق بين الدولتين، تجاوز عمره أربعين سنة وما فوق، بسبب الصراع حول الصحراء المغربية، حيث تعتبر الجزائر وجود المغرب فيها وجودا استعماريا، وتدعو بكل ما أوتيت من جهد لتمكين الجبهة الصحراوية المسماة البوليساريو من الاستقلال ذاتي، وهو ما يرفضه المغرب لتخوفه من وجود دويلة صغيرة فوق صحرائه ستهدد النظام السياسي له لاحقا وتشكل خطورة على العرش المغربي، إلا إذا تم ذلك في إطار مقاربة الحكم الذاتي لها.

لقد طال أمد النزاع حول الصحراء، واستنزفت أموال المغاربة فيه وكذلك الجزائريين، وحال هذا النزاع دون استفادة الدولتين من كلاهما، ودون إنشاء وحدة المغرب الكبير التي وضعت لها اللبنة الأساسية في 1988، وضاعت أموال كثيرة في شراء المعدات العسكرية خوفا من حرب بين الدولتين تشعل فتيلها البوليساريو، وفطن نظام الملك إلى أن استمرار هذا النزاع ليس في مصلحة المغرب ولا الجزائر، فالمغرب مستهدف في وحدته الترابية وفي عرشه السياسي، وطموحات الأنظمة الإمبريالية واضحة للعموم في هذا الإطار، وتسعى قوى الفوضى الخلاقة لبث التفرقة داخل المملكة عبر إشعال فتيل الأقليات والتعصب الطائفي، وذلك لتقسيم الدولة لمنطقة ريفية، ومنطقة أطلسية زمورية، و سوسية أمازيغية وصحراوية إنفصالية، بدعم من دول الجوار المغاربية وإسبانيا وغيرها. وقد تأكد الملك من هذه المؤامرات فبادر في خطابه هذا إلى المصالحة مع الجزائر، عبر خلق آليات تواصلية بين الطرفين يتم بموجبها تطبيع العلاقات بين الدولتين وفتح الحدود بينهما وحل الخلاف التاريخي حول قضية الصحراء.

والحق أنها خطوة جريئة من ملك المغرب ترى بعين كبيرة مصلحة البلد فوق أي اعتبار، فالمغرب يعيش أزمة سياسية خانقة تمثلت في فشل الحكومات السياسية المتعاقبة عليه، والتي لم تخدم مصلحة الشعب مطلقا بل عملت على تزوير إرادته وطمس هويته الوطنية وإرهاق قدراته الشرائية، بواسطة غلاء المعيشة، والحفاظ على الحد الأدنى في الأجور، إضافة إلى عدم استجابته لمطالبه المشروعة في العيش الرغيد، وفي العلاج المجاني والتعليم وحق العمل، إنها حكومات تفقيرية، أغنت الغني وزادت الضعيف فقرا وزيفت إرادته السياسية، حكومات لا يسيرها إلا المخزن ولا تفلح إلا في تركيع الشعب عبر اعتقال أبنائه، وسجن مناضليه وتلفيق التهم الكيدية لأحراره وقد بدت ملامح هذا المغرب لصاحب الجلالة، بعد أن تأكد من كون وزرائه فاسدون ومرتشون، وكون أغلب فئات المجتمع تعاني الإحباط من وضع البلد السياسي والاجتماعي والتهميش، فبات من الواضح العمل على إنقاذه، عبر تفعيل الإرادة السياسية الحقة للبلد المتمثلة في ملك البلاد الوصي الأول والأخير على الشعب والدولة والمسار السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمملكة، بموجب الدستور والبيعة التي تعتبر تأطيرا للعلاقة بين القمة والقاعدة، وأنه من المؤكد أن الإنتقادات الكثيرة التي وجهت لملك البلاد، لغيابه عن تسيير البلاد لفترات طويلة وإسناده هذه المأمورية لبعض مستشاريه ولشخوص خاصة، إلى جانب المستوى المتدني للخدمات، الذي بات مظهرا عاما من مظاهر الحياة اليومية في مجتمعنا البئيس، كل هذه المعطيات أدت بمحمد السادس للعودة لمدارج الحياة، وجعلته يعيد ترميم خيارات له عدة داخليا وخارجيا، كان في مقدمتها المستوى الخارجي، فخطاب المسيرة الخضراء لهذه السنة ودعوته للجزائر لعناق تاريخي، ومصالحة شاملة تخدم مصالح الكل بعيدا عن الأنانية وحب الذات والعداوة التاريخية لكل بلد اتجاه الآخر ولعلها صيحة جادة ومعقولة، ودعوة منطقية لترميم المغرب العربي، وإعادة الدفع للعلاقات الجوار الجزائرية المغربية.

(*) كاتب وصحافي ومحلل سياسي

اترك رد