الجيل الجديد للتنمية المحلية.. من مقاربة تقليدية إلى رؤية ملكية متكاملة، واسعة وشمولية

بين الصورة البارزة والعنوان

بقلم: عمر المصادي

يأتي خطاب جلالة الملك محمد السادس نصره الله، بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش المجيد، ليضع معالم تحول نوعي في تصور الدولة المغربية للتنمية المحلية، مؤكدا على أن المرحلة المقبلة تتطلب جيلا جديدا من المبادرات التنموية يقوم على العدالة المجالية والإنصاف الإجتماعي والمشاركة المواطنة.
لقد شدد جلالة الملك في خطابه السامي، على أن التنمية لم تعد تقاس فقط بمؤشرات الإقتصاد والإستثمار، بل أصبحت مشروطة بمدى قدرتها على تحسين ظروف عيش المواطنين في كل مناطق المملكة، وتجاوز الفوارق بين الجهات. وأعلن بشكل واضح: “لا مكان اليوم ولا غدا لمغرب يسير بسرعتين”، في إشارة قوية إلى ضرورة تجاوز الفوارق التنموية بين المدن والقرى، وبين الجهات المتقدمة وتلك التي تعاني من الهشاشة.

كما دعا الخطاب الملكي إلى تجاوز المقاربات الإجتماعية التقليدية، واعتماد رؤية جديدة تقوم على الدمج الفعلي للبعد الترابي في كل البرامج والسياسات العمومية، بحيث تصمم المشاريع حسب حاجيات كل جهة وخصوصياتها، من أجل تعزيز التوازن في توزيع فرص التنمية.

الخطاب الملكي السامي حدد أربع أولويات استراتيجية للجيل الجديد من التنمية المحلية:
– دعم التشغيل على المستوى المحلي؛
من خلال تثمين مؤهلات كل جهة، وتحفيز الإستثمارات الصغرى والمتوسطة، وخلق بيئة مواتية لمبادرات الشباب والمرأة في العالم القروي والحضري على السواء.
– تحسين الخدمات الإجتماعية الأساسية؛
كالصحة والتعليم والسكن، عبر تعزيز حضور الدولة في المناطق الأقل حظا، وتوفير خدمات ذات جودة تكرس الكرامة وتقلص الفوارق.
– التدبير المستدام للموارد المائية؛
في ظل ما تعرفه المملكة من تحديات مناخية، يأتي الحفاظ على الماء كأولوية وطنية، تستوجب حلولا جهوية مبتكرة لتأمين الأمن المائي لكل جهة.
– إطلاق مشاريع للتأهيل الترابي المتكامل؛
بهدف تطوير البنية التحتية، وفتح المناطق النائية على دينامية الإقتصاد الوطني، بما يعزز الربط المجالي ويقلص العزلة.

وفي ظل التوجيهات الملكية الطموحة، تبرز وزارة الداخلية كفاعل محوري وقادر على قيادة هذا التحول التنموي، نظرا لتجربتها الغنية والميدانية في تنفيذ برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والتي أصبحت نموذجا في اعتماد مقاربات القرب، والفعالية، والتتبع المستمر للمشاريع.
لقد أثبتت وزارة الداخلية قدرتها على تنسيق الجهود بين مختلف المتدخلين المحليين، وضمان التقائية السياسات العمومية على المستوى الترابي، فضلا عن تتبع الإنجاز وضمان الشفافية في تنزيل البرامج، وهو ما يجعلها مؤهلة اليوم لتقود هذا “الجيل الجديد من التنمية المحلية”، بشراكة مع الجماعات الترابية، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص.

وما يميز خطاب العرش 2025، هو الدعوة الصريحة إلى إرساء تعاقد جديد بين الدولة والجهات، يقوم على مبادئ الجهوية المتقدمة، والتدبير التشاركي، والإعتماد على الكفاءات المحلية، فالمواطن لم يعد فقط مستفيدا من التنمية، بل يجب أن يكون فاعلا فيها، وصاحب رأي وتأثير في تحديد أولويات منطقته.

وفي الأخير يجب التأكيد على أن الجيل الجديد من التنمية المحلية، كما أراده صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، ليس مجرد شعار، بل هو مشروع مجتمعي قائم على رؤية استراتيجية واضحة، تستحضر الإنصاف، والفعالية، والمشاركة. ومع توافر الخبرة المؤسساتية لوزارة الداخلية، ،والوعي المجتمعي المتزايد، فإن المغرب اليوم يقف أمام فرصة تاريخية لبناء نموذج تنموي ترابي أكثر عدالة واستدامة وإنصافا لجميع أبنائه.

اترك رد