حياد الداخلية بشهادة بنكيران وبنعبدالله.. وسردية «حتى الآن» لتبرير خسارة انتخابية محتملة

بالواضح – الرباط

منذ بداية الحملة الانتخابية التشريعية، ظل اسم وزارة الداخلية حاضراً في خطاب بعض الزعماء السياسيين، ليس باعتبارها طرفاً في المنافسة الانتخابية، وإنما باعتبارها الجهة التي يفترض فيها تدبير الاستحقاق وضمان احترام قواعده. غير أن اللافت في هذا الخطاب أن عبدالإله بنكيران ومحمد نبيل بنعبدالله، وهما من أبرز الوجوه السياسية المعارضة، ظلا يكرران، بصيغ مختلفة، فكرة واحدة: وزارة الداخلية محايدة، وتقف على مسافة واحدة من الأحزاب، «حتى الآن».

بنكيران قال بوضوح إن وزارة الداخلية «تبدو محايدة وعلى نفس المسافة من سائر الأحزاب»، وشكرها على ذلك، قبل أن يطلب منها الاستمرار في النهج نفسه إلى حين انتهاء الانتخابات وإعلان النتائج.

أما بنعبدالله، فقال قبل أيام من الاقتراع إن «الإدارة الترابية لم تتدخل إلى حد الآن»، ولم يسجل، وفق ما نقل عنه، ما يثبت تدخلاً إدارياً في الحملة الانتخابية.

وهنا تطرح عبارة «حتى الآن» نفسها باعتبارها أكثر من مجرد تعبير عابر. فهي تعني، في معناها المباشر، أن صاحبيها لا يقدمان اتهاماً قائماً ضد الإدارة، بل يقران، إلى حدود المرحلة التي يتحدثان عنها، بعدم وجود ما يثبت انحيازها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه العبارة، بعد إعلان النتائج، إلى أرضية جاهزة لتفسير أي نتيجة غير مرضية سياسياً.

لا يمكن الجزم بأن بنكيران أو بنعبدالله يعرفان مسبقاً نتائج الانتخابات، ولا أن أياً منهما قرر مسبقاً اتهام الإدارة إذا لم تكن النتائج في صالح حزبه. لكن من المشروع صحافياً وسياسياً ملاحظة أن الإكثار من التحفظ المرتبط بعبارة «إلى حد الآن» يترك الباب مفتوحاً أمام رواية يمكن استدعاؤها لاحقاً، خصوصاً إذا جاءت الصناديق بما لا يوافق التوقعات أو الطموحات الحزبية.

وهنا تحديداً ينبغي الفصل بين أمرين: حق الأحزاب في مراقبة العملية الانتخابية وتسجيل ملاحظاتها، وحقها في تفسير نتائجها السياسية بعد ظهورها.

فالانتخابات ليست امتحاناً لوزارة الداخلية وحدها، وإنما هي أولاً اختبار للأحزاب وبرامجها ومرشحيها وقدرتها على إقناع الناخبين وحشدهم والوصول إليهم. والصندوق الانتخابي لا يملك أن يكون مسؤولاً عن نجاح حزب أو إخفاقه، كما أن الإدارة التي تنظم الاقتراع لا يمكن أن تتحول، بمجرد عدم رضى فاعل سياسي عن النتيجة، إلى شماعة جاهزة لتفسير الخسارة.

حين تشهد الخصومة السياسية نفسها بحياد الإدارة

المفارقة اللافتة أن الرجلين اللذين يوجهان النقد السياسي للحكومة ولأوضاع البلاد، ويخوض حزباهمـا الانتخابات بحثاً عن نتائج أفضل، لم يقدما خلال الأيام الأخيرة من الحملة دليلاً موثقاً على انحياز وزارة الداخلية إلى حزب بعينه.

بل إن بنكيران ذهب إلى أبعد من ذلك حين أعلن ارتياحه لطريقة تعامل الوزارة، ودعاها إلى الاستمرار في النهج نفسه.

وبنعبدالله بدوره تحدث عن حياد الإدارة الترابية، وقال إن حزبه لم يواجه، إلى حدود حديثه، تدخلاً إدارياً في الحملة.

وهذا المعطى مهم للغاية، لأن النقاش حول نزاهة الإدارة لا ينبغي أن يبنى على الانطباعات، ولا على احتمال مستقبلي، وإنما على الوقائع والملاحظات والأدلة.

وإذا كانت هناك خروقات انتخابية، فإن مكانها الطبيعي هو محاضرها وشكاياتها وآليات الطعن فيها، وليس إطلاق أحكام مسبقة على الإدارة أو تحويل النتائج، قبل ظهورها، إلى معركة سياسية مع وزارة الداخلية.

وزارة الداخلية ليست وافداً جديداً على الانتخابات

من يريد تقييم الدور الذي تقوم به وزارة الداخلية في الانتخابات المغربية لا يمكنه أن يبدأ من تصريحات انتخابية عابرة، ولا أن ينهي النقاش عندها.

فالإدارة الانتخابية المغربية راكمت على مدى عقود خبرة واسعة في تنظيم الاستحقاقات الوطنية والترابية، وأصبحت جزءاً من بنية مؤسساتية متكاملة تشمل الإعداد للوائح الانتخابية، وتدبير مراحل الترشيح والحملة والاقتراع والفرز، إلى جانب أدوار هيئات قضائية ومؤسساتية أخرى.

والموقع الرسمي للانتخابات التشريعية لسنة 2026 يحدد وزارة الداخلية والمحكمة الدستورية ضمن الجهات المشرفة على المسار الانتخابي، فيما تؤكد قاعدة البيانات المقارنة لمشروع ACE، نقلاً عن تقرير لمجلس أوروبا، أن وزارة الداخلية مسؤولة عن إدارة وتنظيم الانتخابات في المملكة، بما يشمل جوانب متعددة من العملية الانتخابية.

إذن نحن أمام جهاز إداري له خبرة متراكمة، وليس أمام إدارة تبدأ تجربة انتخابية جديدة مع كل استحقاق.

وهذه الحقيقة لا تعني أن الإدارة معصومة من الخطأ، ولا أن كل ممارسة إدارية لا تقبل النقد. لكنها تعني شيئاً بسيطاً: من يريد اتهامها بالانحياز فعليه أن يقدم الدليل، ومن يريد الدفاع عن نزاهة الانتخابات عليه أيضاً أن يستند إلى الوقائع.

شهادة أوروبية لا تحتاج إلى تزكية حزبية

وهنا تكتسب التجربة المغربية بعداً يتجاوز السجال السياسي الداخلي.

فمجلس أوروبا يعتبر المغرب أول دولة تحصل على صفة «الشريك من أجل الديمقراطية المحلية» لدى مؤتمر السلطات المحلية والجهوية سنة 2019، وهي صيغة تتيح للممثلين المغاربة المشاركة في أعمال المؤتمر ولجانه والمساهمة في النقاش حول الديمقراطية المحلية والحكامة الترابية.

والأهم أن هذا المسار لم يكن مجرد عنوان دبلوماسي؛ فقد شارك المغرب في آليات التعاون وتبادل الخبرات مع مجلس أوروبا، فيما أشار المجلس نفسه إلى أن برنامج التعاون مع المملكة يقوم على تبادل التجارب والخبرات والممارسات في مجال الإصلاحات المرتبطة باللامركزية.

ثم جاءت محطة أكثر دلالة: في أبريل 2025، شارك ممثل مغربي، هو رئيس الجمعية المغربية لرؤساء مجالس العمالات والأقاليم عبدالعزيز الدرويش، ضمن بعثة مؤتمر السلطات المحلية والجهوية التابع لمجلس أوروبا لملاحظة الانتخابات البلدية والجهوية في فنلندا. وكانت تلك أول مشاركة مغربية من هذا النوع منذ حصول المملكة على صفة الشريك من أجل الديمقراطية المحلية.

هذه ليست شهادة حزبية صادرة عن خصم أو حليف سياسي مغربي. إنها واقعة موثقة داخل مؤسسة أوروبية.

إقرأ أيضا: من الرباط إلى هلسنكي حين تصبح التجربة المغربية حاضرة في مراقبة الانتخابات الأوروبية

والأهم أن المسار الأوروبي لم يكن في اتجاه واحد؛ فمجلس أوروبا سبق له أن أوفد بعثة لملاحظة الانتخابات الجماعية والجهوية التي جرت في المغرب سنة 2021، قبل أن يشارك ممثل مغربي في بعثة ملاحظة الانتخابات المحلية والجهوية في فنلندا سنة 2025.

وهذا لا يعني أن التجربة المغربية كاملة أو فوق النقد، لكنه يعني أن الحديث عن الانتخابات المغربية لا يمكن اختزاله في رواية سياسية داخلية واحدة، لأن للمملكة أيضاً مساراً مؤسساتياً موثقاً في التعاون الدولي وتبادل الخبرات الانتخابية والمحلية.

من حق الأحزاب أن تراقب.. وليس من حق النتائج أن تصبح ذريعة

من الطبيعي أن تراقب الأحزاب الانتخابات، ومن حقها أن تسجل كل ملاحظة أو خرق، ومن واجب الإدارة أن تتعامل مع الشكايات بجدية وفق القانون.

لكن هناك فرقاً كبيراً بين المراقبة السياسية المشروعة وبين بناء مرافعة مسبقة ضد النتيجة.

فالانتخابات التي تنتهي بنتيجة لا ترضي حزباً معيناً لا تصبح، تلقائياً، انتخابات غير نزيهة. والهزيمة السياسية، إن وقعت، لا تحتاج بالضرورة إلى تفسير إداري.

الحزب قد يخسر لأنه لم يقنع بما يكفي، أو لأن منافسيه أقنعوا أكثر، أو لأن الناخبين اختاروا خيارات مختلفة، أو بسبب عوامل تتعلق بالتعبئة والتنظيم والبرنامج والصورة السياسية للحزب. وهذه كلها احتمالات سياسية طبيعية في أي انتخابات.

أما تحويل الخسارة المحتملة، قبل وقوعها، إلى نتيجة متوقعة بفعل الإدارة، فذلك ينقل النقاش من تقييم الأداء السياسي إلى البحث عن مسؤول خارجي عنه.

«حتى الآن».. ماذا بعد الصندوق؟

هنا تصبح العبارة التي تكررت خلال الحملة جديرة بالتوقف.

إذا كانت وزارة الداخلية، بحسب تصريحات بنكيران وبنعبدالله أنفسهما، محايدة إلى حدود المرحلة الأخيرة من الحملة، وتقف على مسافة واحدة من الأحزاب، ولم تتدخل في مسار الحملة وفق ما صرح به بنعبدالله، فإن السؤال المنطقي بعد الاقتراع سيكون: ما الذي تغير تحديداً؟ وما هو الدليل الذي يمكن تقديمه؟

لأن الانتقال من عبارة «الداخلية محايدة حتى الآن» إلى اتهامها بعد إعلان النتائج يحتاج إلى أكثر من نتيجة انتخابية غير مرضية.

يحتاج إلى وقائع.

يحتاج إلى محاضر.

يحتاج إلى شكايات موثقة.

يحتاج إلى قرائن قابلة للفحص.

ويحتاج، قبل كل شيء، إلى عدم الخلط بين النتيجة التي يريدها الحزب والنتيجة التي يفرزها الناخبون.

المغرب أكبر من رواية انتخابية عابرة

الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 ليست مجرد منافسة بين الأحزاب، ولا ينبغي أن تتحول وزارة الداخلية إلى موضوع دائم لتصفية الحساب السياسي.

فالمغرب بنى خلال عقود تجربة انتخابية وإدارية متراكمة، وهذه التجربة أصبحت موضوع تعاون وتبادل خبرات مع مؤسسات دولية وأوروبية. ووزارة الداخلية، بما راكمته أطرها وموظفوها ومسؤولوها من خبرة في إدارة الاستحقاقات، تمثل جزءاً أساسياً من هذا التراكم المؤسساتي.

ويمكن انتقاد الإدارة عندما تخطئ، بل يجب تصحيح الخطأ عندما يثبت. لكن الإنصاف يقتضي أيضاً أن يُعترف لها بما يثبت في الواقع، وألا تتحول إلى متهم افتراضي ينتظر فقط إعلان النتائج.

فالذين يطالبون اليوم بأن تبقى الداخلية على مسافة واحدة من الجميع يقولون، من حيث لا يريدون، إن المطلوب هو استمرار ما يرونه حياداً قائماً. وهذه نقطة ينبغي تثبيتها لا القفز عليها.

أما إذا كانت بعض الأحزاب تخشى مسبقاً نتائج الصندوق، فإن علاج ذلك ليس صناعة خصم افتراضي اسمه «الإدارة»، وإنما العودة إلى السياسة نفسها: ماذا قدم الحزب؟ ماذا قال للناخب؟ ماذا أنجز؟ كم أقنع من المواطنين؟ ولماذا اختار الناخبون ما اختاروه؟

يوم الاقتراع هو يوم الحقيقة

في نهاية المطاف، غداً لا تصوت وزارة الداخلية، ولا يصوت الولاة والعمال، ولا يصوت الموظفون والأطر المكلفون بتدبير العملية. الذي يصوت هو المواطن.

وغداً لا يملك أي حزب أن يقرر مسبقاً ما ستقوله صناديق الاقتراع.

وإذا كانت وزارة الداخلية قد حافظت، بشهادة تصريحات عدد من قادة الأحزاب أنفسهم، على مسافة واحدة من المتنافسين إلى نهاية الحملة، فإن احترامها يقتضي أن تبقى القاعدة نفسها بعد الاقتراع: الوقائع أولاً، ثم التقييم، ثم المساءلة إذا ثبت ما يستوجبها.

أما تحويل عبارة «حتى الآن» إلى مظلة سياسية تُستعمل لاحقاً لتفسير كل نتيجة غير مرضية، فذلك لا يخدم لا الأحزاب ولا الانتخابات ولا صورة المغرب.

المغرب أكبر من هذه السرديات العابرة، ووزارة الداخلية أكبر من أن تختزل في انطباع انتخابي، وتجربة الإدارة المغربية في تنظيم الاستحقاقات أكبر من أن تُمحى بتصريح سياسي أو تُختصر في نتيجة حزب.

ومن الرباط إلى هلسنكي، ومن انتخابات المغرب إلى بعثات ملاحظة الانتخابات الأوروبية، توجد وقائع موثقة تقول إن التجربة المغربية أصبحت حاضرة في فضاءات دولية لتبادل الخبرات والحوار حول الديمقراطية المحلية والانتخابات. وهذه الصورة المؤسساتية للمغرب تستحق أن تُقرأ بإنصاف، كما يستحق موظفو وأطر الإدارة الترابية والانتخابية أن يُنظر إلى عملهم باعتباره مسؤولية مؤسساتية دقيقة، لا مادة جاهزة للتشكيك كلما لم تأتِ الصناديق بما تشتهي بعض الأحزاب.

غداً ستتكلم الصناديق.

وبعدها، يجب أن تتكلم الوقائع.

اترك رد