لم اعد أبالي

بقلم: نجية الشياظمي

أكثر ما كان يزعجها ذلك اليوم لم يكن ذلك العقاب المبرح الذي تعرضت له بقدر ما كانت تلك القسوة التي اكتشفتها ذلك اليوم في شخصية والدها.لا زالت تذكر حينما كانت تختبئ في أحضان الجدة ،لكنها اليوم بدون جدة و بدون حماية ، رحلت الجدة و رحل معها كل شيء ،حتى تلك الظفائر المخضبة دائما بالحناء، رحلت مع صاحبتها.
و مع ذلك تحملت كل الأذى و الظلم ،جلست تتفقد جسدها الصغير، و عليه كل تلك الكدمات .لم يكن لها ذنب سوى أنها كانت تود حمايتهم كما كانت تفعل في كل مرة .لكنها هذا اليوم أيقنت أنها كانت تسيء كثيرا إلى نفسها، أجل، لماذا عليها أن تتحمل نتائج تصرفات الآخرين الخاطئة، كانوا في كل مرة يخربون شيئا في البيت أو يحطمونه، كان عليها أن تتحمل عنهم الأذى و تدعي انها هي المسؤولة عما وقع .تساءلت مع نفسها لماذا عليها أن تتركهم يعتقدون أنها غبية بتصرفاتها تلك ،هي كانت تحبهم فقط، لكن أحدا لم يكن يقدر ذلك الحب، كانوا دائما يستهزئون منها، كلهم كانوا يفكرون في أنفسهم فقط.الا هي كانت نفسها آخر اهتماماتها. كانت تحن عليهم كأنها امهم التي ولدتهم ،هكذا كبر معها احساس الأمومة و هي طفلة ،احساسها بالمسؤولية كان أكثر من اللازم،و تحملها للمسؤولية كان قبل الاوان .
لا زالت تذكر ذلك اليوم الذي فارقت فيه والدتها الحياة وهي توصيها خيرا باخوتها الصغار .لا يمكنها أن تنسى ذلك اليوم الحزين ،حيث كان الجو حزينا كوجوه المعزين، كان الجو باردا كبرودة قلبها الصغير المنقبض، كانت السماء تمطر، و كانت الشوارع فارغة إلا من بعض المارة، ما زاد احساسها بالوحشة و الغربة، و اشتد هذا الاحساس لديها حينما ذهبت تستغيث باحدهم كي يطلب سيارة الاسعافكي تنقل والدتها إلى المستشفى، لكنها لم تفلح في ذلك ، و عادت حزينة تبكي ، وهي ترى أعز إنسان عندها يفارق الحياة من شدة الألم. كانت تستيقظ في كل ليلة على ذلك الكابوس الذي كان يتكرر في كل ليلة بعد وفاة والدتها شهورا و شهورا حتى ظنوا أنها ستتبع والدتها إلى دار البقاء أو أنها ستجن، و بقيت على ذلك الحال، إلى أن شفيت بمعجزة و دون طبيب.
حلمت ذات ليلة أن والدتها زارتها في المنام و عاتبتها على حالتها و عدم اهتمامها باخوتها الذين كانوا معرضين للضياع بسبب مرضها و انشغال الوالد عنهم بسبب عمله و سعيه للقمة العيش. و ما كان منها أن وعدت والدتها أنها ستكرس حياتها لهم، و تعتني بهم حتى يكبروا و يعتمدوا على أنفسهم. ومنذ ذلك اليوم و اعتبارا لاحساسها بالمسئولية غادرت فراش المرض لتهتم بشؤون اخوتها و تسهر على راحتهم و مصلحتهم . كان وعدها سيفا على رقبتها لا يمكنها أن تخلفه ابدا، و هكذا تطورت الأوضاع و تطور العبء الذي كانت تحمله حتى صار يقصم ظهرها ،ومهما تعبت لا تشتكي، قد تبكي في صمت و هدوء ،لكن لا أحد يلاحظ دمعتها، إلا تلك المسحة من الحزن التي ظلت تكسو وجهها البريء لمدة طويلة، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي كان أكبر تحول في حياتها .
جاء يوم الفرح و الفرج و معه الألم والغصة. فلقد سمع أحدهم بشأن تلك الأسرة المكلومة ،و تلك الطفلة المهمومة ، و قد كان ثريا من الأثرياء الذين حرموا نعمة الولد .و لما سمع من أحدهم قصة تلك الفتاة الطيبة ، البريئة قرر أن يحتضنها و يتكفل بها ،وهي البنت الطيبة و الخلوقة و الذكية .و لولا قسوة الظروف عليها لكانت من الأوائل في الدراسة ،لكن الظروف كانت لا ترحم ،و لم تتمكن من المتابعة بسبب مرض والدتها،و ذلك من أجل العناية بها .
و جاء ذلك الرجل الطيب طلب من والد الفتاة أن يمنحه الفرصة ليكسب أجرا في تلك المسكينة لعله يخفف عنها و لعله يساعدها في أن تكون انسانة ناجحة و عضوا فعالا في المجتمع تساعد نفسها و اخوتها و كل من يحتاج إليها.
لم يغمض ليها جفن تلك الليلة حينما فاتحها والدها في الموضوع ليأخذ رأيها فيه لانه لا يريد أن يجبرها على القبول أو الرفض، هو أيضا يرى أنها ظلمت كثيرا ، و حرمت كثيرا ، حرمت طفولتها ككل الصغار الذين يلعبون ،و حرمت من التعليم بل إنها حرمت حتى من الحب و الحنان حنان والدتها التي توفت وحنان الاب المضغوط من شظف العيش و صعوبته.
باتت تفكر و هي مترددة بين نفسها و اخوتها، هل تنقذ نفسها، أم تضحي بنفسها مرة أخرى ككل مرة . بكت كثيرا لان كلا الأمرين الذين تود الاختيار بينهما احلاهما مر .
و أوشك الفجر على البزوغ ،و هي تتقلب في فراشها و فجأة غفت قليلا، لم تعي بنفسها إلا وهي تردد مرتجفة من الخوف ، لن أضحي بنفسي مرة أخرى، لا أريد أن امضي عمري في اجترار الخيبة، ساتركهم لأعود لهم وانا اقوى و احسن و افضل . كانت تردد ما رأته في المنام حينما زارتها والدتها وهي تطلب منها أن تسامحها لأنها ارغمتها على تحمل فوق ما لا تطيقه، حملتها مسؤولية فوق طاقتها، ظلت تعاني بسببها كل تلك السنوات.
اخيرا قررت المغادرة و بدأ حياة جديدة في كنف ذلك الرجل الطيب الي أحب أن ينقذها من ذلك البؤس و السجن الذي امضت حياتها فيه لا لسبب سوى أنها طيبة و حنونة .قررت أن تنسى تلك الكلمة التي كلفتها الكثير
لا تود بعد اليوم ان يَسِمها الناس بالطيبة ولا بالحنان فقد كرهت تلك العبارة التي ظلت لصيقة بها و جعلتها تعيش الشقاء و الحرمان .
قررت أن تبدأ صفحة جديدة وهي اقوى من الامس، الامس الذي كان كل من يرى طيب تصرفها يعتبرها ضعفا و مهانة ، تحتاج الطيبة إلى أن تتغذى على المعرفة و الذكاء و بعض القوة حتى تلاقي التقدير و الاحترام الذي تستحقه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.