أين نحن اليوم من توصياته تقرير الخمسينية؟

بقلم: عمر المصادي
“تدعو آفاق المستقبل إلى تجديد الرؤى وبناء نموذج تنموي متكامل… كما ورد في تقرير الخمسينية.”
لم يكن تقرير الخمسينية الذي أُنجز تخليدا لمرور نصف قرن على استقلال المغرب مجرد وثيقة تقنية تحصي المنجزات وتقيّم السياسات العمومية، بل شكل منعطفا فكريا حاسما في إعادة طرح سؤال التنمية من منظور عميق وشامل.
لقد مثل هذا التقرير لحظة فريدة في السياق العربي، من حيث اعتماده على مقاربة تشاركية، انخرط فيها خبراء ومؤسسات وفاعلون مدنيون، في تجربة غير مسبوقة أعادت الإعتبار للتفكير الجماعي في قضايا التنمية.
اليوم، وبعد مرور سنوات على صدور التقرير، يبرز السؤال بإلحاح: أين نحن من توصياته؟
لا يمكن إنكار أن المغرب حقق تقدما مهما في عدة مجالات، خاصة على مستوى تطوير البنيات التحتية، وتوسيع شبكة الطرق، وتعزيز الإستثمار في قطاعات حيوية.
كما تم إطلاق أوراش اجتماعية كبرى، من أبرزها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي حملت جزءا من روح هذا التقرير، عبر التركيز على محاربة الفقر وتقليص الفوارق.
غير أن الصورة لا تزال غير مكتملة، إذ ما زالت تحديات أساسية مطروحة، من بينها استمرار الفوارق الإجتماعية والمجالية، وصعوبة الولوج إلى خدمات صحية وتعليمية ذات جودة، إضافة إلى إشكالات مرتبطة بتدبير الشأن العام والحكامة. وهي تحديات تؤكد أن مسار تنزيل توصيات التقرير لم يكتمل بالشكل المأمول، وأن الحاجة ما تزال قائمة إلى مزيد من الجهود.
وفي هذا السياق، يضطلع الإعلام اليوم بدور محوري في إعادة إحياء النقاش حول تقرير الخمسينية، إذ لم يعد مجرد ناقل للخبر، بل أصبح فاعلا أساسيا في صناعة الوعي العمومي، فقد ساهمت المنابر الإعلامية بمختلف أشكالها في تفكيك مضامين التقرير وفتحها على قراءات متعددة، تقارب ما تحقق وما لم يتحقق بعد، ضمن نقاش عمومي حر ومسؤول، كما أضفى الإعلام طابعا نقديا على هذا النقاش، من خلال تسليط الضوء على الإختلالات واستحضار الفجوات بين الرؤية الإستشرافية للتقرير وواقع تنزيلها على أرض الميدان.
كما أصبح الإعلام فضاء لتعدد الآراء وتلاقح الأفكار، يجمع بين الخبراء والباحثين والفاعلين السياسيين، بما يعزز ثقافة الحوار الديمقراطي ويغني النقاش العمومي حول قضايا التنمية.
ولم يقتصر دوره على التوعية، بل تجاوز ذلك إلى مساءلة السياسات العمومية وإثارة النقاش حول الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، مما يعزز موقعه كسلطة رقابية ناعمة تواكب التحولات وتدفع نحو مزيد من الشفافية.
في المقابل، يمكن اعتبار بعض الإصلاحات التي تم إطلاقها في السنوات الأخيرة استجابة جزئية لروح تقرير الخمسينية، خصوصا في ما يتعلق بورش تعميم الحماية الإجتماعية، وإصلاح منظومة التعليم، ومحاولات تحسين مناخ الأعمال… وهي خطوات تعكس استمرارية التأثير الذي تركه التقرير في توجيه السياسات العمومية.
كما أن أهم ما ميز هذا التقرير هو كونه لم يكتف بتشخيص الواقع، بل سعى إلى إعادة تعريف المشروع الوطني في عمقه التاريخي والمفاهيمي، من خلال ربط التنمية بالإنصاف، وربط السياسات العمومية بالنتائج، وفتح النقاش حول مستقبل المغرب في أفق التحول إلى دولة صاعدة.
إن قيمة تقرير الخمسينية لا تكمن فقط في ما أنجز، بل في ما فتحه من آفاق للتفكير والتخطيط.
واليوم، يبقى التحدي الأكبر هو استثمار هذه الرؤية الإستشرافية، وتحويل توصياتها إلى سياسات ملموسة قادرة على تحقيق تنمية شاملة وعادلة، تضع المواطن في صلب الأولويات.
في الأخير فإن السؤال لا يتعلق فقط بما تحقق، بل بما يجب أن يتحقق، في مسار لا يزال مفتوحا على طموحات أكبر، تستلهم روح تقرير الخمسينية، وتستجيب لتحديات الحاضر وتطلعات المستقبل.