الأزمات المالية وتفشي الأوبئة وتناسل الحروب المدمرة أهم سمات النموذج التنموي الغربي، والبديل العودة إلى الاعتدال والوسطية بدلا من التطرف والشذوذ عن الفطرة

بقلم: د. طارق ليساوي
”في مقالنا”هل فعلا فيروس “كورونا المستجد” مؤامرة أمريكية لوقف الصعود الصيني؟” خلصنا إلى أن القادم من الأيام يحمل الكثير من الأزمات والأخبار السيئة ، لكن بالرغم من سوء الأخبار وارتفاع الخسائر الاقتصادية والاجتماعية، إلا أننا نعتقد أن هذه الأزمات تتجه نحو خلق وعي جمعي بأن الاستمرار في ظل النظم السياسية والاقتصادية والثقافية الراهنة يقود العالم إلى متتالية من الأزمات ، وأن التغيير أصبح ضرورة حتمية لاستمرار الجنس البشري على هذا الكوكب، وضرورة التحرك في الغرب والشرق لمواجهة كل الجهود المبذولة لنهب ثروات أغلبية الناس بإسم الأزمات الاقتصادية أحيانا والأوبئة أحيانا أخرى.. وبنظرنا، العودة إلى الاعتدال والوسطية بدلا من التطرف والشذوذ عن الفطرة في كل شيء، والخضوع لسلطان الحق بدلا من إتباع الهوى، والعودة للمنهج الرباني بدلا من العبث الانساني…
ذلك أن المنهج الإسلامي المنبثق من الإسلام ليس مجرد نظام تاريخي لفترة من فترات التاريخ، أومجرد نظام قطري خاص بمجموعة من البشر أوبجيل دون أخر أوبيئة دون أخرى كما يدعي بعض الرافضين للمنهج الاسلامي ..فهو منهج ثابت ارتضاه الله لحياة البشر المستدامة، والناس إما أن يعيشوا بمنهج الله بكليته فهم في توافق مع نواميس الكون، وفطرة الوجود، وفطرتهم هم أنفسهم، وإما أن يعيشوا بأي منهج آخر من صنع البشر، فهم في حالة عداء ومع نواميس الكون، وشقاق مع فطرة الوجود، ومع فطرتهم هم أنفسهم، بوصفهم جزءا أصيلا من الوجود مكلفين بعمارة الأرض وتحيق مبدأ الاستخلاف..
أولا- حضارة الغرب فلسفتها قائمة على الظلم والاستغلال:
من دون شك، أن الغرب استطاع أن يحقق إنجازات مادية وحضارية وتقدم مادي وعلمي يثير الاهتمام منذ انطلاق تفجر الثورة الصناعية، لكنه تقدم وازدهار محروم من مفهوم البركة والطمأنينة، يعج بالقلق والانتحار والجنون والأمراض النفسية والعصبية والمخدرات والجريمة والأوبئة الفتاكة والأزمات المالية والاقتصادية المتتالية… وهوما أفرز نموذج حضاري عقيدته منذ صعوده، ظلم “الضعفاء” أفرادا وشعوبا، وسلب أقواتهم والتحكم المذل فيهم، والعدوان عليهم لا لشيء إلا لإرواء شهوة التملك والسلطان..
لقد كان غياب الأمة الإسلامية عن الساحة هو الكارثة الحقيقية التي أصابت البشرية، لأنه أخلى الساحة من النموذج الصحيح للحضارة الإنسانية، وأتاح للنموذج المنحرف أن ينفرد بالساحة، وأن يفتن الناس عن ربهم وآخرتهم ودينهم وأخلاقهم ووإنسانيتهم..
ولقد كانت حكمة الله من إخراج هذه الأمة أن ترشد كل الناس إلى النموذج الصحيح: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)(سورة البقرة (143)) (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (سورة آل عمران (110))، وحين قامت برسالتها على الوجه الصحيح أخرجت كثيرا من الناس من الظلمات إلى النور، سواء من آمن بالإسلام والتزم به، أو اقتبس من نوره دون أن يؤمن به كما فعلت أوربا عند خروجها من قرونها الوسطى المظلمة..
ولكن حين تقاعست الأمة الاسلامية عن أداء رسالتها، بسبب ما أصابها من أمراض وعلل وانحرافات عقدية وسلوكية، فقد أتاحت الفرصة للطاغوت أن يبسط نفوذه على البشر، ويخرجهم من النور إلى الظلمات (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ…)
ثانيا- الانسان في الفكر التنموي الاسلامي : العنصر البشري في الفكر الاقتصادي الاسلامي هو غاية التنمية البشرية وأهم وسائلها ، لذلك اهتم الإسلام بإعداده للقيام بمهمة “الاستخلاف” ، وشرط الاستخلاف يعني تسخير هذا المال لخدمة الخلق المستخلفين وتمكينهم منه ، أي تمكين استعمال وملكية انتفاع.. قال تعالى : {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُون} (الأعراف الآية 10) وإعداد الإنسان للقيام بواجب الاستخلاف أي عمارة الأرض يقتضي بالضرورة تربيته تربية إسلامية صحيحة وتعريفه بأن المال هو مال الله، قال تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} (النور الآية 33)، وتعريفه انه مطالب بأن يحصل عليه بالحلال وأن يوجهه للإنتاج الطيب والاستهلاك الطيب .. وذلك من خلال الإيمان بأن الله هو المالك الحقيقي لهذه الأموال وهو المتصرف فيها كيفما شاء والإنسان مستخلف عليها ، فعليه استخدامها وتنميتها بالقدر الذي يمكنه من عمارة الأرض التي استخلفه الله فيها وأمره بعمارتها، والإيمان بان الله سخر للإنسان ما في الكون لخدمته ومزاولة النشاط الاقتصادي.. وكذلك الإيمان بالتفاوت في الأرزاق وبتسخير الناس بعضهم لبعض، ومن هنا يجب على الفرد المسلم السعي لكسب الرزق امتثالاً لأمر الله والرضي بما قسمه الله وفق حكمته وعدله وعلمه بما هو صالح لهم قال الله تعالى { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } [سورة الزخرف: 32]…
وأيضاً الإيمان بأن مزاولة النشاط الاقتصادي عبادة وأن السعي لكسب الرزق وبذل الجهد فيه ابتغاء مرضاة الله ومساعدة له على القيام بواجباته التي أمره الله بها فانه يثاب عليها كما انه يحاسب عليها يوم القيامة قال تعالى : {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كانُوا يَعْمَلُون}(الحجر الآية 92-93).. ومن هنا فلا بد أن يوجه هذا النشاط وفق أوامر الله وتوجيهاته وأن يكون الهدف منه التنمية التي تعود على جميع الأمة بالخير…
ثانيا- ضوابط العمل الصالح الذي يحقق العمارة والاستخلاف : عمارة الأرض تقتضي العمل باستمرار من أجل تنمية وتثمير المال لتغطية حاجات الانسان حتى قيام الساعة، والعمل المقصود هو” بذل الجهد الدائب في تثمير الموارد، ومضاعفة الغلة من أجل رخاء الأمة ودعم وجودها وقيمها العليا “، وهذا العمل هوالعمل الصالح الذي تزكى به النفس وتقوم به الأخلاق ، وتتسع به دائرة البر ويحفظ به الدين والبدن والعقل والمال والنسل.. وجاء في الحديث النبوي الشريف :(ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة ) وهو العمل الذي يحقق الاستخلاف في الأرض قال تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(النور الآية 55)..
ولكي يقوم الإنسان بهذا العمل على أكمل وجه فإنه يجب إعداده علمياً وفنياً
وذلك عن طريق التعليم والتدريب ومده بأفضل وسائل الإنتاج والإمكانات ووضعه في المكان المناسب وتنميته وإكسابه مهارات تحتاج إليها الأمة وتشجيعه على الإبداع والابتكار كما لابد من تعليمه ما لا يعذر الجهل به من أحكام الشريعة
المعروفة من الدين بالضرورة حتى لا يقع في محظور أو شبهة حرام .. والغاية إيجاد العنصر البشري الذي تتحقق فيه صفة الصدق والأمانة إلى جانب
الخبرة والكفاءة امتثالاً لقوله تعالى: (إِن خَير منِ استَأْجرتَ الْقَوِي الْأَمِين .(
وبعد إعداد العنصر البشرى روحيا وفنيا ، يجب تـوفير فـرص العمل وفرضه على كل قادر، فالإسلام يحث الأفراد على اكتساب الرزق عن طريـق العمل.. والسبيل الحقيقي للتنمية لا يكون إلا بتعبئة الطاقات البشرية ودفعهـا فـي مجالات الإنتاج المختلفة، فتوفير العمل لكل قادر يضمن تشغيل كافة الموارد الإنتاجية للمجتمع ، ويعتبر توفير العمل لكل قادر من واجبات الراعي على رعيته …
وعليه يمكن القول، أن التنمية فى الإسلام مستمدة من عقيدة التوحيد، ومنهجها مستوحى من الكتاب والسنة، وهذا يقتضي أن تكون خطة التنمية منسجمة مع مكارم الأخلاق التي أرساها الاسلام، ومتضمنة الشمولية التى تمزج بين الروح والمادة في قالب واحد، وتنظر إلـى الإنسان من خلال هذا المفهوم الشامل، والتنمية هى عملية شاملة تبدأ بعد إنتاج الضروريات وإشـباع الحاجـات الضرورية، وهى تبدأ بالإنسان وتنتهي به فهو غاية التنمية ووسيلتها .. وسنحاول التوسع أكثر في هذا الموضوع في مقال منفصل إن شاء المولى.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني والشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية والسياسات العامة..