الهوية بين العلمانية والعولمة؟ الحلقة الأخيرة

بين الصورة البارزة والعنوان

بقلم: د. محمد وراضي

الآيات التي سقناها قبل الآن للتدليل على سفسطة الرهبان. نقف عند قوله تعالى عن السيد المسيح وأمه السيدة مريم: “كانا يأكلان الطعام ويمشون في الأسواق”، لندرك هنا أية فوارق شاسعة بين منطق موزون ومتزن، وبين هوية من غاب عنهم احتياج البشر إلى حاجيات تحول دون ابتعادهم عن الأوصاف البشرية. وبما أنهم لا يستغنون عن الصفات البشرية، والدليل القاطع على منطقهم الأهوج هو افتقارهما إلى التغذية، وأن تناولهما لهذه التغذية دليل على افتقارهما واحتياجهما. فضلا عن كونهما في حاجة إلى شرب الماء والتبول والتغوط؟ يعني أنهما مفتقران إلى صفات الكمال، وأنهما بالمقابل نسبيان مثل عامة المخلوقات البشرية بدون ما استثناء يذكر. فإن كانت العلمانية مختلفة المبادئ والأحكام دون ما اعتماد على دين حقيقي بعينه. فإن الدين المسيحي مجرد اسم لدين مزيف. وكان لا بد من قبول كونه أفيونا للشعوب في الغرب. لكن الدين ليس كذلك بالنسبة للمسلمين أينما وجدوا. إلا أنه بعد فرض الغرب الأوربي لألوان من الاستعمار أصبح كذلك؟
أما العولمة – كما قلنا باختصار – فمولودة العلمانية بعد أن تأكد لمخططي السياسة الدولية بأن الدين لم يعد مجديا على الإطلاق في مجال تدبير الشؤون العامة في الغرب والشرق على حد سواء. إلى حد الاطمئنان على فرض العولمة بعد العلمانية. فتوحيد المبادئ والمفاهيم الحضارية فرضها من فرضوا العلمانية، فكأن المفهومين أدركا قمة السخرية بجميع الأديان. في حين أن السخرية بالمسيحية المزعومة فرضها واقعها، بينما السخرية من الإسلام ليس لها أي مبرر، ومع ذلك وجدنا من تفرغ لتقديم العولمة عن الهويات الوطنية للدول العربية والإسلامية. فصح أن العلمانية فرضت في غيبة عن الشعوب وبرضى حكامنا بعد الاستعمار وجلاوزتهم من دعاة الوعي بالتاريخ المعاصر الذي ساهموا فيه. فضلا عن كونهم ناضلوا لترسيخ العولمة حتى تصبح العقول والنفوس مشبعة بالغربيات. جاهلة بالهويات التي هي بذور في التاريخ مع عمرها المديد الممتد لقرون طوال.
ودور ترسيخ الأولى والثانية تولاه دعاة النزعة اليسارية لكونهم أوعى -كما يدعون- من جماعات غيرهم في المجتمع العربي المسلم. دون أن نتردد في الزعم الواقعي بأن رفاق الراحل محمد عابد الجابري وتلامذته قد اقتفوا أثره وأثر المتفلسفين المشرقيين مثله في قراءة التراث الذي هو جزء من هويتنا قراءة مادية تقدمية علمانية، إلى حد أن الجابري في قراءته لابن خلدون قد تعرض للسخرية على لسان أستاذنا المصري: نجيب بلدي، حينما سأله – وهو يناقش رسالته عن ابن خلدون – “هذا الذي نسبته إلى ابن خلدون، هل كان يقصده؟ أم أنت الذي قولته ما لم يقله أو يقصده”؟
ومع ذلك استمر تلامذة الجابري، ومن هم على شاكلته، يروجون لتقدم العلمانية والعولمة على التراث الثقافي والحضاري لدولنا العربية والإسلامية؟ بل أصبح هذا الاتجاه داخلا في المقرر الدراسي لإقناع الناشئة بأن هويتنا أصبحت مفلسة ماديا، وأن علينا تجاوزها إن نحن رغبنا في التقدم؟؟؟
ففي “الرائد في اللغة العربية” لطلاب السنة الثانية من سلك الباكالوريا، مسالك العلوم والتكنولوجيا. تم إدراج نص تحت عنوان “هويتنا الثقافية والعولمة” بقلم: سالم يفوت، نقلا من مجلة “فكر ونقد” عدد 11 شتنبر 1998م.
ونكتفي هنا بجمل من مقال الرجل المدعي لامتلاك معرفة قل نظيرها، بما يستدعيه التطلع إلى التخلص من الهوية الماضوية لمعانقة العولمة بالأيدي، كمعانقة الحبيب للمحبوب حيث يقول: “لقد صار من الشائع ربط الهوية بالماضي وبما تم إنجازه فيه، أي ربطها بما هو ثابت لا يقبل التحول، ولا يراه له أن يتحول. والهوية بهذا المعنى تغدو في نهاية المطاف مرادفة للجمود على الحال، والتقوقع في الماضي، والحقيقة أن الهوية لا ترتبط بالماضي أكثر من ارتباطها بالمستقبل، بطموح الأمة وآمالها، وبما ترغب في تحقيقه تداركا للتأويل وبغية الالتحاق بالركب، لكن ذلك كله لن يتأتى إلا ضمن ما هو متاح عالميا. فالعولمة عنصر أساس في ذلك المتاح الذي لا يمكن تجاوزه، ولا يمكن للعرب عدم استثماره من أجل بناء مجتمع مدني تحترم فيه حقوق الإنسان والحريات العامة”.
مما يدل على أن الرجل يربط الهوية العربية والإسلامية بالماضي ربطا جامدا، وكأنه على حالة واحدة لا تتغير، بحيث إن الرجل لم يفهم التاريخ الذي مرت به الهوية التي وصفها بالجمود؟ بل إنه يعتبر العولمة نموذجا يقتدى به لتحقيق التقدم والرقي، في حين أن هذه العولمة لا تزال مطلة علينا بوجهها اللاإنساني بصرف النظر عما تسببت فيه من دمار لأجمل ما في المعمور، والذي هو الوحدة الوطنية والعيش في الهناء والاطمئنان، بينما الماضي في أية جهة من العالم لا يمكن إلغاؤه بجرة قلم؟ فالهوية العربية معروفة قبل الإسلام وبعده أو أثناءه، فمع انتشاره أصبح العرب متقدمين صانعين لتراث، لولاه لم يكن للغرب أن يخطو خطواته التي يكثر المدعون للتقدمية والثورية من الإشادة بها؟؟؟

اترك رد