سيدي الوزير العدالة المجالية مبدأ وليست خطاب أزمة

بين الصورة البارزة والعنوان

بقلم: خليل مرزوق (*)

في فسحة مساء محزن من مساءات هذا الوطن الجريح الدامي(20/03/2019)، فتحت صفحتي على الفايسبوك لأجد أول صورة أمامي، صورة نشرتها صفحة وزارة التربية للسيد وزير التربية الوطنية بجلسة المنتشي بكرسي السلطة والنفوذ، مكتوب عليها ” إننا نؤسس لنظام وظيفة عمومية جهوية يحقق عدالة مجالية” .
ابتسمت في أسف، وتساءلت حينها : هل يعلم السيد الوزير دلالات المصطلحات التالية: تأسيس،نظام،عمومية،جهوية، والأكثر منها “عدالة مجالية” .
أجبت نفسي من منطلق متابعتي لخرجات السيد الوزير على امتداد ملف الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، بكونه بالتأكيد ليس يدري مرامي تلك المصطلحات الكبيرة، والحاملة لدلالات التنمية الشاملة للوطن بكل مناحيه.
إن السيد الوزير كان يقصد بقولته تلك، أن التوظيف بالعقد هو مدخل للتأسيس لاستقلالية جهات المغرب بمواردها المختلفة، وهو ما من شأنه حسب السيد الوزير أن يمنح قوة تنموية لهذه الجهات . وقد نتفق معه في لحظة ما في هذه النقطة إذا قرأناها بمعايير تسيير المسؤولين للقطاعات الاجتماعية في الدول التي تحترم مواطنيها ، غير أن ما يجعلنا نخالفه الرأي، هو كوننا جميعا كمنتمين لهذا البلد في تلك الجهة أو تلك، نعلم يقينا كيف تسير شؤوننا، وكيف تذبر مجالات تعايشنا، وما نمثله للسلطة وللمسؤول الحكومي، وموقعنا من صناعة القرار العمومي، الذي نُستغلُّ من خلاله وتمص دماءنا.
سيدي الوزير إن ما لا تعلمه هو كون التأسيس الذي تحدثت عنه لا يتأتى بفرض إطار للاشتغال غير منصف وغير اجتماعي على شغيلة قطاع حساس ومهم للوطن، بل بالعكس، فالتأسيس لبلد قوي لا يتأتى إلا٤ بتقوية لبنات التربية والتكوين التي يعتبر الأستاذ/ة عنصرا حاسما في وجودها.
كما أن تحقيق الجهوية المتقدمة والعدالة المجالية ليست في كنهها متوقفة على استقلال كل جهة بمواردها البشرية من الموظفين، وذلك للفئوية التي يؤسس لها هذا المنظور، ذلك أننا جميعا أبناء لهذا الوطن بكل جهاته، ولنا الحق وعلينا واجب خدمة وطننا من أي جهة سواء أنتمينا إليها بالولادة أم لا.
إن التأسيس لجهوية متقدمة وعدالة مجالية، يتأتى باحترام حق البلد في التطور، باحترام أبنائه وتقوية الإطارات التي تضمن لهم الاستقرار الاجتماعي لينطلقوا في البناء، كما تتحقق تلك العدالة المجالية بتمكين شبابها من مشاريع احتكرها أصحاب النفود،في الوقت الذي يتم فيه إسكات الشباب بمشاريع العربات والاكشاك الفارغة المحتوى الاقتصادي،هنا وهناك في مناسبات معينة.
إن العدالة الاجتماعية تتأتى بترشيد المال العام، وتوجيهه واحترامه، وتتأتى بإشراك المواطنين في صنع القرار العمومي بدل خياطة هذا الأخير بمقاييس النهب للمال العام.كما تتأتى بإعمال معايير الكفاءة في اسناد المسؤولية، بدل إعمال معايير المصاهرة والوراثة للمناصب.
ثم إن العدالة المجالية لا تتأتى ببناء نظام هش متآكل اسمه التعاقد، في بلد لا تضمن فيه الوظيفة العمومية للموظف سوى تلك الحماية العمومية التي يواجه بها الدولة في أحلك حالاته. فإن كانت الوظيفة العمومية لا تقدم للموظف ابسط شروط الرعاية الصحية التي يجب أن تقدمها الدولة للمواطن العاطل، فماذا يقدم التعاقد؟ إنه يقدم نمودجا فعالا لتدمير معنويات الشباب الغيورين على هذا الوطن، وتخويفهم، وجعلهم يعملون تحت التهديد والغصب والذل، بما يولد لديهم الكره والحقد اتجاه الوطن الذي من المفروض أن يتولد مكانه حب ومواطنة، كما هو من المفروض تماما أن تتخدو العدالة المجالية كمبدأ وليس كخطاب أزمة.

(*) باحث في القانون والعلوم السياسية

اترك رد