عن واقع المعتزلة في الماضي وعن واقعهم في حاضرنا الماثل؟؟؟ ح.7

بقلم: د. محمد وراضي

    قدمنا في الحلقة الماضية، قصة شيخ داعية، متوقد الذكاء، نابغة في اعتماد ما تفضل به عليه ربه من تعقل وتبصر ورباطة جأش. مع التأكيد على أن صفته لا تشير إلى مجرد تقدمه في السن، وإنما تشير إلى كونه يجمع بين علمين، أو بين فقهين: فقه الدين وفقه الواقع. والجمع بينهما وارد في كتاب الله عز وجل، وهو ما ترجمته سنة رسول الله القولية والفعلية والتقريرية، مما يعني أن لا فلاح لمن يظنون أنهم بفقه الدين ملمون، وأن فقه الواقع، متروكة معرفته والاشتغال به لمن لا يعيرون أي اهتمام للإسلام الحق. فالشيخ الوقور الذي ناظر القاضي المعتزلي، لم يعتمد التملق في مخاطبة كل من أمير المؤمنين الواثق، ولا خاطب قاضيه بألفاظ تفيد التفخيم الذي يعني التكلف والتزويق والتبجيل المفتعل، مبالغة منه في رفع قدره! إنه يخاطبه باسمه أحمد مرة، وبابن أبي دؤاد مرة، لكونه متأكدا من سلامة الحجج التي لديه لإفحامه بأدلة قاطعة. حتى الحضور – وفي مقدمتهم الأمير – ليس لهم غير الإذعان لها. فكان أن هاجم في مقدمة كلامه من استدعاه لمناظرته.

    قال الشيخ: “يا أمير المؤمنين، ابن أبي دؤاد يقل ويصبأ ويضعف عن المناظرة”؟؟؟

    ف”قل يقل” من القل والقلة . يقصد هنا ضعف مناظره بخصوص ما سوف يدافع عنه، فحججه ناقصة قليلة. حتى وإن اقتنع بها من تنقصهم الفطانة وملكة التركيز. وإلا ما قاده ما ادعاه إلى أن يصبأ؟ وصبأ صبوءا معناه: خرج من دين إلى آخر؟ في إشارة من الشيخ إلى انحراف المعتزلة عن التوحيد الخالص الوارد ذكره في الكتاب والسنة، نعني التوحيد الوارد في سورة “الإخلاص”، وفي قوله سبحانه: “ليس كمثله شيء”، مما يدل على وجوب الانصراف الكلي عن أية محاولة للحديث عن حقيقة ذلته العلية سبحانه؟ مع العلم بأن أية محاولة للتفلسف في مفهوم الوحدانية لا تؤدي إلا إلى تصور غير عقلاني، توغله في الابتداع يكشف عن نتائجه؟ فكثيرة هي الفرق التي قدمت تصورا مفلسا للتوحيد، وكأنها لم تقبل بالتوحيد البين الذي بمقدور عامة المسلمين إدراك معناه؟ لكن الميل إلى الصبوء، يغلب على المبتدعين من المسلمين، كما غلب قبلهم على اليهود والنصارى وأصحاب مختلف الملل والنحل؟ والميل إلى الصبوء ترعاه دول إسلامية بعينها وتحميه؟ وما بناء الأضرحة ورفع القباب عليها وزيارتها والذبح عندها والتوسل بأصحابها، إلا صورة من صور الصبوء المنتشر في بلادنا كالوباء من أقصاه إلى أقصاه؟؟؟

    ولم يكن من الواثق غير الغضب على الشيخ دفاعا منه عن قاضيه ومستشاره ووزيره في الشأن الديني. وهو ما يحيلنا على حكامنا المسلمين في زمننا الحالي، وهم يتعاملون مع الدين من خلال علماء يدافعون عن الباطل؟ مما يدل دلالة قاطعة على أن عهد الشيخ المناظر لأعتى معتزلي في مركز السلطة، وداخل القصر، يتيح – على الأقل – فرص التحاور بحضرة الملوك والأمراء. أما عهدنا نحن فلا يعرف غير استقبال علماء الوقت لإلقاء دروس مقابل أعطيات!!! ما دامت هذه الأعطيات تصب في خانة خدمة تصور حكامنا للدين. هذا الذي عليه رغم أنفه، أن يخدم السياسة، لا لأن يتم تجسيد كافة مبادئه وتعاليمه على أرض الواقع، في اقتداء برسول الله ص.

    إن المسألة في نظر صاحبنا الشيخ المذكور الذي أفحم المعتزلة في شبخ ابن أبي دؤاد، غاية في البساطة. إنها لم تكن في حاجة إلى بذل مجهود عقلي ساقط مفلس، ما دام اللجوء إلى فرضها بالقوة ضروريا لقبول الناس بها، نقصد القول بخلق القرآن، الذي كان من المفروض السماح بالنقاش حوله مع كافة الفعاليات الثقافية التي لها بدورها رأي في نفس القضية. لكن الميل إلى التعدي والظلم وتجاوز الأمر القرآني بالجدل الهادف، حتى مع خصوم ديننا، نتج عنه في النهاية إصدار قرار سلطوي بوقف العمل بمرسوم 218 الذي أصدره المأمون الطاغية الظالم.

    نقول: كانت الردود المتوقعة من الممتحنين في غاية البساطة. إنها ممثلة في أسئلة الشيخ الوقور الواضحة: هل يعتبر القول بخلق القرآن من الدين الذي لا يتم إلا بقبول هذا القول؟ وهل كان رسول الله والخلفاء الأربعة الراشدون معه على علم بأن القرآن مخلوق أم لا؟ إن كانوا على علم بكونه كذلك، فلم لم يصرحوا بما صرحتم به أنتم؟ وإن لم يكونوا على علم، فكيف تدعون أنتم إلى ما لم يكونوا هم على علم به؟ فلم يجد القاضي غير السكون؟ ولم يجد الواثق غير مغادرة مجلس الامتحان إلى بيت قريب من بيوت قصره – في رواية أخرى لابنه أحمد -: حيث أرخى رجليه! وأخذ يردد أسئلة الشيخ التي أوقفت تنطع القاضي، الذي يعتبر نفسه وكيلا للمعتزلة ولأمير المؤمنين كليهما؟؟؟

    فصح تساؤلنا عن نتائج الامتحانات الصعبة التي تعرض لها المعارضون للقول بخلق القرآن؟ وصح تساؤلنا عن الاغترار العلماني الحالي بالمعتزلة، بينما اعتماد العقل كان شاملا لأطراف ثقافية كثيرة. فهناك مفكرون وفلاسفة،، ولغويون، ومفسرون، وأطباء وصيادلة ومهندسون. وكيماويون وفزيائيون, وفلكيون الذين خلفوا للإنسانية تراثا لولاه ما تقدمت الإنسانية إلى الأمام. على إثر ما يعرف بالنهضة الأوربية التي استفادت مما وصل إليه علماء مسلمون في كافة الميادين. وهذا يعني أن الحركة العقلانية لم تتوقف بتوقف الحركة الاعتزالية، لا على مستوى ممارسة اللخبطة الكلامية، ولا على الاشتراك في السلطة لفرض ما تم لها ابتكاره من أفكار ماورائية فاشلة.. فعندنا أن الناظمين الذين حولوا النحويات واللغويات والفقهيات إلى منظومات من السهل حفظها، واستيعاب مضامينها بسهولة من طرف طلاب العلم،،، لم يتخلوا عن عقولهم لإنجاز ما أنجزوا استجابة منهم للأهواء كما يدعي المدعون من خصوم الفكر الإسلامي عامة؟؟؟

اترك رد