عودة

بقلم: فاطمة الزهراء زروق
كان المطر ينهمر مدرارا وهي تطل من نافدة غرفتها ترى الناس يهرولون بمظلتهم المطرية تحت السيول المنهمرة ليصلوا الى بيوتهم … بدأ الرعد يقصف والبرق يلمع في السماء السوداء الداكنة التي يختفي فيها القمر ثم يعود يطل من فسحتها ونوره يخبو تحت الغيوم الكثيفة التي تنذر بمزيد من هطول المطر الذي بدأ يهطل زخات و النجوم المتناثرة هنا وهناك بنورها الخافت لتنير طريق المارة فلولا بعض المصابيح التي تضيء طريق السابلة لكان الليل الدامس الذي يخيم على الكون لن يرى فيه اي واحد من الراجلين اين يضع موضع قدميه في الرصيف ولا اي اتجاه يسلك ويقصده ليصل الى بيته في امان انها ليلة من ليالي فصل الشتاء الباردة جدا والبرد القارس يغري الناس ان ينامون ابكر من فصل الربيع وفصل الصيف ويتتدثرون جيدا بالاغطية الصوفية الثقيلة ليحظون بتدفئة جيدة وينامون براحة تامة ولكن منية النوم جفاها وهي تنتظر عودته الى البيت الكئيب والامل بعودته اليها كل يوم يجعلها تحس بفرحة تنبع من داخل روحها تهمس لها سيعود يوما لها عما قريب الى منزلهما الخالي بدونه رغم زخرفته المبهجة البهية واثاثه الجميل المنظم احست وكأنها تعيش بين الاطلال وهو غير موجود ليعيش معها فيه في سعادة تامة مثل الامس القريب… اولادها زهير وندى تزوجا ويعيشان ضمن اسرتهم الصغيرة في سعادة وانسجام وهما بعيدان عنها كل واحد منهما مقيم في بلد ندى تعيش مع زوجها يعمل طبيبا جراحيا للقلب بمصحة في الدار البيضاء وهي تعمل طبيبة عامة في المستشفى العمومي وابنها زهير يعمل مهندسا معماريا بطنجة وزوجته تعمل في البنك الشعبي … انها تقاعدت واخذت ماتبقى لها من سنوات عملها تقاعدا نسبيا لان تعبت جدا من العمل المضني في الحسابات في وزارة المالية وتزوجت صغيرة وهي الان في الثالثة والخمسين من عمرها ولكنها لا زالت جميلة جدا ونضرة من يراها يقول انها في الاربعين من عمرها ..الزوج الذي هو حبيب عمرها احبته بكل اخلاص ووفاء وتفانت في خدمته ورعاية اولادها ورعايته معهما تعامله وكأته الطفل الكبير بينهما وكانت طيبة جدا معه ترضيه وتسمع كلامه وتحترمه كثيرا ولم تفتعل معه المشاكل الزوجية طول حياتها .. صدمها لما احب امرأة اخرى وتزوج بها وجعلها توقع عقد الموافقة الزوجية وهي مظطرة لانها لم ترد ان تراه معذبا من الحب لكثرة حبها له ولن ترده ايضا ان يزني ويعصي الله فوافقت من زواجه من الزوجة الاخرى التي فقط كانت نزوة ورغبة اما هي فحبه الحقيقي ولكنها طلبت منه الطلاق حفاظا على كرامتها ولكنه لم يرد ان يطلقها مهما اصرت عليه هي واولادها لقد طلبت منهما ان لا يتدخلا بينهما هي وابوهم وبقيت معلقة ولما رحل عنها ندمت لانها قالت له لا تأتي عندي ابدا وان ابقيت على زواجنا ولم ترد ان تطلقني ..لم تستطع ان تنسى عشرته الطويلة كان يعاملها بطيبة وحب وحنان هي تعامله بالمثل لمدة ثلاثون سنة …اشياؤه تذكرها به وعطره وكل شيء في المنزل يكاد ينطق وكأنه يدعوه الى العودة اليه طيفه لا يفارق خيالها ابدا وجرح كبير لم يندمل في قلبها من اثر الفراق عرفت انه تعرض لمصيدة من امرأة عابثة جعلته يسقط حبل شباكها وانساق اليها كما ينساق الحمل للذبح… انها تأتيها اخباره انه غير سعيد مع زوجته الجديدة ولم يرد لن يلد معها وندم ايضا على زواجه منها عرف انه اخطأ خطأ فادح لما ترك زوجته المحبة الوفية التي كانت تسعده كأنه بدل الذهب الخام بالتراب الذي لا ينبت فيه اي زرع… كان الصراخ دائما كل ليلة يدوي في منزلهم كقصف الرعود في كل يوم ويخرج من بيته ويصفق الباب بشدة ولا يعود الا متأخرا مهموما الى بيته.. عادت الى النافذة لعلها تراه عائدا اليها نادما وتائبا لانها اسعدته دائما في ظل حياتهما الزوجية السعيدة الطويلة فكلما سمعت الطرق في العمارة في ابواب الجيران يشع الامل في قلبها انه هو من يطرق بابها وتخايله عاد الى عشهما الزوجي السعيد ولقد طوقته بعناق المرأة المحبة الحنونة ليحس بحبها الكبير له ووفائها في غيابه عنها مضت سنة ونصف انها لن تعاتبه ابدا على اخطائه بحقها وزواجه عليها ستنسى كل شيء وهي بين احضانه …وكان احساس رباني لمع في داخلها انه هذه الليلة سيعود لها حقيقة لا في الخيال واحست كان ياتي اليها ويعود متخاذلا اما اليوم سيعود اليها متشجعا طارقا بابها وسيكملان مسار حياتهما بكل حب وانسجام وتفاهم …الباب يطرق كما احست وتوقعت والرياح تعوي كصوت الذئاب في الغابات… فتحت الباب بلهفة لترى وجهه الحزين المتألم فيه رسم الندم والتوبة واراد ان يركع تحت قدميها طالبا منها العفو والغفران
ولكنها منعته من الركوع تحت قدميها انهضته واقفا بكرامة وكان ينظر اليها خائفا ان تصده ولكنها بلهفة ارتمت بين ذراعيه….
قصة عاطفية يغلب عليها الطابع الواقعي حتى في تسمية بعض أماكن العمل مما يضفي على حب البطلة شرعية عموما مبادرة طيبة تنم عن ينبوع من الإبداع الكامن داخلك تابعي
قصة غاية في الروعة من يحث سرد القصة والموضوع الانساني الجميل الذي اخترته لقصة ..عودة في البداية الحزينة والنهاية السعيدة …زادك الله تألقا وتوفيقا وابداعا ..واصلي انتاجاتك الادبية و الكتابية والثقافية وكما يقولون في المثل المعروف من سار على الدرب وصل ) ….