فيروس “كورونا المستجد” رغم خطورته.. لن يؤدي إلى إطاحة النظام السياسي الصيني.. ولكم الأسباب

بقلم: د. طارق الليساوي

لعل الخبر الذي أصبح شبه قار في مختلف وسائل الإعلام الدولية هو “أعلنت السلطات الصينية عن زيادة كبيرة في عدد الوفيات جراء فيروس كورونا المستجد..” ، و الواقع أن إحصاء عدد الوفيات و المصابين، و تتبع أرقامهم أصبح أمرا في غاية الصعوبة بفعل تغير الإحصاءات كل ساعة، و أيضا تضاربها، و بحكم تجربتي مع هذا البلد و خاصة في جانب المؤشرات و الأرقام، فإنني أكاد أجزم أن فرض حالة من الإقامة الجبرية على مدن بأكملها، هو مؤشر كافي على أن أعداد الوفيات والمصابين بالوباء، أكبر بكثير مما تقرره إحصائيات الحكومة الصينية، بل إقدام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني على إقالت مسؤول الحزب في “هوبي”، “جيانغ تشاو ليانغ”، ليحل محله عمدة شنغهاي “يينغ يونغ” مؤشر أخر على أن الوضع صعب، فاستدعاء عمدة “شنغهاي” إلى “هوبي” المدينة “الصغيرة نسبيا” و فقا للمعايير الصينية، مؤشر أخر على خطورة الوضع، فتبعا للعرف الصيني السائد منذ 1979 فإن المسؤولين في شنغهاي هم نخبة النخبة في القيادة الصينية، وأن من تولى منصب عمدة شنغهاي فالمنصب الموالي له بعد مغادرته عمادة شنغهاي، هو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني و الحكومة المركزية ..

وعلى خلاف بعض الأراء القائلة بأن الصين تحاول توظيف حالة الهلع لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية على المدى الأني و المتوسط، فإنني أرى خلاف ذلك، فانتشار الوباء أفقيا و عموديا و امتداده جغرافيا و زمنيا، يضع القيادة الصينية و الحزب الشيوعي الصيني في تحدي صعب للغاية ، فالحزب الشيوعي يدرك جيدا أن السيطرة على شعب تعداده نحو مليار و نصف ليس بالأمر الهين، وأن شرعيته في الحكم خاصة بعد سقوط “عصابة الأربع” مستمدة من الإصلاح و التحديث و تحقيق النمو الاقتصادي و توفير الرفاه للشعب، و الشعب بالمقابل يدرك جيدا أنه يضحي بكثير من الحريات المدنية والسياسية، مقابل تحقيق نهضة البلاد و تجاوز الأثار السلبية لبعض سياسات الماوية و خاصة “القفزة الكبرى للأمام” و “الثورة الثقافية” و التي دفعت بالصينيين إلى حافة المجاعة …

و سنحاول من خلال هذا المقال ان نتناول بالدراسة و التحليل مستقبل النظام السياسي الصيني في ظل إنتشار الوباء و هل بإستطاعته مواجهة الأزمة دون حدوث قلاقل و اضطرابات شعبية على منوال ما حدث سنة 1989 بساحة تيانانمين..؟ و الحديث عن جمهورية الصين الشعبية لا يستقيم دون الحديث عن الحزب الشيوعي CCP، تناول هذا الأخير يستدعي استعراض تركته السياسية، فسياساته في الصين أثارت الكثير من الجدل، فبدءا من نجاحه في تحرير البلاد من نير الاستعمار، مرورا بسياسة القفزة الكبرى إلى الأمام وسياسة الثورة الثقافية، ثم سياسة الإصلاح والانفتاح و هو الأمر الذي سبق لنا و تناولها بتفصيل في أكثر من مقال و دراسة..

غير أن الأمر الأكثر أهمية في تجربة هذا الحزب، هو استمراره في السلطة رغم أن سياساته السابقة عن 1978، قد ألحقت أضرر كبيرة بشعب يفوق تعداده أنداك نصف مليار نسمة.. ولعل حكمة الصينيون وإيمانهم بفكرة التعلم بالممارسة، هو ما جعل هذا الحزب يفجر ثورته الرابعة، والتي استطاع من خلالها إخراج البلاد من دوامة الفقر والاضطهاد والعنف المنظم، إلى وضع أحسن من مختلف النواحي.

ولم يكن بإمكان هذا الحزب تنفيذ سياساته المتتالية، لو لم يؤمن الشعب الصيني بأن سياسات الحزب الراديكالية صاغها جناح متطرف، وتمت تحت معارضة جناح أصيل معتدل بداخل الحزب،ومثل الجناح المعتدل طيلة تاريخ الحزب، مخرجا من دوامة الفشل والنكوص.. فكانت بذلك، محطات الفشل السياسي المتعاقبة، فرصة لتقوية جناح الاعتدال بداخل الحزب، وهو ما أعطى للحزب قدرة على التجديد الذاتي وتجاوز الصعاب.. ليتمكن مع مطلع 1978 من تغليب كفة الاعتدال ونبذ “الأصولية والتطرف المذهبي “، إحداث انقلاب أيديولوجي بتبنيه لليبرالية اقتصادية تحث ستار “اشتراكية بخصائص صينية” .

لذلك يمكن القول، أن طبيعة النظام السياسي لعبت دورا بالغ الأهمية في تحقيق ماسبق، فلـولا الإرادة الـسياسية للـدول لمـا وجـدت نهضة و تنمية و تنافس على المكانة الدولية، و انتقال سلس من اقتصاد مخطط إلى اقتصاد مفتوح يسير و فق ضوابط و معايير ليبرالية، فالصين من الدول التي تتمتع بقوة النظام السياسي، فالنظام السياسي الـصيني يتمتـع بقـوة جـاءت مـن قلـب الحـضارة الـصينية الـتي تفاعلـت عوامـل عـدة في تكوينهـا وتـشكيلها ، فالثقافـة الصينية تشترك ثلاث عناصر رئيسة في صياغتها وهي :

  • الثقافة الكونفوشيوسية

  • الثقافة الماركسية

  • التوجهات الليبرالية المعاصرة

هذه العناصر وغيرها حددت طبيعة التوجه السياسي الصيني الذي يقوم على إعلاء القومية والثقافة الصينية، وإضـفاء صـفة القوميــة علـى التوجهــات الخارجيـة الــصينية، فالمجتمع الـصيني مجتمــع أسـري إلى حــد كبـير، والعلاقــات السلطوية داخله صارمة، والأخلاق وفق التصور الكونفوشيوسي أقـوى مـن القـانون، والارتبـاط بالعمـل الإداري في الدولـة يجعـل الفـرد في مكانـة أعلـى في الـسلم الاجتمـاعي، ومـن خـلال ذلـك تتوضـح الأبعـاد المركزيـة الـتي تنطـوي عليهـا هـذه الثقافة ولعل اهم هذه الابعاد:

  • اعتبار إطاعة السلطان أمرا أخلاقيا والقانون أداة التطور.

  • ان النسق الاجتماعي يعد أكثر ضرورة من النزعة الفردية

  • المرونة وقبول المذهب البراغماتي في التعامل مع معطيات الواقع

كما أن النظام القانوني الصيني احتفظ بثلاث سمات أساسية و هي :

  • أولوية النظام على الحرية

  • أولوية الواجب على الحق

  • أولوية مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد

ومن هنا يفهم ميل نسبة كبيرة من الصينيين إلى التخوف من أن تؤدي التعددية السياسية إلى الفوضـى وعـدم الاستقرار في حين أن نسبة قليلة جدا تبدي رغبتها في تنحية قادة الحزب الشيوعي ،بينما نسبة عالية من الصينين ترى أن السلطة يجب ان تركز على الأبعاد الأخلاقية ، لذلك فإن القيادة الصينية قادرة على تجاوز الازمة الحالية ، ليس لأنها فقط بيروقراطية فعالة و منضبطة، و إنما لأن الشعب الصيني بطبعه “صبور و يجيد الحسابات و يفكر من محفظته”..و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون..

  • أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

اترك رد